الفصل1️⃣⬇️
لم يكن بيت آل نَجْوَى بيتًا مخيفًا.
هكذا كانت تقول أمها دائمًا.
وهكذا كانت نجوى تكذب على نفسها كل ليلة.
البيت كان عاديًا جدًا، لدرجة الشبهة. جدران بلون عاجي باهت، نوافذ خشبية قديمة تصدر أنينًا مع كل نسمة، وساعة حائط لا تتأخر ولا تتقدم، لكنها… كانت تتوقف أحيانًا. فقط عندما تكون نجوى وحدها.
نجوى، في السابعة والعشرين، تعمل في مكتبة صغيرة قرب السوق القديم. هادئة، قليلة الكلام، تحمل في عينيها شيئًا غير مُسمّى. شيء يشبه التعب، أو المعرفة المبكرة، أو الخوف الذي تربّى معها ولم يغادر.
منذ طفولتها، وهي تشعر أن البيت يراقبها.
ليس بشيء واضح. لا عيون في الجدران، لا أصوات صريحة.
فقط إحساس.
إحساس بأن المكان يعرفها أكثر مما يجب.
في تلك الليلة، عادت متأخرة. المطر كان خفيفًا، لكنه كافٍ ليجعل الشارع يلمع كمرآة مكسورة. فتحت الباب، دخلت، وأغلقته خلفها.
طَق.
الصوت كان أعلى من اللازم.
تنفست بعمق.
"توتر… بس توتر"، قالتها بصوت مسموع.
البيت لم يُعلّق.
خلعت حذاءها، ومشت نحو غرفتها. الممر كان أطول من المعتاد. أو هكذا شعرت. المصباح في آخره يومض بكسل، وكأنه يفكر إن كان يستحق الاستمرار.
عندما وصلت إلى غرفتها، وجدت الشيء في مكانه.
الدفتر.
لم يكن دفترها. لم تشتره. لم تهده لها أحد.
ومع ذلك، كان موجودًا منذ سنوات، يظهر ويختفي متى شاء.
غلافه جلدي داكن، بلا عنوان، بلا اسم.
جلست على السرير ببطء.
قلبها كان يدق أسرع من اللازم.
فتحت الدفتر.
الصفحة الأولى… لم تكن فارغة.
"تأخرتِ الليلة."
تجمدت.
لم يكن الخط غريبًا.
لم يكن جميلًا.
كان مألوفًا بشكل مزعج.
أغلقت الدفتر بسرعة، كأنها أغلقت فم شخص قال شيئًا لا يُقال. وقفت، مشت ذهابًا وإيابًا، تحاول أن تضحك. ضحكة قصيرة، مكسورة.
"أتوهم. ضغط. قلة نوم."
عادت، فتحت الدفتر مجددًا.
صفحة جديدة هذه المرة.
"نحن ننتظر."
هذه المرة، لم تغلقه.
هذه المرة، شعرت بالغضب.
"مين أنتم؟"
قالتها بصوت عالٍ.
البيت… تنفّس.
ليس صوتًا.
ليس حركة.
تغيّر في الهواء. كثافة مفاجئة، كأن الغرفة امتلأت بشيء لا يُرى.
الدفتر اهتز بخفة، ثم كُتبت الكلمات أمام عينيها، حرفًا حرفًا.
"نحن من لم تختاريهم… لكنهم اختاروك."
سقط الدفتر من يدها.
تراجعت للخلف حتى اصطدمت بالجدار.
ذكريات قديمة بدأت تطفو. أحلام متكررة. ثلاثة ظلال. أصوات تناديها بأسماء لم تحملها يومًا.
همست، بصوت مكسور هذه المرة:
"أنا إنسانة عادية…"
توقفت الساعة في الصالة.
ثم كُتبت آخر جملة، قبل أن تُغلق الصفحات وحدها:
"ليس بعد."
وفي تلك الليلة، فهمت نجوى حقيقة واحدة فقط:
البيت لم يكن مسكونًا.
البيت… كان حارسًا.