ظلال لا تتكلم - خطوات لا تترك أثرًا - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: ظلال لا تتكلم
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: خطوات لا تترك أثرًا

خطوات لا تترك أثرًا

لم يكن الليل ينسحب من لندن هذه المرة… كان يرسّخ نفسه أكثر. كأن المدينة قررت أن تبقى بلا صباح. سار سوريال بمحاذاة النهر. الماء أسود، لا يعكس شيئًا إلا الأضواء المرتجفة، وكأنها قلوب صغيرة تخشى الاعتراف بالخوف. رياح باردة تصفع الجسور، والضباب يلتفّ حول الأعمدة كأفاعٍ صامتة. لم يكن يفكر في ما حدث داخل تلك الغرفة فقط. كان يفكر في الشيء الذي لم يحدث. في الكلمات التي لم تُكتب، والاختيارات التي لا تحمل أسماء. كل خطوة كان يسمع بعدها خطوة أخرى. التفت — لا أحد. سار — عادت الخطوة خلفه. لم يكن يعرف إن كان أحد يتتبعه… أم أن الطريق نفسه يتعلم كيف يقلده. وصل إلى شارع ضيق، مصابيحه ضعيفة، الجدران قريبة من بعضها حتى يشعر أن المباني تريد أن تبتلعه. توقف. كان هناك صوت تنفّس خلفه. ليس قريبًا ولا بعيدًا — في المسافة التي لا تريحك ولا تخيفك فقط… بل تجعلك تفكر أكثر مما يجب. قال بصوت هادئ دون أن يلتفت: — طالما تتبعني، لماذا لا تمشي بجانبي؟ لم يُجب أحد. لكن الصمت تغيّر. وأحيانًا يكون تغيّر الصمت أخطر من أي صراخ. تابع السير. وصل إلى باب شقة قديمة يعرفها جيدًا… دون أن يتذكر متى دخلها أول مرة. فتح. داخل الشقة، الجدران عارية إلا من شيء واحد: صورة صغيرة لطفل يضحك وعيناه لا تضحكان. اقترب منها. لمس إطارها بيده كما لو كان يتحقق من واقعية وجودها. على الطاولة وُجد مظروف جديد. لا ختم. لا عنوان. فتحه. في الداخل ورقة واحدة: “أنت لا تُطارد الحقيقة. الحقيقة هي التي تختبر صبرك.” تحت العبارة، ساعة أخرى — لكنها تتحرك هذه المرة… إلى الخلف. جلس على الكرسي. الكرسي يصدر صوتًا قديمًا، كأنه يحتجّ على وزن الأفكار لا وزن الجسد. أغمض عينيه قليلًا. لم يكن العام، ولا المكان، ولا الليلة ثابتين في ذهنه. الأحداث لم تعد خطًّا مستقيمًا… بل دائرة كبيرة يدخل فيها كل شيء: أدريان الغرفة التي تتنفس دمًا الأقنعة السوداء الطفولة الرسائل القاتل الذي قد لا يكون خارج جسده إطلاقًا فتح عينيه. كان الكرسي المقابل له مشغولًا. شخص يجلس هناك، لكن الظل يغطي وجهه. لم يكن ظهوره مفاجئًا… وكأنه كان دائمًا هناك ولم يلاحظه إلا الآن. قال الظل: — لماذا تحاول أن تجعل من كل شيء لغزًا؟ — بعض الأشياء ليست ألغازًا… إنها جروح لم تُغلق فقط. لم يتحرك سوريال. لم يسأل “من أنت؟”. قال بهدوء: — إن لم أعتبرها لغزًا… فسأضطر إلى اعتبارها حقيقة. ضحك الظل قليلًا. الضحكة بدت مألوفة بشكل مؤلم. — وهل تخاف الحقيقة لهذه الدرجة؟ لم يجب مباشرة. ثم قال: — الحقيقة لا تخيفني… — ما يخيفني هو احتمال أن يكون كل هذا… داخل رأسي فقط. اختفى الصوت. الكرسي المقابل أصبح فارغًا، كما لو أن من جلس عليه لم يكن رجلاً… بل فكرة جاءت ثم غادرت. وقف. اقترب من النافذة. تحتها شارع طويل، وفي نهايته سيارة شرطة، ضوءها الأزرق يدور بلا استعجال… كعين تراقب ولا تتدخل. في تلك اللحظة، أدرك شيئًا لم يبح به لأحد: كلما اقترب من “المنظمة”، اقترب أكثر من نفسه… وكلما بحث عن القاتل الحقيقي، وجد مرايا لا أسماء لها. انطفأت الأنوار للحظة قصيرة. ثم عادت. لكن شيئًا واحدًا تغيّر في الشقة: على الحائط ظهرت جملة لم تكن هناك من قبل، مكتوبة بلون داكن: “أنت التالي في الاختيار.” لم يخف. لم يبتسم. لكن عينيه أصبحتا أكثر هدوءًا… الهدوء الذي يأتي قبل العاصفة، لا بعدها. وواصل الليل مراقبته.