الفصل الثالث عشر: جروح القلوب
كراهية في عينين عمياوين:
كان صباح اليوم التالي ينسج خيوطاً ذهبية رقيقة عبر نوافذ كوخ إيديث، يلامس وجهها النائم بلطف، كأصابع طفل تخاف إيقاظ أمها. لكن إيديث لم تكن نائمة. كانت تجلس على حافة سريرها، يداها متشابكتان على حجرها، وعيناها العمياوان مفتوحتان على الظلام الداخلي الذي تعيش فيه منذ أكثر من عشرين عاماً.
سمعت خطوات خارج الباب، خطوات ألفارد الخفيفة الواثقة، وخطوات أخرى أخف، أنعم، خطوات فالاندر. قبل أن يطرقا، كانت قد عرفت أنهما قادمان. لأن قلب الأم حتى لو لم يكن من نفس الدم، يرى ما لا تراه العيون.
"أمي، هل أنتِ مستيقظة؟" قال ألفارد وهو يفتح الباب بخفة.
"مستيقظة منذ الفجر." ردت إيديث، وصوتها يحمل تلك النبرة التي يعرفها عندما تكون قلقة. "والليل كان طويلاً... طويلاً جداً."
دخل ألفارد وفالاندر. فالاندر حمل معه رائحة الطين الرطب والأعشاب البرية، بينما حمل ألفارد رائحة القلق المكبوت والهموم التي أصبحت ثقيلة جداً على كتفيه.
"جئنا لنخبرك بأشياء... مهمة." قال ألفارد وهو يجلس على الأرض أمامها، كما اعتاد.
إيديث مدت يدها، وجدت وجهه. أصابعها المرتعشة تلمس جبهته، حاجبيه، ثم تثبت على عينيه. "تتكلم وكأنك تحمل جبلاً على لسانك، ماذا حدث؟"
بدأ ألفارد بالحكي. كل شيء. من ظهور براين، اعترافه بمعرفة هوية صقر العدالة، وجود إدموند في الكوخ، رسالة ثيودور، الموعد في الغابة. كانت الكلمات تخرج منه كأنها أحجار ساخنة، كل حجر يحرق لسانه قبل أن يسقط في صمت الغرفة.
إيديث استمعت. لم تتحرك، لم تتنهد، لم تبكِ. فقط وجهها الشاحب بدأ يشحب أكثر، كأن الدماء هربت من تحت جلدها إلى مكان آمن في أعماقها. وعيناها العمياوان، رغم عماها، كانتا تحدقان في الفراغ بتعبير من الرعب الصامت.
عندما انتهى ألفارد، ساد صمت ثقيل. حتى تنفس فالاندر، الذي كان واقفاً عند الباب يراقب، بدا عالياً في ذلك الصمت.
ثم انفجرت إيديث.
"لا!" كانت الصرخة مكتومة لكنها قوية، خارجة من أعماق حنجرتها كصوت حيوان جريح. "لا تذهب! لا تثق به! لا تثق بأي احدٍ منهم!"
يداها انقبضت على كتفي ألفارد، أظافرها تغوص في قميصه. "هم أفاعي! جميعهم! ثيودور وأمه تلك الملكة العجوز التي تتحكم في كل شيء... جميع العائلة المالكة دماؤهم مسمومة بالغرور والضعف!"
ألفارد ذُهل من العنف في رد فعلها. "أمي، ثيودور مختلف الآن، لقد قام بالتغيير من أجل..."
"التغيير؟!" قطعت عليه إيديث بضحكة مريرة كطعم الحنظل. "التغيير الوحيد الذي يعرفه هؤلاء الناس هو تغيير ولائهم عندما تهب الرياح ضدهم! اليوم صديق، وغداً جلاد!"
فالاندر تقدم خطوة. "خالتي إيديث، الأمير إدموند بقي معنا كرهينة طوعية. هذا يدل على نية حسنة."
"نية حسنة؟!" التفتت إيديث نحو صوته، عيناها العمياوان تحاولان تحديد مكانه. "أتعرف ما هي النية الحسنة عند الملوك؟ هي أن يضحوا بكل من حولهم لينقذوا عروشهم! هذا الرجل الذي تتحدث عنه... ثيودور... كان يعرف كيف يلعب دور الضحية بينما يترك الآخرين يدفعون ثمن أخطائه!"
