أصوات لا تأتي من الفم
عاد سوريال إلى الشقة قبل أن يكتمل الصباح.
لم يكن جسده متعبًا… التعب كان في مكان لا يعرف له اسمًا.
فتح الباب.
الهواء في الداخل مختلف، كأنه لم يعد الهواء نفسه الذي تركه قبل ساعات.
الأشياء في مكانها — وهذا ما أزعجه.
كان يتوقع فوضى… الفوضى على الأقل تُعطيك شخصًا تتهمه.
أما النظام المفرط فهو اتهام مباشر لك وحدك.
جلس أمام الطاولة.
الرسائل مرتبة كما كانت.
لكن شيئًا لم يكن كما كان.
كان هناك مقعد خامس بجانب الطاولة.
أقسم أنه لم يكن موجودًا من قبل.
لم يلمسه.
تركه كما هو… الكراسي مثل الذكريات: كلما حاولت تغيير مكانها، تبدأ في الصراخ.
أغلق عينيه قليلاً.
لم يعد يميز إن كانت الصور التي يراها ذكريات، أو أحلامًا، أو خطأً في طريقة تفكيره.
كل ما يعرفه أن هناك شيئًا يتحرك داخل رأسه… لا يطرق الأبواب، بل يمرّ عبر الجدران.
ثم بدأت الأصوات.
لم تكن أصواتًا خارجة من فم أحد.
كانت كأن الجدران نفسها قررت أن تتكلم، بصوت خافت يمرّ عبر العظام لا عبر الأذن.
سمع جملة أولى:
— كان يجب أن تختار بشكل أسرع.
ثم ثانية:
— نحن لا نقتل… نحن نضع المرآة فقط.
ثم ثالثة:
— أدريان لم يمت من أجلنا… بل من أجلك.
فتح عينيه بسرعة.
الهواء ثابت.
ولا شيء يتحرك.
نهض واقترب من الجدار.
وضع أذنه عليه.
هناك شيء خلف الجدار.
ليس فأرًا.
ليس أنابيب ماء.
شيء ينتظر.
همس:
— من أنتم؟
لم يأتِ صوت.
لكن حرفًا ظهر أمامه ببطء، كما لو أن الجدار ينزف كتابةً:
A
ثم توقف.
تمدد الحرف، أصبح أثقل، وكأنه يحمل على كتفه ذاكرة كاملة.
ابتعد خطوة للخلف.
لم يرد أن يرى الكلمة كاملة… لكنه لم يستطع منع نفسه.
ظهرت باقي الحروف ببطء مؤلم:
A D R I A N
اسم صديق الطفولة.
الاسم الذي لا يجب أن يُكتب على الجدران.
جلس على الأرض.
لم يسقط… جلس فقط، كما يجلس شخص تلقّى ضربة معنوية يعرف أنها كانت في المكان الصحيح.
لم يبكِ.
البكاء يحتاج يقينًا، وهو لا يملك يقينًا واحدًا — لا في نفسه، ولا في العالم، ولا حتى في موت أدريان.
همس كأنه يعترف:
— أنا لم أنقذه…
— لكن هل كنت قادرًا على إنقاذه أصلًا؟
ثم عاد الصوت — هذه المرة من داخل رأسه أو من خارج الجدار، لم يعد الفرق مهمًا:
— لا أحد يُنقذ أحدًا.
— كل ما نفعله أننا نمنح الآخرين طرقًا مختلفة ليموتوا بها.
ضحك ضحكة قصيرة… بلا سبب واضح.
ثم توقف فجأة.
لاحظ شيئًا لم ينتبه له من قبل:
الكرسي الخامس لم يكن فارغًا.
لم يكن فيه شخص.
لكن كان فيه معطف لطفل صغير، مطوي بعناية، وعلى كمّه بقعة داكنة تشبه الدم الذي جفّ منذ سنوات.
اقترب منه.
لمسه.
لم يكن هناك برد ولا حرارة — كان هناك شعور واحد فقط:
شعور العودة المتأخرة جدًا.
عرف في تلك اللحظة أن شيئًا كبيرًا يقترب.
ليس قاتلاً.
ليس منظمة.
بل لحظة مواجهة — مع شيء لا يستطيع طرده من باب الشقة… لأنه لا يعيش خارجها.
نظر إلى النافذة.
المدينة مستيقظة.
والعالم يسير بشكل طبيعي.
والناس يشترون القهوة ويذهبون إلى العمل ويعودون إلى بيوتهم…
وهو — في مكان ما بين غرفة تتنفس دمًا وجدار يعرف اسمه ومعطف طفل لا يكبر.
همس كأنه يضع وعدًا:
إذا كانت المنظمة في الخارج — سأجدها.
وإذا كانت داخلي — سأفتح الباب لها وأجلس معها حتى تنتهي الكلمات.
ثم ابتسم ابتسامة قصيرة، لا تشبه البشر كثيرًا.
والفصل انتهى…
لكن الأصوات لم تنتهِ بعد.