حين لايكفي القلب وحده - الفصل 1️⃣⬇️ - بقلم دلوعه من يومي - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: حين لايكفي القلب وحده
المؤلف / الكاتب: دلوعه من يومي
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 1️⃣⬇️

الفصل 1️⃣⬇️

لم تكن تؤمن بالبدايات. كانت ترى أن كل شيء يبدأ قبل أن ننتبه له، مثل الشرخ الصغير في زجاج نافذة، لا تراه إلا حين يدخل الهواء بارداً فجأة. اسمها ليان. امرأة لا تُخطئها العين، لا لأنها جميلة فقط، بل لأنها تمشي وكأنها تحمل فكرة ثقيلة في رأسها طوال الوقت. عيناها سوداوان، لكنهما لا تلمعان إلا نادراً، كأن الضوء داخلهما مقتصد، لا يُهدر نفسه على كل شيء. عادت إلى المدينة بعد غياب خمس سنوات. لم يكن الغياب اختياراً، كان انسحاباً تكتيكياً من حياة ضاقت بها حتى كادت تختنق. المدينة لم تتغير كثيراً، نفس الشوارع، نفس المقاهي، نفس الوجوه التي تشيخ ببطء. لكنها تغيّرت. كانت أخف، وأثقل في الوقت نفسه. خفّت لأنها تركت خلفها أحلاماً كثيرة، وثقلت لأنها حملت نتائج ذلك الترك. في أول صباح لها، دخلت المقهى القديم في آخر الشارع. المكان الذي كانت تجلس فيه مع صديقتها الراحلة، تتقاسمان القهوة والضحك وأوهام المستقبل. جلست قرب النافذة. طلبت قهوتها دون سكر. تعلمت أخيراً أن لا تحلّي الأشياء على حساب حقيقتها. ثم دخل هو. آدم. لم يدخل بطريقة ملفتة، لم يتوقف الزمن، ولم تسقط الكؤوس من الطاولات. دخل ببساطة… لكنها البساطة التي تُربك. كان أطول مما تتذكر، أو ربما هي أصبحت أقصر من الحياة. لحيته خفيفة، صوته منخفض، وملامحه تحمل ذلك التعب الرجولي الذي لا يطلب شفقة، لكنه يفرض احتراماً صامتاً. لم ينظر إليها فوراً. جلس على الطاولة المقابلة، أخرج هاتفه، ثم رفع عينيه… وتوقّف. تلاقى النظران. ثانيتان فقط. لكنها كانت كافية لتذكيرهما بكل شيء لم يُقال. لم يبتسم. لم تبتسم. كأن الابتسامة اعتراف، وكلاهما لم يكن مستعداً له. آخر مرة رأته فيها، كان غاضباً. غاضباً منها، من صمتها، من هروبها المفاجئ، من رسالة الوداع الباردة التي تركتها خلفها. “أنا لا أستطيع البقاء… سامحني.” رسالة لا تُسامَح. هو كان حبها الأول. وخطأها الأول. والشخص الوحيد الذي لم تستطع أن تكرهه رغم كل محاولاتها. نهض من مكانه ببطء، اقترب من طاولتها. لم يسأل إن كان يستطيع الجلوس. جلس. قال بهدوء فيه حدّة خفية: “رجعتي.” لم تقل: نعم. قالت: “ما كنت ناوية أرجع… بس صارت.” ضحك ضحكة قصيرة بلا فرح. “كل شيء يصير، ليان. حتى الخذلان.” سكتت. هي بارعة في الصمت، تعلمت أن الصمت أحياناً أقل كلفة من الدفاع. سألها: “كم بتجلسي؟” قالت: “ما أعرف.” قال: “لسّه زي زمان… تهربي من الإجابات.” رفعت عينيها إليه أخيراً. “وأنت؟ لسه تحاسب الناس على أخطائهم وكأنك ما غلطت؟” توتر الجو. القهوة بردت. والمدينة، فجأة، شعرت بأنها ضيقة جداً على شخصين يحملان ماضياً أكبر من الطاولات والكراسي. قال بصوت أخفض: “ما كنت محتاج ترجعيني عشان أعيش. بس رجوعك… فتح أشياء كنت دافنها.” أحست بشيء ينكسر داخلها. ليس حباً. ليس شوقاً. شيء أعمق… الندم. وقفت. لبست معطفها. قالت قبل أن تغادر: “أنا ما رجعت عشان نرجع. رجعت عشان أفهم… هل كنت جبانة، أو كنت ذكية زيادة عن اللزوم.” تركته خلفها. لكنها لم تعرف… أن بعض القصص لا تبدأ حين نلتقي، بل حين نحاول الهرب مرة أخرى… ونفشل. 🖤