ألفارد أمسك بيديها، حاول تهدئتها. "أمي، لماذا كل هذا الكره؟ ماذا فعلوا لكِ تحديداً ليكون هذا رد فعلك؟"
لحظة من الصمت. إيديث جُمدت، كأن السؤال قد فتح باباً كان قد أُغلق عليه بأقفال من حديد. ثم أخذت نفساً عميقاً، وبدأت تتراجع. "عشتُ في القصر... لسنوات. كخادمة. رأيت ما لا ينبغي لخادمة أن تراه."
"ماذا رأيتِ؟" أصر ألفارد، حدسه يخبره أن هناك قصة أعمق.
"رأيت كيف يتلاعبون بمصائر الناس." قالت إيديث، صوتها أصبح هادئاً خطيراً. "رأيت ثيودور... ذلك الشاب الذي كان يمكن أن يكون رجلاً، لكنه اختار أن يكون دمية في يد أمه. رأيته يوافق على قرارات تدمر حياة عائلات بأكملها، ثم يذهب إلى غرفته ليبكي على مصيره."
كانت الكلمات تخرج الآن، لكن ألفارد شعر بأنها لا تزال تحجب شيئاً. "لكن هذا كان منذ سنوات، والناس يتغيرون."
"الناس لا يتغيرون!" انفجرت مرة أخرى. "يضيفون طبقات فقط فوق ضعفهم! والآن يريد منك أن تذهب إليه؟ أن تثق به؟ بعد كل الظلم الذي يحمل اسمه؟"
ألفارد كان جالساً أمامها، يدرس وجهها. رأى كيف كانت شفتاها ترتعشان، كيف كانت حنجرتها تنقبض عند ذكر اسم ثيودور. وكان هناك شيء ما... ألم عميق يتجاوز مجرد الاستياء العام.
"لستُ ذاهباً لأثق به." قال ألفارد بهدوء. "بل سأذهب لأرى. لأعرف. لأن العدو الذي تعرفه أفضل من العدو الذي تخاف منه دون أن تراه."
إيديث مدت يدها، وجدت وجهه مرة أخرى. هذه المرة، لمست شفتيه، أنفه، جفنيه. كأنها تحاول أن تطبع صورة وجهه في ذاكرتها اللمسية، خوفاً من ألا تراه مرة أخرى.
"إذا ذهبت... وحدث لك مكروه..." توقفت، الدموع بدأت تتسرب من عينيها العمياوين. "سأكون المرأة العمياء التي فقدت كل شيء مرة أخرى."
احتضنها ألفارد. "سأعود لكِ. أعدك."
بعد لحظة، نهضت إيديث. "سأعد لكم بعض الطعام. يجب أن تأكلا قبل أن... قبل أن تذهبا."
أكلا في صمت، الطعام كان لاذعاً في أفواههم كأنه مغموس بمرارة الحديث. فالاندر كان يراقب إيديث بعينيه الخضراوين الحادتين. لاحظ كيف كانت يداها ترتجفان عندما تقدم الطعام، كيف كانت تتجنب الحديث عن ثيودور، كيف أن كلمة "قصر" كانت تخرج من فمها وكأنها تبصق سماً.
بعد أن انتهوا، وهمّا بالخروج، توقفت إيديث عند الباب. "ألفارد... كن حذراً. أكثر مما كنت في أي معركة. لأن معارك السيف ترى عدوك فيها، لكن معارك القصور... أعداؤك يبتسمون في وجهك بينما يطعنونك في ظهرك."
"سأكون حذراً." قبّل جبينها. "عديني أن تبقي هنا، في أمان."
"أين سأذهب وأنا عمياء؟!" ابتسمت ابتسامة حزينة. "سأبقى هنا... وأنتظر."
عندما أغلق الباب خلفهما، بقيت إيديث واقفة في منتصف الغرفة، تستمع إلى صوت خطواتهما وهما يبتعدان. ثم، عندما اختفت الخطوات، انهارت.
سقطت على ركبتيها على الأرض الخشبية، يداها تمسكان رأسها. الدموع التي كانت تكبحها انفجرت كسدٍ منهار. ليست دموع خوف فقط، بل دموع ذكريات عادت فجأة كأمواج مد مرتفع.
الأولى كانت في القصر، قبل ستة وعشرين عاماً...
كانت شابة جميلة، بشعر أسود كالليل وعينين زرقاوين واسعتين. تقف في إحدى غرف الخدم في القصر، وثيودور الشاب واقف أمامها، عيناه تحملان ذلك الخليط من الحب والخوف الذي عرفته فيه.
"هل تقصدين أن أعترف بزواجنا رسمياً في ظل هذه الظروف؟!" قال ثيودور، صوته مرتجفاً.
