مرآة بلا انعكاس
المدينة في تلك الليلة بدت وكأنها نزفت كل أضوائها. الضباب كان كثيفًا إلى حد يجعل الأبنية تبدو كأشباح طويلة فقدت أسماءها. لندن لا تتكلم، لكنها تراقب… وهذا وحده كان كافيًا ليجعل سوريال يشعر أن شيئًا يتحرك خلف ظهره كلما خطا خطوة.
وصلته رسالة قصيرة:
“عد إلى المكان الأول.”
لا اسم. لا رقم معروف. مجرد أمر… وكأنه كان دائمًا يعرف أنه سيأتي.
المكان الأول لم يكن منزل صباه، ولا المدرسة، ولا الجسر الذي شاهد عليه الموت. كان أعمق من ذلك: غرفة في منطقة مهجورة تحت مخزن قديم، حيث الجدران مغطاة بكتابات لا يتذكر أنه كتبها… لكنها بخط يده.
كان الباب الحديدي مفتوحًا قليلًا، وكأنه ينتظر عودته. دفعه فصرّ صوت المعدن مثل صرخة قصيرة. الرائحة التي خرجت من الداخل كانت مزيجًا من رطوبة، وشيء آخر… شيء يشبه رائحة الحديد الساخن بعد أن يلامسه الدم.
الغرفة لم تتغير. أو ربما هو الذي تغيّر.
على الأرض علامات دائرية، شمع أسود ذائب، صور ممزقة لوجوه بلا عيون، ومرآة كبيرة مغطاة بقماش رمادي. في الوسط كرسي واحد، وكأنه اعتراف ينتظر جالسًا.
جلس دون أن يعرف لماذا.
الصمت كان كثيفًا بحيث أصبح له وزن. ثم سمع الصوت.
لا خطوات. لا باب. فقط صوت خلف عظامه مباشرة:
— «أخيرًا… عدت.»
التفت. لا أحد.
الصوت لم يكن في الغرفة. كان أقرب. كان داخله.
حاول أن يتذكر من أول من أدخله لهذه الغرفة، من رسم الطقوس على الأرض، من علّم جسده أن لا يرتجف أمام الدم… لكن ذاكرته كانت مثل زجاج مكسور؛ كلما حاول الإمساك بقطعة جرح نفسه أكثر.
فجأة، اهتز الهاتف.
صورة.
وجه صديق طفولته… قبل لحظة الموت. نفس النظرة التي كان قد حاول نسيانها: نظرة شخص فهم متأخرًا أن الحياة ليست عادلة، وأن أحدهم اختار أن يعيش بدلاً منه.
ثم رسالة ثانية:
“من الذي اختار؟”
لم يجب.
المرآة المغطاة جذبت عينيه. وقف ببطء ومشى نحوها. يده كانت ترتجف قليلًا، لا خوفًا بل بسبب شيء يشبه الفضول المؤلم. سحب القماش.
المرآة لم تعكس شيئًا.
لم يكن هناك سوريال.
كانت الغرفة فقط. والدم على الجدار خلفه. والكرسي. ولا أحد.
للحظة صدّق أنها مكسورة. ثم لاحظ أمرًا أبسط:
المرآة كانت تعكس شخصًا، لكن ليس هو.
الوجه الذي ظهر كان باردًا، مبتسمًا ابتسامة صغيرة لا تشبهه. نفس العينين، نفس الملامح، لكن شيئًا غير قابل للتسمية كان مختلفًا… وكأن شخصًا آخر يعيش في تلك السمات.
سُمعت طرقات بطيئة على الباب الحديدي. واحدة. اثنتان. ثلاث.
الصوت من المرآة قال بالنبرة نفسها:
— «لا تفتح. أنا الذي يفتح.»
تجمّد مكانه.
يداه لم تتحركا. لكن المزلاج انخفض.
الباب انفتح.
دخل شخص مغطى بالسواد، ملامحه غير واضحة، كأنه ظل يتكثف في شكل إنسان. لم يقترب. فقط وقف عند العتبة وقال:
— «نحن لم نتركك وحدك. أنت الذي تركنا.»
ثم رمى شيئًا على الأرض وانصرف.
سوريال انحنى ليراه.
بطاقة هوية. اسمه. صورته. لكن تاريخ الوفاة مطبوع أسفلها.
قبل خمس سنوات.
الغرفة أصبحت أثقل. المرآة ابتسم وجهها أكثر. والسؤال بدأ يفتح أنيابه في رأسه:
هل كان يطارد منظمة؟ أم كان يهرب من نفسه؟ أم أن الاثنين الشيء نفسه؟
لم يجد جوابًا. ولم يعد متأكدًا إن كان يحتاجه.
فقط رفع البطاقة، نظر إليها طويلًا، وشعر كأن المدينة كلها تهمس معه:
“من الذي مات حقًا؟”
ثم انطفأ الضوء.