اختيار بلا دماء
الليل عاد إلى لندن كقناع ثقيل يضغط على المدينة.
سوريال لم يخرج من المنزل منذ الصباح. الشوارع كانت صامتة، إلا من ضجيج خافت للسيارات، وكأن المدينة نفسها تتجنب أن تتدخل.
جلس على الطاولة، أمام بقع دم رمزية في ذهنه، والرسائل القديمة مفتوحة أمامه، كأنها تحاول التحدث بصوت واحد لكنه لا يسمعه إلا هو.
أخرج دفترًا صغيرًا لم يفتحه منذ سنوات. كتباته القديمة، خطوطه المائلة، جمل نصف مكتملة، كلها ذكريات تقف على أطرافها. كان كل سطر فيها سؤالًا لم يُجب:
“إذا اخترت، هل ستظل بريئًا؟”
لم يجيب. لم يحاول. فقط وضع يده على الورقة، وكأن الدم على صفحاتها سيجيب عنه.
هاتفه اهتز مجددًا. رسالة واحدة، بسيطة، وجملة واحدة:
“الاختيار القادم هو لك، لكن ليس كما تعتقد.”
نهض. أخذ معطفه، خرج. لم يكن يعلم إلى أين يذهب، لكنه شعر بأن خطوة واحدة في الخارج تعني فتح أبواب لم يفتحها من قبل، أو لم يجرؤ على فتحها.
وصل إلى أحد الأحياء القديمة، حيث البيوت متلاصقة، والجدران تحكي أكثر مما تقول. هناك، في زقاق مظلم، وجد باب حديدي صغير، نصف مخفي عن الأنظار. لم يطرق. لم يفتح أحد له. لكنه شعر أن هذا الباب ينتظره.
دفعه ببطء.
داخل، غرفة شبه فارغة. شمعة واحدة على الطاولة، وكوب دم قديم مجفف… أو تذكير باللحظة الأولى.
لكن الغرفة لم يكن فيها أحد، باستثناء صوت واحد:
— «أحيانًا، ليس الدم ما يقرر، بل رغبتك في رؤيته.»
تقدم خطوة. صمت. اقترب من الطاولة.
لمس الكوب. لم يكن سائلًا، مجرد بقايا تشبه الظل.
ثم جاء الصوت مجددًا، هذه المرة أقرب:
— «إذا أردت الحقيقة… انظر إلى الداخل، لا الخارج.»
سوريال أغمض عينيه. صورته في المرآة لم تظهر بعد. لكنه شعر بشيء ينهض في الداخل، شيء يراقبه ويقيسه، شيء لم يختبره بعد: قوة الاختيار بلا دماء.
نظر حوله. الجدران الآن مغطاة بكتابات صغيرة جدًا، كل حرف دقيق، مرصوص بشكل مخيف:
“كل من يراقب يختار.”
“كل من يختار يراقب.”
“الدم ليس ما يحدد النهاية، بل الإدراك.”
ابتسم ابتسامة قصيرة.
لم يضحك. لم يكن هناك سبب للضحك. لكن الهدوء الذي شعر به كان أقوى من أي خوف.
تذكر صديقه، وتذكر الدم الأول، وتذكر الشك الذي بدأ في التسلل: هل المنظمة خارجية؟ أم جزء منه؟
ثم شعر بالهواء يضغط على وجهه. أدار رأسه. لا شيء.
لكن شيئًا في الظل قرب الباب… تحرّك.
همس لنفسه، دون أن يعرف لمن:
— «إذا كان كل شيء في رأسي… فلتبدأ اللعبة من الداخل.»
ثم خرج. الشارع كان خالٍ تقريبًا.
تحت أضواء صفراء، شعر أن كل خطوة يقودها تفكير واحد:
ليس عن القتل… بل عن الاختيار.
والفصل انتهى، تاركًا القارئ مع شعور بأن شيئًا كبيرًا، دموي وغامض، على وشك الانفجار… دون أن نكشف الانفصام أو المنظمة بعد.ج