"نعم." قالت هي، يدها على بطنها حيث كان طفلها. "ليس من أجلي فقط، بل من أجله. ليحمل اسم أبيه."
"لكن أمي... الملكة... لن تسمح بذلك."
"أنت الملك الآن! أو ستكون قريباً!" صرخت به بغضب الأم التي تحمي جنينها. "كن رجلاً وتحمل مسؤوليتك!"
ثم جاءت اللحظة التي لن تنساها أبداً. ثيودور نظر إلى الأرض، كطفل عوقب. "لا أستطيع... ليس الآن. الانتقال إلى العرش... يحتاج إلى تحالفات. أعترافي الآن سيهز سُمعتي أمام الشعب..."
"إذاً سنكون ثمن عرشك؟" دموع الغضب والخيانة في عينيها. "قُلها بوضوح، ثيودور! نحن أقل أهمية من منصبك!"
تبخرت تلك الذكرى لتحل محلها ذكرى الليلة الأخيرة...
كانت بعد اسبوعين من مواجهتها مع ثيودور، كانت تحمل طفلها الرضيع بين ذراعيها. ثيودور جاء إليها متسللاً.
"خذي هذا." دفع لها كيساً من النقود. "ولا تقلقي، سأرسلكِ إلى مكان آمن."
"وماذا سيكون مصيرنا، ثيودور؟ هل ستتركنا وتنسانا؟!"
"لا! بل سأعترف بكم... لاحقاً. عندما تستقر الأمور. أما الآن فسيأخذك فاليريان إلى مكان آمن."
نظرت إليه، ورأت الضعف في عينيه. الضعف الذي جعلها تشفق عليه مرة، والآن تجعلها تكرهه. "الرجال الحقيقيون لا يتركون أبناءهم لينجو بأنفسهم."
تبخرت تلك الذكرى لتأتي بعدها ذكرى بعد سنوات من تلك الليلة المشؤومة...
سمعت أخباراً عن الملك ثيودور. عن زواجه من الأميرة ديجينا. عن ولادة الأمير ليوس. وعن الظلم الذي انتشر في المملكة بإسم الملك الذي كان يوماً حبيبها.
وكل مرة تسمع اسمه، كانت تشعر بطعم المر في فمها. لأنه لم يكن مجرد رجل تركها. كان رجلاً ترك طفلهما لينجو بنفسه، ثم جلس على عرش بُني على أكاذيب، وحكم مملكة بناها على دماء الأبرياء.
والآن... الآن يريد ألفارد، الشاب الذي أصبح مثل ابنها، الذي وجدت فيه عزاءاً لفقدانها، أن يذهب إليه. أن يثق به.
رفعت إيديث وجهها المبتل بالدموع نحو السقف. "لو تعلم يا ألفارد... لو تعلم أن الرجل الذي ستذهب إليه هو نفس الرجل الذي تخلى عن طفله وزوجته... الذي جعل مني هذه المرأة العمياء المكسورة..."
ثم همست، وكأنها تخاطب ثيودور عبر السنوات: "ضعفتَ فتركتنا. والآن تريد أن تأخذ مني الإبن الذي وجدته بعد أن فقدتُ كل شيء. لن أسمح لك. حتى لو كان آخر ما أفعله في حياتي، لن أسمح لك بأن تؤذيه كما آذيتنا."
وقفت، يداها تبحثان عن العصا. مشت نحو الباب، ثم توقفت. كانت عمياء. وضعيفة. وعاجزة.
انحنت على العتبة، دموعها تسقط على الأرض الخشبية. وكانت تعرف، في أعماقها، أن بعض الذكريات لا تموت. وأن بعض الكراهية تنمو في الظلام، وتتغذى على ألم الماضي، وتصبح سكيناً تشهره نحو الحاضر، خوفاً من تكرار التاريخ.
وفي زاوية من قلبها المكسور، ظل سؤال يؤرقها: ماذا لو كان ألفارد هو...؟ لا، لا يمكن. قدرها أن تفقد كل من تحب. وهذا الشاب النبيل، البطل الذي وجدته في ظلامها، سيكون الضحية التالية في لعبة الملوك التي لا تنتهي.
وحدها في كوخها، مع ظلام عينيها وذاكرتها التي لا ترحم، بكت إيديث على طفلها المفقود، وعلى الشاب الذي قد تفقده، وعلى حب تحول إلى كراهية، وكراهية أصبحت السجن الوحيد الذي تسكن فيه.
