ما كتب قبل أن اولد - الفصل2️⃣⬇️ - بقلم دلوعه من يومي - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: ما كتب قبل أن اولد
المؤلف / الكاتب: دلوعه من يومي
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل2️⃣⬇️

الفصل2️⃣⬇️

لم تنم نجوى تلك الليلة. النوم قرر أن يخاصمها، والبيت كان متيقظًا أكثر من اللازم، كأنه فرغ قهوته للتو. جلست على سريرها حتى الفجر، ظهرها مسنود للجدار، عيناها معلّقتان على الباب. لم يُفتح. لم يُغلق. لكنه كان حاضرًا. حضور ثقيل، مثل شخص واقف خلفك ولا يتكلم. مع أول خيط ضوء، تحركت الساعة. تك. ثم تك أخرى، وكأن شيئًا ما أُعيد تشغيله بعد انقطاع. قامت ببطء، جسدها متيبس، رأسها ممتلئ بطنين خافت. دخلت الحمام، نظرت إلى المرآة. انعكاسها كان… صحيحًا. لكن عينيها لا. كان فيهما شيء زائد. عمق لم يكن موجودًا أمس. غسلت وجهها بالماء البارد. رفعت رأسها. الانعكاس ابتسم. هي لم تفعل. تراجعت خطوة، كادت تصرخ، لكن الانعكاس عاد طبيعيًا في لحظة. قلبها قفز في صدرها كطائر مذعور. "توهم… توهم… توهم"، كررتها كتعويذة رخيصة. خرجت من البيت باكرًا. الشارع كان حيًا، الناس يمشون، الباعة ينادون، العالم طبيعي بشكل يثير الريبة. كأن الليل لم يحدث. في المكتبة، حاولت الانشغال. رتّبت الرفوف، أعادت كتبًا لم تتحرك منذ سنوات. عند الظهر، دخل رجل مسن، لم تره من قبل. طويل، نحيل، صوته منخفض كمن لا يحب أن يسمعه المكان. قال: "أبحث عن كتاب… لكنه لا يُباع." رفعت رأسها: "تقصد مخطوطة؟" ابتسم. ابتسامة عارفة. "بل دفتر." تجمدت أصابعها. "أي دفتر؟" اقترب أكثر. صوته صار أهدأ. "جلد داكن. بلا اسم. يظهر لمن لا يُفترض أن يراه." شعرت بالغرفة تضيق. "ما بعرف عن اللي تحكيه." كذبة سريعة، لكنها واهنة. أخرج من جيبه ورقة قديمة، وضعها على الطاولة. كانت مرسومة عليها ثلاثة رموز. ليست دوائر. ليست حروف. أشكال تشبه ظلالًا متشابكة. "هم بدأوا يكتبون لك، صح؟" هم. الكلمة ضربتها في الصدر. "مين أنت؟" قالتها بحدّة، لكن صوتها خانها. "كنت حارسًا. قبل أن أفشل." ترك الورقة، واستدار مغادرًا. عند الباب، توقف، وقال دون أن يلتفت: "لا تقرئي الصفحة الأخيرة. مهما قالوا." ثم خرج. لم تلحقه. لم تستطع. عادت إلى البيت مع الغروب. هذه المرة، لم تشغّل الأنوار. جلست في الصالة، الظلال تتكاثر حولها، تمتد، تنكمش، كأنها تتنفس معها. الدفتر كان على الطاولة. مفتوحًا. لم تلمسه. الصفحات انقلبت وحدها. "قابلتِ الحارس." ارتجفت. "لا تثقي به." ابتلعت ريقها. "نحن أقدم من البيوت. أقدم من الأسماء." ارتفعت درجة البرودة فجأة. "ووقتك يقترب." صرخت: "ليش أنا؟!" توقفت الصفحات. سكون ثقيل. ثم جملة واحدة، كُتبت ببطء مؤلم: "لأنك الوحيدة التي نجت." في تلك اللحظة، انطفأت الأنوار في الحي كله. لكن بيت نجوى… ظل مستيقظًا.