ظلال لا تتكلم - غرفة تتنفس دمًا - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: ظلال لا تتكلم
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: غرفة تتنفس دمًا

غرفة تتنفس دمًا

كان الليل في لندن يبدو وكأنه كُتب بالحبر الأسود نفسه الذي كتبت به الرسائل. المطر لا يتوقف. الشوارع لامعة، وكأن المدينة غُسلت حديثًا من جريمة لا يريد أحد ذكرها. سوريال لم يعد يفرّق بين الصدفة والقصد. كل مكان يذهب إليه يقوده إلى مكان آخر، كأن المدينة نفسها تمد له خيوطًا غير مرئية. الخريطة التي تلقّاها كانت بسيطة من حيث الرسم… معقّدة من حيث المعنى. خط أحمر مستقيم ثم ينحرف فجأة، ثم يقف، ثم يلتفّ حول نفسه. كتب أسفلها فقط: “كلُّ خطّ هو اختيار، وكلُّ انحراف هو ثمن.” وصل إلى مبنى قديم قرب الأرصفة الرطبة للميناء. الواجهة مهترئة، النوافذ مكسّرة، وأبواب الحديد تصدر أنينًا عندما يدفعها الهواء. لم يكن المكان مهجورًا تمامًا… كان فيه حضور لا يُرى. دخل. كانت الرائحة أول ما ضربه: رطوبة، غبار، وشيء آخر لا يريد للعقل أن يسمّيه. الطابق الأول فارغ، بلا حياة. الطابق الثاني أكثر صمتًا. الصمت هنا ليس غياب الصوت، بل وجود شيء ينتظرك. في الطابق الثالث وجد الغرفة. في وسطها دائرة مرسومة باللون الأحمر. حولها رموز متقاطعة — ليست سحرًا صريحًا ولا علمًا واضحًا. شيء بين الاثنين… شيء لا يحتاج أن يكون مفهومًا كي يكون مخيفًا. على الجدار عبارة طويلة مكتوبة بخطّ مائل: “من لا يختار، يتم اختياره.” جلس سوريال أمام الدائرة. لم يكن مضطرًا، لكنه فعل. كأن المكان يعرفه قبله. على الطاولة ثلاث أشياء: سكين ساعة متوقفة عند نفس الدقيقة مرآة صغيرة متسخة فتح مظروفًا جديدًا وقرأ: “إن لم تُقرر، سيُقرر غيرك. اختر بين أن تدفع الثمن وحدك… أو أن تدفعه مع شخص لن تنساه.” لم يذكروا من الشخص. لم يشرحوا ما الثمن. لكن كأن النص مكتوب داخل رأسه وليس على الورق. سمع حركة. باب الغرفة أُغلق ببطء دون أن يراه أحد يلمسه. الهواء أصبح أثقل. الشموع ارتفعت ألسنتها فجأة، كأنها تنصت. ثم سمع صوتًا من خلفه — ليس مرتفعًا، لا يُصرخ، بل يُلقى كما تُلقى فكرة: — الحرية ليست أن تختار… بل أن تتحمّل ما بعد الاختيار. لم يلتفت فورًا. ليس خوفًا، بل لأنه كان يحلل الجملة. التفت. رجل يرتدي قناعًا أسود بسيطًا، بلا زخرفة. ليس شيطانًا، ولا وحشًا، بل عادي جدًا… وهذا ما يجعله مخيفًا. قال الرجل: — هناك شخصان مرتبطان بك بطريقة لن تفهمها إلا متأخرًا. — أحدهما سيعيش. الآخر… لن يكون جزءًا من العالم بعد الآن. — لن نقتل أمامك هذه المرة. أنت من سيقرر فقط. لم يذكر أسماء. لم يطلب عواطف. كان يتحدث كما لو أن الموضوع معادلة. وضع على الطاولة ورقتين دون أن يكشفهما. وقال: — اختر الورقة التي ستظل موجودة غدًا. ثم خرج. لم تُغلق الباب هذه المرة. الاختيار مفتوح… وهذا أصعب. اقترب سوريال من الورقتين. يده لم ترتجف، وجهه لم يتغير. لكن شيئًا في عينيه كان يتحرك بسرعة أكبر من المطر خارج النافذة. جلست أفكاره حوله. لم تكن أفكارًا فقط — كانت محاكم صغيرة: محكمة للمنطق محكمة للذنب محكمة للبرود ومحكمة لشيء أعمق من ذلك بكثير تذكر أدريان. تذكر الليلة التي أجبروه فيها على الاختيار. تذكر الدم الذي لم يصبه لكنه ظل على ضميره. فكرة واحدة ضربته بقسوة: “ماذا لو لم تكن المنظمة خارجية أصلًا؟ ماذا لو كانت انعكاسًا للطريقة التي يرى بها نفسه والآخرين؟” رفض الفكرة بسرعة… وهدوء. كما يرفض المرء جرحًا لم يُشفى بعد. نظر إلى المرآة على الطاولة. المرآة لم تعكس وجهه بوضوح — كانت تعكس عينين متعبتين جدًا… وعقلًا لا يريد التوقف. نظر إلى السكين. لم يرفعه. لكن مجرد وجوده على الطاولة جعل الخيارات أكثر ثقلًا. فتح الورقتين في النهاية. لم نجد أسماء واضحة. وجد بدل ذلك: “من يشبهك أكثر.” “ومن يراك كما أنت حقًا.” ضحك ضحكة قصيرة جدًا لم يسمعها أحد — ضحكة بلا فرح. أعاد الورقتين إلى مكانهما. قال بصوت منخفض: — الاختيار ليس بينهما… الاختيار بيني أنا. ثم سمع الخطوات تعود. القناع نفسه. الوقوف نفسه. سأله القناع بهدوء: — هل قررت؟ أجاب: — نعم. لم يقل ماذا اختار. لم نسمع الاسم. لم نعرف من الذي سيعيش ومن الذي لن يكون جزءًا من الغد. لكن المطر في الخارج اشتد فجأة. والشموع في الغرفة انخفض نورها… كأنها انحنت احترامًا لشيء لا يُرى. خرج سوريال من المبنى. لم ينظر خلفه. الميناء كان مظلمًا. المدينة بكاملها تبدو وكأنها تتآمر بصمت. كان واضحًا أن شيئًا قد تحطم — في العالم، أو في داخله، أو في الاثنين معًا. لكن لم يكن أحد يعرف أيهما أولًا. والسؤال الذي لم يُطرح بصوت، لكنه ظل معلقًا في الهواء: هل كانت هناك منظمة حقًا؟ أم أن الظلال التي يطاردها هي ظلاله هو؟ وترك الليل السؤال بدون إجابة.