براعم في تربة مسمومة:
كانت حديقة القصر الداخلية تتنفس أخيراً تحت شمس الربيع الدافئة، كأنها تستيقظ من سبات طويل من الخوف والترقب. أشجار الليمون المزهرة تطلق عبيرها الحمضي الحلو في الهواء، مختلطاً برائحة التراب الرطب بعد سقاية الصباح. على مقعد رخامي أبيض تحت ظل شجرة سرو قديمة، جلس الأمير ليوس، ظهره المنحني قليلاً أقل مما كان عليه أياماً مضت، وعيناه العسليتان الواسعتان تنظران إلى بركة المياه الصغيرة حيث كانت أسماك ذات ألوان متعددة تسبح كأحلام متحركة في الماء.
"سمو الأمير، دواؤك." جاء صوت لين كحرير من خلفه.
ليوس التفت ليجد ليوريلا واقفة، تحمل صينية فضية صغيرة عليها كوب الدواء الداكن وقنينة زجاجية. شعرها الجميل المجدول بعناية ينسدل على كتفيها كستارة من ليل، وعيناها البريئتان تحملان ذلك المزيج النادر من الاحترام واللطف الذي جعله يبحث عن حضورها في أيامه الأكثر قتامة.
"شكراً، ليوريلا." أخذ الكوب بيد مرتجفة قليلاً، ثم شرب الدواء دفعة واحدة، وجهه يتململ من مرارته. "طعمه... كأنه غضب مكثف بالحنظل."
ابتسمت ليوريلا ابتسامة خفيفة. "الأعشاب المُرة تشفي، كما يقولون. من أراد العسل... فعليه أن يتحمل لدغات النحل."
جلست على الحافة البعيدة من المقعد، كما أصبحت تفعل في الأسابيع الأخيرة. لم تعد تلك الخادمة الخائفة، بل أصبحت الصديقة الوحيدة التي يثق لها بأفكاره دون خوف من الخيانة أو الاستغلال.
"كيف تشعر اليوم؟" سألت، عيناها تراقبان وجهه الشاحب الذي بدأ يكتسب قليلاً من اللون.
"كأنني... أزاحت جبلاً عن كتفي، لكن الجبل ما زال هناك، فقط تعلمت كيف أحمل وزنه." نظر إلى السماء الزرقاء الصافية. "أبي... جعلني ولياً للعهد رسمياً."
"علمتُ بذلك." قالت ليوريلا بصوت هادئ. "والناس يتحدثون عن القرارات الأخرى. عن عزل المستشار... عن التغييرات."
ليوس أغمض عينيه للحظة. "التغييرات... كلمة جميلة لكنها ثقيلة كالحديد. لأن كل تغيير يولد أعداءً جدداً."
"ولكنه يولد أملًا أيضاً." قالت وهي تلمس يده. "رأيت عيون الناس في الجنازة. كانت هناك بارقة أمل. لم أرها منذ سنوات."
فتح ليوس عينيه، والتقتا بعينيها. "أتخافين كونك قريبة مني الآن؟... فهذا يجعلكِ عرضة للخطر أكثر من ذي قبل."
هزت ليوريلا رأسها نفياً، شعره الأسود يلمع تحت أشعة الشمس المتسللة عبر أوراق الشجر. "الخوف يعيش في الظلام. وأنت... أنت تحاول إدخال ضوء الأمل. فكيف أخاف من الأمل؟"
في تلك اللحظة، من شرفة الطابق الثاني من الجناح الغربي، كانت عينان خضراوان ضيقتان تراقبان المشهد. فاليريان، واقفاً خلف ستارة حريرية شفافة، يداه متشابكتان خلف ظهره، ووجهه يعكس برودة الرخام تحت الشمس. كان يراقب ليوس وليوريلا منذ عشر دقائق، كل حركة، كل إيماءة، كل نظرة.
"الحمقى." همس لنفسه، صوته خافتاً كحفيف أفعى في العشب. "يتحدثون عن الأمل وكأنه سلعة تُباع في السوق."
إلى جانبه، وقف فاروس، وجهه لا يزال يحمل آثار الأهانة الأخيرة من الملك، لكن نظراته كانت مليئة بالاستعداد للانتقام. "الصبي يثق بها كثيراً. قد تكون نقطة ضعفه فيما بعد."
"أو قد تكون أداة." قال فاليريان دون أن يرفع عينيه عن الأثنين في الحديقة. "القلوب المفتوحة... سهلة الثقب."
في الحديقة، لم يكن ليوس ولا ليوريلا يعلمان أنهما مراقبان. كانت فقاعة السلام الخاصة بهما تحميهما من العالم الخارجي، مؤقتاً على الأقل.
