الفصل4️⃣⬇️
الغرفة الدائرية لم تكن صامتة.
كانت تراقب.
الجدران محفورة بعلامات لم تعد مجرد رموز، بل جُمل ناقصة، قصص قُطعت في منتصف الصرخة. الضوء خافت، بلا مصدر واضح، كأنه ينبع من المكان نفسه. نجوى وقفت في المنتصف، صدرها يعلو ويهبط، عقلها يحاول أن يتمسك بشيء طبيعي. عبث.
الصوت عاد.
ليس من جهة واحدة.
من كل الجهات.
"العهد لم يُكسر."
قالت، بصوت متحشرج:
"أمي ماتت."
ضحكة خفيفة.
باردة.
لا فرح فيها.
"أمك أنهت دورها."
تقدّم ظل واحد.
صار أوضح. أطول. أثقل.
ملامحه لا تُرى، لكن حضوره كان كافيًا ليجعل الركبتين ترتجفان.
"أخذنا منها الزمن… وتركنا لكِ الاختيار."
شدّت قبضتيها.
"أي اختيار؟ أنا عشت حياتي وأنا ما أعرف شيء!"
الظل الثاني اقترب. صوته أعمق، أبطأ.
"وهذا كان الاختيار."
الظل الثالث لم يتحرك.
كان الأقرب.
صوته خرج أخيرًا، منخفضًا، وكأنه يعرفها منذ زمن بعيد.
"أنتِ الباب."
صمت.
"باب لإيش؟"
قالتها وهي تشعر أن الجواب لن يعجبها.
الأرض اهتزت بخفة. الرموز على الجدران توهجت.
"بيننا وبين هذا العالم."
تراجعت خطوة.
"يعني… أنا؟"
"الناجية. الشاهدة. المفتاح."
سقطت الكلمات عليها كحجارة.
الدفتر ظهر فجأة في يدها. لم تشعر به وهو ينتقل. فتح على صفحة جديدة، لكن هذه المرة… لم يكتب وحده.
ظهرت ثلاث فقرات.
وثلاثة عناوين.
الأول:
الاستمرار
تبقين كما أنتِ. نكتب. نراقب. ونحمي البيت. الثمن؟ نومك. ذاكرتك. ومن تحبين.
الثاني:
الانقطاع
يُغلق الباب. ينهار البيت. نرحل. والثمن؟ العالم لا يبقى كما تعرفينه.
الثالث:
الخلاف
تحاولين كسر العهد. لا نحن ولا أنتِ نضمن النتيجة.
رفعت رأسها، عيناها تلمعان بغضب صافي.
"وهل عندي خيار حقيقي؟"
اقترب الظل الثالث أكثر.
كان صوته أهدأ… وأخطر.
"لم يكن لأمك."
ارتجفت شفتاها.
"وإذا رفضت؟"
سكتت الظلال لحظة.
ثم قال الأول:
"حينها… سيبدأ التذكّر الكامل."
انفتح شيء في رأسها.
صور. صرخات. دم. أسماء لم تُنطق.
أطفال غيرها… لم ينجوا.
صرخت، سقطت على ركبتيها.
الدفتر أغلق بعنف.
"اختاري قبل اكتمال القمر."
انطفأ الضوء.
وعندما عاد، كانت وحدها.
الغرفة اختفت.
وجدت نفسها في غرفتها، على سريرها، والدفتر على صدرها.
لكن شيء واحد تغيّر.
على معصمها الأيسر…
ظهر رمز.
واضح.
حي.
وفي الصالة، الساعة لم تعد تتحرك.
كانت تعدّ.