حين تتكلم الجدران
المدينة خارج النافذة كانت تشبه غرفة عمليات ضخمة:
أضواء حادة، ظلال تتمدد، وصمت يقطعه أحيانًا صوت صافرة بعيدة.
جلس على الأرض بدل السرير. الأرض باردة، لكنها حقيقية.
كان يحتاج شيئًا لا يشك فيه.
على الطاولة كانت الرسائل السابقة مرتبة بدقة… دقة مبالغ فيها.
لم يتذكر أنه رتّبها، لكنها مرتبة.
كل رسالة تميل قليلًا نحو الأخرى، كما لو كانت تتبادل الأسرار عندما لا ينظر إليها أحد.
أخذ الورقة الأخيرة، نظر إليها طويلاً دون أن يقرأها.
كان يحاول أن يسمعها بدل أن يقرأها.
ثم فجأة — طرقٌ خفيف على الباب.
ليس طرقًا يطلب الدخول…
بل طرقًا يطمئن فقط على أنك مازلت هنا.
نهض ببطء.
فتح.
لا أحد.
فقط ممر طويل، وسجادة قديمة مُلطخة بآثار أحذية لا يعرف أصحابها، والجدران تقف صامتة بوضع القاضي.
لكن شيء ما كان موجودًا.
كان هناك ظرف أسود تحت الباب، كأنه انزلق زحفًا ليصل إليه.
التقطه.
الأظرف السابقة كانت بيضاء… هذا أول أسود.
فتحه بهدوء شديد، كما لو كان يفتح قفصًا لا يريد أن تهرب منه الحقيقة بسرعة.
في الداخل صورة.
ليست صورة جريمة، ولا صورة وجه.
كانت صورة جدار.
جدار رمادي مائل، عليه شق طويل كجرح قديم.
وتحت الصورة جملة قصيرة:
“ابحث عن الجدار الذي يعرف اسمك.”
رفع رأسه — نظر حول الشقة.
الجدران الأربعة صامتة… لكنها ليست بريئة.
لبس معطفه، خرج.
المدينة وقت الفجر ليست أخفّ من الليل… هي فقط تغيّر لون القلق.
مرّ في الأزقة والشوارع الخلفية.
كل جدار يشبه الصورة — وكل جدار لا يشبهها تماماً.
وهذا أسوأ.
ثم وجد المكان.
كان نفقًا قصيرًا تحت أحد الجسور.
ضوء أصفر خافت، رائحة ماء قديم، وأصوات سيارات تمر فوقه كنبض ضخم.
الجدار الأيمن فيه شق طويل… مطابق تقريبًا للصورة.
اقترب.
مرر أصابعه فوق الشق.
لم يكن مجرد كسر في الاسمنت — كان كأنه كتابة مسحها المطر.
ثم لاحظ شيئًا لم ينتبه له أول مرة.
عند نهاية الشق، كانت هناك كلمة محفورة بخط صغير جداً:
S U R I A L
اسمه.
لم يتراجع.
لم يتفاجأ بعنف.
لكن قلبه — الذي لم يتكلم منذ زمن — تحرك قليلاً.
همس وكأنه لا يريد للجسر فوقه أن يسمع:
— إذن… الجدار يعرف فعلاً.
في اللحظة نفسها، سمع خطوة خلفه.
ثم صوتاً هادئًا، ليس مهددًا ولا مطمئنًا… بل يعرف تمامًا أين يضغط:
— هل ظننت أن القصص تبدأ بالصدفة؟
— لقد كنت في منتصفها منذ زمن طويل.
التفت.
لم يكن هناك قناع هذه المرة.
كان هناك وجه بلا ملامح واضحة في الظل، يمكن أن يكون أي شخص… وهذا يجعله أقرب من اللازم.
قال سوريال:
— لماذا اسمي على الجدار؟
أجاب الصوت:
— لأن الجدار شاهد.
— وكل شاهد يحتاج اسماً ليتذكر من سيشهد عليه.
سأله سوريال بهدوء لا يشبه البشر العاديين:
— هل أنتم منظمة… أم فكرة في رأسي؟
اقترب الظل خطوة واحدة.
— ولماذا تريد التفريق؟
— هل سيتغير الألم إن تغيّر مصدره؟
لم يجب.
الهواء صار أثقل.
النفق ضاق فجأة… ليس بالحجارة، بل بالأفكار.
قال الصوت:
— سنمنحك شيئًا جديدًا اليوم.
— ليس اختيارًا… بل سؤالاً لن تنجو منه.
صمت قليلًا، ثم أكمل:
— إذا كان القاتل خارجك… فلماذا يعرف الجدار اسمك؟
— وإذا كان داخل رأسك… فمن الذي يترك لنا الرسائل؟
ثم اختفى.
لا خطوات. لا باب. لا ضباب دخاني.
فقط اختفى… كما تختفي فكرة عندما تخاف أن تُفهم.
بقي سوريال أمام الجدار.
لمس اسمه مرة أخرى، كأنه يتأكد أنه حقيقي.
الاسم كان باردًا مثل الحديد.
همس لنفسه:
— لا يهم من يكون القاتل…
— لكن ما أخشاه حقًا هو أن أكون أنا القصة كلها.
في تلك اللحظة، قطر ماء من فوق الجسر… سقط على الحرف الأول من اسمه، ومسحه قليلاً.
وكان هذا كافياً ليجعله يدرك:
حتى الأشياء التي تعرف اسمك… يمكن أن تنسى.
فابتسم ابتسامة صغيرة، لا فرح فيها ولا حزن — ابتسامة شخص ينظر في هاوية ويعرف أنها تنظر إليه أيضًا.
والفصل انتهى…
لكن الجدار لم ينتهِ بعد.