"أبي يريدني أن أبدأ بالمشاركة في الحكم." قال ليوس، صوته يحمل تردداً واضحاً. "قراءة التقارير، حضور الاجتماعات، حتى... اتخاذ بعض القرارات البسيطة."
"وهل هذا يخيفك؟"
"ما يخيفني هو أن أكون نسخة منه." اعترف ليوس، كلماته تخرج كاعتراف طفل في ظلام الغرفة. "أن أصبح ذلك الرجل الذي يجلس على الكرسي ويوافق على قرارات تدمر حياة الناس، فقط لأنه يخشى المواجهة."
ليوريلا مدت يدها، ووضعتها فوق كتفه. كان لمسة خفيفة، لكنها حملت دفئاً يفوق دفء الشمس. "لكنك لست هو. لأنك تسأل هذا السؤال. ولأنك تخاف من أن تؤذي من حولك... وهذا ما يجعلك مختلفاً."
رفع ليوس عينيه إليها، وفيها نظرة امتنان مختلطة بألم. "طوال حياتي، كان الناس يقتربون مني لمنصبي، لا لشخصي. حتى والدي... حتى هو كان يبتعد، إما خوفاً على صحتي، أو خوفاً من مشاعر لم يستطع تحملها."
نظرت إليه، ثم قالت بنبرة أكثر حزماً: "ولكنك الآن لديك فرصة لتبني شيئاً مختلفاً. فرصة ليكون منصبك امتداداً لشخصك، لا قناعاً تختبئ خلفه."
ابتسم ليوس، ابتسامة حقيقية نادرة تظهر على شفتيه. "كيف أصبحتِ حكيمة إلى هذه الدرجة؟"
ضحكت ليوريلا ضحكة خفيفة. "عندما تعيش في الظل، تتعلم أن ترى ما لا يراه من هم في الضوء. وعندما تفقد كل شيء... تتعلم أن تقدّر ما تبقى لديك."
من الشرفة، رأى فاليريان الابتسامة على وجه ليوس. شيء في تلك الابتسامة أغضبه أكثر من أي تصريح علني، أكثر من أي قرار ملكي. لأنها كانت علامة على أن ليوس، المريض الضعيف، كان يجد السعادة رغم كل شيء. وكان هذا انتصاراً لا يستطيع فاليريان تحمله.
"لابد أن هذا الصدق... هذه السعادة المكشوفة... ستنتهي." قال فاليريان وهو يبتعد عن النافذة. "وعلينا أن نسرع في خطتنا."
في الحديقة، كانت المحادثة تتعمق.
"ماذا ستفعل أولاً؟" سألت ليوريلا.
"سأبدأ بالقرى." قال ليوس بعينين تلمعان بتصميم جديد. "القرى التي عانت من ضرائب فاليريان الظالمة. سأذهب بنفسي، لأسمع منهم، لأرى بأم عيني."
"ولكن صحتك..."
"صحتي... إن بقيت في غرفتي، فسأموت ببطء." قطع عليها كلامه. "لكن إن خرجت، وإن فعلت شيئاً ذا معنى... فربما أعيش أكثر مما توقعه أي حكيم."
التقطت ليوريلا زهرة ياسمين متساقطة من الشجرة، وقدمتها له. "إذاً سأذهب معك."
"لا، سيكون ذلك خطيراً جداً..."
"أكثر خطورة من البقاء هنا؟!" سألته بعينين جادتين. "أكثر خطورة من أن تكون وحدك بين جدران هذا القصر الذي يشبه قفصاً ذهبياً؟!"
نظر ليوس إليها، ورأى في عينيها ذلك التحدي الذي رآه مرة في عيني إدموند. التحدي الذي يقول: "لن أتركك تواجه هذا وحدك."
"حسناً." قال أخيراً. "لكن يجب أن نكون حذرين. فاليريان لن يتركنا نتحرك بحرية."
وكأن الكون أراد أن يؤكد كلماته، مر خادم بالقرب منهم، يحمل منشفة نظيفة. لكن ليوريلا لاحظت كيف أن عينيه تلمحان نحوهم بسرعة قبل أن تنخفضا. كانت عيون فاليريان في كل مكان.
"دعنا نعود إلى الداخل." قالت ليوريلا وهي تقف. "الشمس بدأت تقوى."
ساعدت ليوس في النهض، يداها تدعم مرفقه بلطف. وفي تلك اللحظة، تحت شجرة السرو القديمة، مع رائحة الياسمين في الهواء وأغاني الطيور في الخلفية، شعر ليوس بشيء غريب: شعور بأنه ليس وحيداً. وأن هذا الشعور، بحد ذاته، كان سلاحاً قد يكون أقوى من أي سيف أو مؤامرة.
