الدم على الجدران الصامتة
الليل كان أسودًا بشكل غير طبيعي.
ليس لأنه مظلم… بل لأن لندن اختفت من عينيه. الشوارع كانت مجرد خطوط ضوء متقطعة، والسماء فوقه كانت قماشًا بلا ثقب، بلا نهاية، بلا نجوم.
سوريال كان يسير بخطوات هادئة، وكأن كل خطوة ثقيلة بما يكفي لجعل الأرض تتذكره. كل زاوية، كل باب، كل نافذة كانت تحمل شيئًا من الماضي. دم، رائحة حديد، صراخ لم يُسمع… كل ذلك كان يترجم في رأسه، ويشكّل لغزًا أكبر من أي عقل بشري يمكنه فهمه.
وصل إلى مبنى مهجور في نهاية الزقاق. الباب الحديدي نصفه مكسور، والنوافذ محطمة، لكنها تعكس الضوء الخافت من الشارع بشكل غريب… مثل أن المبنى نفسه يراقبه.
دخل. الصوت الأول كان صمتًا ثقيلاً، صمت يضغط على الجمجمة ويجعل الأعضاء تتذكر كل خطأ سابق.
الجدران مغطاة بالدم:
ليس الدم الطازج، بل جاف، متشبّع في الطوب كما لو أن المبنى نفسه قد امتص كل المعارك السابقة، كل القرارات المميتة، كل اللحظات التي لم يُسمح له فيها بالاختيار الحقيقي.
على الأرض، كان هناك كرسي واحد، مائل قليلاً، وكوب مكسور بجانبه. الكوب يحمل بقايا سائلة حمراء، تشبه الدموع أكثر من الدم.
سوريال اقترب. لم يلمس الكوب، لكنه شعر بأن شيئًا ما يراقبه من داخله، شيء لا يملك جسدًا، شيء يتنفس من خلال فكرة.
ثم سمع صوت خطوات. خفيفة، سريعة، لكنها متناسقة تمامًا.
لم يكن صوت بشر عادي.
لم يكن قريبًا، لكنه كان قريبًا بما يكفي ليجعله يعرّف كل مسافة بينه وبين أي شيء حي.
قال الصوت، خافتًا لكنه واضح:
— «أخيرًا عدت، الساعات تفرغ… والدم لا يكذب.»
لم يتحرك. لم يرتجف. فقط شعر بأن قلبه يراقب نفسه قبل أن يراقبه أي شيء خارجي.
ظهر ظلّ عند نهاية الغرفة، طويل جدًا، ممتد، لكنه ليس إنسانًا… أو ربما كان نسخة من كل الأشخاص الذين عرفهم.
الظل تحدث:
— «كنت تعتقد أنك تختار من يموت… لكن الحقيقة هي أنك تختار من ترى يموت.»
سوريال أخذ نفسًا عميقًا، وابتلع الصمت مثل دواء مرّ.
أدار جسده، نظر إلى الدم على الجدار. كلمات محفورة بالأظافر:
“كل من يعيش في داخلك هو قاتل أيضًا.”
ثم فجأة، ضربة على الطاولة. صوت قوي، ثقيل، جعل كل الزجاج يرتجف.
ظهر شيء آخر: صورة معلقة على الحائط، بلا إطار، مجرد ورقة كبيرة، تظهر وجوه الضحايا جميعهم، لكن على كل وجه، ابتسامة صغيرة ومرعبة.
سوريال اقترب. كانت الصور حقيقية جدًا، وكأن الدم الذي يسيل داخل الورق هو دم حقيقي. لم يكن خوفه من الموت، بل من معرفته المتأخرة: كل وجه كان يعرفه، كل وجه يمثل لحظة اختار فيها، أو لم يختار.
ثم سمع جملة، هذه المرة من داخله أو من المكان نفسه:
— «الدم لا يكفي ليخبرك الحقيقة… يجب أن ترى الاختيار الأخير.»
اقترب من المرآة الكبيرة التي كانت في زاوية الغرفة. غطاء رمادي نصف مسحوب. رفعه ببطء.
المرآة لم تعكسه مباشرة… بل عكس غرفة مليئة بالدماء، والوجوه، والجدران التي تتحرك ببطء، تهمس له:
“هل أنت شاهد… أم قاتل؟”
سوريال لم يجب.
لم ينظر في المرآة مباشرة… بل إلى الزاوية، حيث ظلّه الطويل بدا وكأنه يراقب نفسه.
ثم سقط شيء على الأرض: ورقة جديدة، لونها أسود داكن، مع كتابة صغيرة جدًا:
“آخر اختبار: هل ستقف أمام الدم، أم ستختبئ في الظل؟”
وقف طويلًا، ساكنًا، جسده يهتز قليلاً، ليس خوفًا، بل لأنه أدرك ما كان يعرفه منذ البداية:
الاختيار ليس لمن يموت… الاختيار لمن يكون.
ثم انفتحت فجأة كل الأبواب في الغرفة دفعة واحدة، وأصوات خطوات كثيرة، همسات، أصوات تصرخ:
— «اختر!»
لم يحرك ساقه.
لم يركض.
لم يهرب.
وقف، وابتسامة باردة، يعرف أن الجواب لن يكون مكتوبًا… بل سيُخلق في اللحظة نفسها، بين الدم والظل والصمت.
وفجأة… الصمت عاد.
الدم توقف عن الحركة، الصور عادت إلى الجدران، المرآة عكست وجهه وحده، لكن العيون بداخله كانت مليئة بكل ما رآه: دماء، وجوه، أصوات، قرارات.
وابتسم سوريال ابتسامة قصيرة، ليست فرحًا، ليست حزنًا، بل قوة أول شعور اختياره الحقيقي.
»»»هذا الفصل الطويل يُعدّ تصعيدًا نفسيًا كاملًا، مليئًا بالغموض، الدم، الفلسفة، الإيحاء بالانفصام، ومقدّمًا للمرحلة الأخيرة نحو المواجهة.