ظلال لا تتكلم - حين يتذكّر الجرح صاحبه - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: ظلال لا تتكلم
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: حين يتذكّر الجرح صاحبه

حين يتذكّر الجرح صاحبه

عاد سوريال إلى منزله دون أن يتذكّر الطريق. الشوارع عبرته أكثر مما عبرها. فتح الباب بهدوء؛ الصمت في الداخل كان كاملاً لدرجة أنه شعر بأن المكان يراقبه، مثل غرفة تعرف تاريخ من دخلها ولا تنسى. ترك معطفه، لكنه بقي يشعر بثقل فوق كتفيه لا علاقة له بالملابس. على الطاولة، لم يضع شيئًا… ومع ذلك كان هناك ظرف أسود ينتظره. لم يسمع طرقًا على الباب، لم يفتح أحدًا، ومع ذلك الظرف كان موجودًا، مثل فكرة لا تحتاج إلى إذن كي تدخل. لا كتابة عليه. مجرد سواد نظيف. فتح الظرف. في الداخل ثلاث صور: الأولى — وجه صديق طفولته قبل الموت بثوانٍ، عينيه الواسعتين، سؤال معلّق لا يجد شفاهًا تقوله. الثانية — جسد الضحية في الشارع هذا الصباح، الزاوية نفسها التي وقف عندها. الثالثة — هو نفسه، واقف بجانب الجثة، ينظر إلى الدم، وعيناه خالية من الذعر. أسفل الصور عبارة واحدة: “المراقب ليس بريئًا دائمًا.” بدون أن يشعر، جلس. يده تشنجت قليلًا، ليس خوفًا… بل شيء أقرب إلى اعتراف غير مكتمل. حاول أن يتذكّر لحظة التقاط الصورة الثالثة. لم يتذكّر الكاميرا، ولا المصوّر، لكنه تذكّر بوضوح الشعور الذي كان داخله: هدوء بارد. هدوء لا يليق بالشهود. على الجدار أمامه، لاحظ شيئًا لم يكن هناك أمس: خطوط حمراء رفيعة، كما لو أن أحدهم رسم بأصبعه على الحائط. اقترب أكثر. لم يكن طلاءً. كان دمًا. العبارة قصيرة، لكنها انغرست فيه كسكين: “نحن ما تختاره أيدينا.” لم يشعر بصدمة. ما أخافه أنه فهم الجملة بسرعة. الهواء ثقل. المنزل صار ضيقًا بشكل مبالغ فيه، كأن الجدران تريد الاقتراب منه. من المطبخ صدر صوت سقوط كأس زجاجية، رغم أنه كان وحده. لم يذهب ليرى. لم يعد يهتم بما يسقط… بقدر ما يخاف ما يرتفع داخله. جلس على الأرض وأسند رأسه للحائط. بدأ يسمع خطوات… لا داخل البيت، بل داخل ذاكرته. باب قديم يُفتح. أصوات تتجادل. طبيب يقول جملة باردة: — «الواقع ليس مشكلة الجميع.» ثم باب يُغلق بلطف. الصوت الذي بلا حنجرة عاد: — «المنظمة ليست خارجك. هي ما يحدث عندما تترك الأبواب مفتوحة.» أغمض عينيه. رأى نفسه أصغر سنًا، في غرفة بيضاء باردة، يحدّق في المرآة. لا أحد خلفه، ومع ذلك كان يشعر بوجود كثيف يلتصق بظهره. سأل وقتها بصوت منخفض: — «هل أنا وحدي؟» وأتاه نفس الصوت الذي يسمعه الآن: — «لن تكون وحدك إذا صنعت من تكون معه.» فتح عينيه بسرعة. الغرفة عادت كما هي، لكن الصدى بقي. اهتز الهاتف مرة أخرى. رسالة جديدة: “الضحية التالية قريبة جدًا منك.” تلتها أخرى: “لن تكون مُجبَرًا على الاختيار هذه المرة… ستختار لأنك تريد.” اتسع الصمت حوله. لم يهتز داخله خوف واضح؛ الذي اهتز كان شيء أعمق، شيء يشبه رغبة قديمة تم تدريبها على الاختباء. وقف قرب النافذة ونظر إلى الشارع. الناس كانوا عاديين جدًا: امرأة تحمل كيسًا، طفل يركض، رجل يتحدّث في هاتفه. كلهم يمرّون قرب فكرة لا يرونها. همس لنفسه دون أن ينتبه: — «كم إنسانًا يمكن أن يختفي… دون أن يختفي العالم؟» لم يجب أحد. لكن السؤال لم يذهب. على الزجاج انعكس وجهه. لثانية، لم يتعرّف عليه. لم يكن البطل البارد الذي يراقب فقط. لم يكن الضحية التي تبحث عن تفسير. كان شيئًا ثالثًا… شيء ولد بين الاثنين، لا يحتاج مبررات كثيرة ليبرّر وجوده. فكر في صديقه القديم، في الدم، في الاختيار الأول. أدرك أن هناك لحظة واحدة غير كل اللحظات: اللحظة التي اكتشف فيها أنه يستطيع. ليس أنه مُجبَر. ليس أنه مضطر. بل أنه يستطيع. أغلق الستارة ببطء. لم ينتهِ اليوم بعد. لكن شيئًا في داخله انتهى منذ سنوات، ولم يعترف بذلك إلا الآن. وبينما كان البيت يزداد صمتًا، أحس أن المدينة كلّها تنتظر حركة صغيرة من يده، فكرة واحدة، قرارًا لا يحتاج شهودًا. وفي الظل القريب، سؤال لم يُطرح بصوت عالٍ… بدأ يأخذ شكلًا: هل سيبحث عن القاتل بعد الآن؟ أم سيبحث عن سبب حاجته لوجوده؟