ولما دخلا إلى الممر البارد المظلل، ظلت صورة الاثنين معاً في الحديقة عالقة في ذهن فاليريان. وكان يعرف أن عليه أن يتحرك سريعاً. لأن البراعم الصغيرة، إذا تُركت، تنمو إلى أشجار قوية. وكان هو لا يريد أشجاراً في حديقته، إلا تلك التي يتحكم في نموها، ويملك جذورها بين يديه.
أما ليوس، وهو يمشي في الممر بجانب ليوريلا، فكان يخطط في صمت. خططاً قد تغير مصير المملكة. لأن الأمير الضعيف الذي وجد سبباً للقتال، والسبب كان بسيطاً كصداقة، وحقاً كالعدالة، وأملاً كابتسامة في يوم مشمس، قد يكون الخطر الأكبر على كل من اعتقدوه الأضعف.
حب على طريقة الدب الظريف:
كان متجر الحبوب الخاص بـ أستريا ووالدها يشبه خلية نحل ناعمة في ظهيرة هادئة. أشعة الشمس الدافئة تتسلل عبر النوافذ الخشبية القديمة، فتنير سحابات غبار الطحين الذهبية التي تسبح في الهواء كأشباح صغيرة من الدقيق. على الرفوف، أكياس القمح والشعير والشوفان مرتبة بتناسق يشبه جيشاً من الجنود المنتظرين، كل كيس يحمل قصة حقول شمسية ورياح خريفية.
في وسط هذا النظام الدقيق، كان داريو جالساً على برميل خشبي مقلوب، يبدو وكأنه دباً ضخماً حطَّ في متجر دمى. يداه الكبيرتان القادرتان على سحق جمجمة عدو بضربة واحدة، كانتا تتعاملان بحرج مذهل مع كوب شاي خزفي صغير، وكأنهما تحملان بيضة طائر نادر لا يعوض.
أستريا كانت واقفة خلف المنضدة، توزع العدس الجاف في أكياس صغيرة بحركات رشيقة تتناقض بشكل هزلي مع وجود داريو الضخم. شعرها الكستنائي المنسدل على كتفيها يلمع تحت أشعة الشمس كحرير مبلل، وعيناها الخضراوان تشعان بذكاء هادئ.
"إذن... الأمور أصبحت معقدة." قال داريو بصوته العميق.
"الحياة معقدة بطبيعتها." ردت أستريا دون أن ترفع عينيها عن الميزان. "مثل خلط الحبوب المختلفة. كل نوع يحتاج وقتاً مختلفاً لينضج، لكنهم جميعاً يصنعون طعاماً جيداً في النهاية."
داريو حدق فيها. "كيف تعرفين دائماً ما تقولين؟ كلماتك... تشبه حبوب الكمون الصغيرة التي تختبئ في الخبز وتعطيه نكهة خاصة."
هذه المرة رفعت أستريا عينيها، وابتسمت ابتسامة خفيفة. "ربما لأنني أعمل مع الحبوب منذ أن كنت طفلة. تعلمت أن الصبر يطحن حتى أقسى الحبوب."
أصدر داريو صوتاً يشبه الأنين. "أنا لست جيداً في الصبر. عندما أرى مشكلة، أريد أن اضرب من تسبب بها. لكن المشاكل التي نواجهها الآن... لا يمكن حلّها بالضرب."
"لأنها ليست جدراناً، بل هي شِباك." قالت أستريا وهي تتقدم لتجلس على كرسي مقابل له. "والشِباك لا تحلّها بالضرب، بل بالحكمة."
نظر داريو إلى يديه، ثم إلى يديها الناعمتين الصغيرتين. "أحياناً... أتمنى لو كنتُ مثل إسفين. ذكياً، سريع التفكير. أو مثل ألفارد، أرى الحلول حيث لا يراها أحد."
"ولكن لو كنت مثل إسفين، لما كنتَ داريو." قالت أستريا بهدوء. "ولما كنتَ ذلك الرجل الذي يقف كالجبل أمام أصدقائه. كل نوع من الحبوب له استخدامه. وأنت... أنت مثل حبة القمح الكاملة: قوية، مغذية، تتحمل العواصف."
صمت داريو، عيناه لا تفارقان وجهها. كان ينظر إليها كما ينظر الطفل إلى معجزة لا يفهمها. "أتعلمين؟ قبل أن أقابلك... كنت أعرف ما يجب عليّ فعله دائماً. أقاتل، أدافع، أحمي. لكن الآن... الآن هناك شيء آخر."
