الفصل 2️⃣⬇️
لم تنم ليان تلك الليلة.
ليس لأن آدم عاد، بل لأن المدينة أعادته معها. كل زاوية صارت تهمس باسمه، وكل صمت طويل صار يحمل صوته.
في الصباح، وقفت أمام المرآة طويلاً.
كانت ترى نفسها كما هي الآن، لا كما كانت. امرأة نضجت بالقوة، لا بالاختيار. عيناها لم تعودا تبحثان عن أحد، لكنهما لم تتعلما بعد كيف تتجاهلان الذاكرة.
خرجت متجهة إلى العمل.
نعم، العمل… لأن الحياة لا تنتظر حتى نرتب قلوبنا.
كانت تعمل في دار نشر صغيرة، مكان هادئ، مليء بالكتب والوجوه التي تُحب الصمت. المكان الوحيد الذي شعرت فيه أن قلبها يمكنه أن يهدأ دون أسئلة.
لكن الهدوء لا يدوم.
دخل آدم.
هذه المرة لم يكن صدفة.
جاء لأنه عرف مكانها، ولأنه قرر أن الصمت لن يريحه.
وقف عند الباب، ينظر إليها من بعيد.
كانت منحنية فوق مكتبها، تقلب المخطوطات، شعرها مربوط بإهمال جميل.
كانت أقرب مما يجب، وأبعد مما يستطيع.
اقترب.
قال بصوت خافت:
“ليان.”
رفعت رأسها ببطء.
لم تتفاجأ.
كأنها كانت تنتظره رغم كل إنكارها.
“ما توقعت تجي.”
“ولا أنا توقعت أقدر أتركك تمشي أمس.”
سكتت لحظة، ثم قالت:
“آدم… لا تجيب الماضي معك لهنا. هذا مكاني الوحيد اللي ما أبغاه يتلوث.”
ابتسم بسخرية مرّة.
“غريب. لما مشيتي، ما فكرتي إذا حياتي بتتلوث أو لا.”
الكلمة أصابتها مباشرة.
ليس لأنها قاسية… بل لأنها صحيحة.
أشارت إلى الكرسي المقابل.
“اقعد. خلّص اللي عندك.”
جلس.
لمس الطاولة بأصابعه، وكأنه يختبر واقعيتها.
قال:
“ليش مشيتي بدون ما تشرحي؟
ليش خليتيني أدوّر إجابة خمس سنين؟”
أخذت نفساً عميقاً.
هذا السؤال… كان ينتظرها منذ زمن.
“لأني كنت أحبك أكثر مما أحتمل.”
رفع رأسه فجأة.
العينان تلاقتا، وهذه المرة لم تهرب.
“كنت أشوف نفسي أذوب فيك.
قراراتي صارت تدور حولك، خوفي صار منك، وفرحي كان مرهون بمزاجك.
وأنا… أنا ما أعرف أعيش بدون نفسي.”
قال بهدوء مخيف:
“فقررتي تكسريني عشان تحمي نفسك.”
هزّت رأسها ببطء.
“قررت أختفي… لأني لو بقيت، كنت راح أكرهك.
وأنا ما كنت أبغى أوصل لهالمرحلة.”
سكت.
طويلاً.
ثم قال:
“تعرفي إيش أصعب شيء؟
مو أنك رحتي…
الأصعب أني حاولت أكرهك وما قدرت.”
شعرت بحرقة في صدرها.
هذا الاعتراف لم يكن انتصاراً، كان عبئاً.
نهض فجأة.
اقترب منها أكثر مما يجب.
“ليان… أنا مو جاي أرجعك.
أنا جاي أفهم… هل اللي بينا مات؟
ولا أنتِ دفنتيه وهو لسه يتنفس؟”
لم تجب.
الصمت كان جوابها الوحيد.
ابتعد خطوة.
“أبغاك تفكري.
مو عشاني… عشانك.”
ثم خرج.
بقيت وحدها، والكتب حولها لم تعد صامتة.
كل صفحة بدت وكأنها تسألها نفس السؤال:
هل الهروب كان شجاعة…
أم كان أول خيانة للحب؟
في تلك اللحظة فهمت ليان شيئاً مرعباً:
أن عودة آدم لم تكن صدفة،
وأنها إن بقيت في هذه المدينة،
فلن تكون المعركة معه…
بل مع نفسها.
🖤