سيد أسياده والعكس صحيح - الفصل الثاني - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: سيد أسياده والعكس صحيح
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثاني

الفصل الثاني

جلس آدم على الأرض الباردة، ظهره مسنود إلى الخزانة الحديدية، والملف رقم 27 بين يديه كأنّه شيء حيّ يتنفس قلقًا. كان الصمت في الأرشيف مختلفًا عن أي صمت عرفه سابقًا، ليس هدوءًا… بل انتظارًا. كأن الجدران تعرف ما سيقرأه قبل أن يقرأه هو. فتح الصفحة الأولى ببطء. اسمه واضح، كاملًا، دون أخطاء. ذلك وحده كان كافيًا ليشعر بالاختناق. الاسم حين يُكتب خارج الذاكرة يبدو غريبًا، كأنك تقرأ اسم شخص يشبهك لكنه ليس أنت. تابع القراءة. طفولة مستقرة، دراسة عادية، لا شيء يستدعي التوقف… وهذا ما أخافه أكثر. كان ينتظر خطأ، تفصيلًا لا ينتمي إليه، أي شيء يثبت أن هذا الملف كاذب. ثم ظهرت الصورة. توقف الزمن عندها. كان يعرف تلك السترة، يتذكر أنه ارتداها شتاءً… لكنه لا يتذكر أين، ولا متى، ولا لماذا. الرجل الواقف بجانبه كان طويلًا، كتفاه واضحتان رغم تشويه الوجه، وفي وضعية جسده شيء مألوف، كأن بينهما علاقة أعمق من مجرد صورة عابرة. قرأ العبارة أسفلها أكثر من مرة: "الشاهد الوحيد". لم يكن يعرف على ماذا شهد، لكن قلبه تصرّف وكأنه يعرف جيدًا. أغلق الملف فجأة، وضع يده على صدره محاولًا تهدئة ضرباته، لكن عقله بدأ يخذله. الصور جاءت دون إذن: طريق مظلم، مصابيح سيارة تقترب بسرعة، صوت فرامل حاد، ثم صمت… صمت أثقل من الضجيج. فتح عينيه مذعورًا. لم يكن نائمًا، ومع ذلك شعر وكأنه استيقظ من كابوس نسي نهايته. عاد إلى الملف. في الصفحات الأخيرة، تغير الأسلوب. لم تعد اللغة تقريرية باردة، بل شخصية… مباشرة… قاسية. "آدم لم يفقد ذاكرته بعد الحادث مباشرة." "آدم كان واعيًا." "آدم طلب ذلك." توقف عن القراءة. "طلب ماذا؟" همس بصوت بالكاد سمعه هو نفسه. في أسفل الصفحة، سطر صغير كُتب بقلم مختلف: "بعض الذكريات لا تُمحى… بل تُدفن." شعر أن الأرض تميد تحته. إن كان قد اختار النسيان، فهذا يعني أن الحقيقة لم تكن مجرد خطأ، بل شيء لا يُحتمل. وقف أخيرًا، نظر حوله، الأرشيف ذاته، الرفوف ذاتها، لكنه لم يعد المكان الذي عمل فيه سنوات. قبل أن يعيد الملف إلى مكانه، لاحظ شيئًا لم يكن هناك من قبل. رقم محفور بقلم حاد على الغلاف الداخلي: 27 → 28 كأن القصة لم تنتهِ. كأن هذا الفصل مجرد تمهيد. خرج آدم وهو يعلم شيئًا واحدًا فقط: ذاكرته لم تخنه… هي حَمَته. لكن الحماية، أحيانًا، أقسى من الحقيقة نفسها. أو أطول.