"ماذا؟"
"الخوف." قال الكلمة وكأنه يبصق سماً. "أخاف... أن أفقد كل هذا. الأصدقاء، القضية التي أحارب من أجلها... وأن أفقد فرصة الجلوس هنا والتحدث معكِ."
أستريا مدت يدها ووضعتها فوق يده الضخمة. اللمسة كانت خفيفة كريشة، لكن داريو شعر بها كصدمة كهربائية لطيفة. "الخوف ليس عيباً. إنه دليل على أنك تهتم. والمحارب الذي لا يخاف ليس بشجاع، بل هو أحمق لا يقدّر ما يدافع عنه."
رفع داريو عينيه، وفيها نظرة ارتباك طفولي. "كيف تعرفين كل هذا؟ أنتِ شابة، تعملين في متجر حبوب..."
"وفي متجر الحبوب، ترى كل أنواع الناس." قالت أستريا وهي تشير نحو الباب. "الفلاح الذي يخاف على محاصيله، التاجر الذي يخاف على بضاعته، الأم التي تخاف على أولادها. الخوف... هو الشعور الأكثر إنسانية في الوجود. واعترافك به... يجعلك أكثر إنسانية أيضاً."
في تلك اللحظة، دخل والد أستريا العجوز إلى المتجر، متكئاً على عصاه. نظر إلى الاثنين، ثم ابتسم ابتسامة عريضة تظهر فراغ أسنانه المفقودة. "آها، الدب الكبير عاد إلى عرينه!"
"أبي!" قالته أستريا بنبرة لومٍ خفيفة.
"ماذا؟ الدببة جميلة! قوية، تحمي عرينها!" ضحك العجوز وهو يتجه نحو المخزن الخلفي. "استمروا في حديثكم، أنا سأفحص المخزون. قد يستغرق ذلك وقتاً... طويلاً جداً."
بعد أن اختفى، عاد الصمت إلى المتجر، لكنه كان صمتاً مختلفاً، دافئاً، ممتلئاً بوعي مفاجئ.
داريو تنهد. "أتعلمين ما أفكر فيه أحياناً؟ أفكر كيف كانت ستكون حياتي لو لم أكن في السوق ذلك اليوم. لو لم أكسر ذلك الإناء."
"لكنك كسرته." قالت أستريا وهي تبتسم.
"نعم. وكانت هذه أفضل غلطة في حياتي." قال داريو بصراحة مطلقة. "لأنني لو لم أكسره، لما عرفت أن هناك فتاة تستطيع أن تجعل رجلاً يشعر بأنه... إنسان. وليس مجرد أداة قتال."
أستريا احمرّت وجنتاها قليلاً، لكنها لم تنظر بعيداً. "كلنا أدوات في يد القدر. لكن بعضنا... بعضنا يصنع مصيره بنفسه."
"وأنا..." توقف داريو، وكأن الكلمات علقت في حلقه. "أنا لا أستطيع أن أتخيل حياتي الآن بدون... بدون هذه اللحظات. بدون قدومي هنا، وحديثنا، وضحكتك التي تشبه صوت العصفور الصغير في الصباح."
كانت كلمات بسيطة، غير منمقة، لكنها صادقة لدرجة جعلت عيني أستريا تلمعان قليلاً.
"وأنا..." ردت بصوت خافت. "أعتدت على فكرة أن يأتي دب كبير إلى متجري في منتصف النهار، ويجلس على برميل، ويتحدث عن مخاوفه كما لو كان طفلاً."
داريو نظر إليها، ثم نظر إلى يديه، ثم إلى وجهها مرة أخرى. وتكلم بصراحة طفل يعترف بسرّ:
"هل تعلمين ما هو الجزء الأغرب؟ أنني عندما أكون معكِ... أشعر بأنني في بيت. ليس بيتاً من حجارة أو خشب، بل بيت من... من شيء آخر. شيء دافئ. وأحياناً... أحياناً أفكر..."
توقف، عيناه تتسعان كما لو أنه فوجئ بما كان على وشك قوله.
"تفكر في ماذا؟" سألته أستريا، صوتها ناعم كالحرير.
"أفكر..." ابتلع ريقه. "أفكر أنكِ... أنكِ تشبهين أمي."
سكتت أستريا. ثم، فجأة، انفجرت في ضحك. ضحك نقي، مجلجل، يملأ المتجر كأناشيد الفرح.
داريو نظر إليها مذهولاً، ثم بدأ يضحك هو أيضاً.
"أعني...!" حاول أن يشرح.
"أعرف ما تعنيه!" قالت أستريا بين نوبات الضحك. "أشبه أمك! لأنها كانت الشخص الوحيد الذي شعرت معه بالأمان، أليس كذلك؟"
"نعم! بالضبط!" قال داريو وهو يمسح دمعة ضحك من عينه. "ليس أنكِ عجوز أو شيء من هذا القبيل! بل أنكِ... أنتِ المرفأ. المكان الذي تأتي إليه السفينة المكسورة."
هدأت أستريا من ضحكها، لكن ابتسامة لا تزال تلمع على شفتيها. "حسناً، أيها الدب الكبير. أنا سعيدة لأنني مرفأك. لكن تذكر... الأمهات يطردن أبناءهن من العش عندما يكبرون."
نظر داريو إليها، ثم نظر إلى الأرض، ثم عاد ينظر إليها. وكانت هناك لحظة من الصمت، لحظة فهم مشترك، لا تحتاج إلى كلمات.
"أعتقد..." قال أخيراً. "أعتقد أنني سأحتاج إلى شراء الحبوب. الكثير من الحبوب. لأنني سأظل أعود إلى هنا... حتى تطردينني."
"حسناً." قالت أستريا وهي تقف، عيناها الخضراوان تلمعان بذكاء محب. "لكن سأخبرك سراً: الأمهات الجيدات لا يطردن أبناءهن أبداً. يتركن الباب مفتوحاً، وينتظرن."
ومشى داريو خارج المتجر بعد دقائق، يحمل كيساً من الحبوب أكبر مما يحتاج، وابتسامة على وجهه أكبر من الحجم الطبيعي. وكان يعرف أن الحياة معقدة، وأن المعارك قادمة، وأن المخاطر حقيقية.
لكنه عرف أيضاً أن هناك متجر حبوب في زاوية سوق صغيرة، وفتاة بعيون خضراء وضحكة تشبه الجرس، تنتظره. وكان هذا كافياً لجعل كل شيء آخر يبدو... قابلاً للتغلب عليه. لأن حتى الدببة الكبيرة تحتاج أحياناً إلى مرفأ. وإلى أم تذكرها بأنهم، تحت كل تلك العضلات والشجاعة، ما زالوا بشراً يحتاجون إلى الحب، وإلى بيت، وإلى كيس حبوب ليحملوه كذريعة للعودة مرة أخرى.
سحابة سوداء على غابة البلوط:
في أحدى البيوت المهجورة داخل حي نائي في العاصمة. كان البيت يتنفس بالموت البطيء. جدرانه المتهالكة كانت تنضح برائحة العفن والأمل الميت، وألواح الأرضية الخشبية تصرخ تحت الأقدام كعظام متحللة. ضوء القمر الشاحب يتسلل عبر النوافذ المحطمة، يرسم أشكالاً شبحية على الجدران التي كانت يوماً ما تحمل الحياة.
في وسط الغرفة الرئيسية، حيث كانت مدفأة حجرية ضخمة تبتلع الضوء بدلاً من إشعاعه، وقف أربعة رجال كظلال منسوجة من ظلام الليل نفسه.
فاليريان واقف أمام المدفأة الخامدة، ظهره للآخرين، يداه متشابكتان خلف ظهره. عباءته السوداء كانت تبتلع ما تبقى من الضوء في الغرفة، جاعلة منه ثقباً في الواقع. إلى يمينه، هيليوس، وجهه المشوه بندوب مخالب الصقر يلمع تحت ضوء القمر كخريطة من الحقد المتجمد. إلى يساره، فاروس، يده تضغط على صدره حيث نالدوب قديمة ما زالت تؤلمه كذكرى حية من الإهانة.
والرابع... كان رجلاً لم يره الاثنان من قبل. كورفن، شقيق كالوم. رجل في الخمسينيات، جسمه نحيل لكن عيونه السوداء تحمل برودة حديد مدفون في الثلج لقرون. وجهه طويل، أنفه معقوف كمنقار جارح، وشعر رمادي قصير يقف على رأسه كشوكة على حيوان متوحش.
"كورفن." قال فاليريان دون أن يلتفت. "لقد خسرت أخاك."
"وأنت خسرت ثلاثة رجال." رد كورفن بصوت أجش. "البقاء للأقوى. وكالوم... لم يكن قوياً بما يكفي."
التفت فاليريان ببطء. عيناه الخضراوان في الظلام كانتا كشقين في جليد أزلي. "لكننا الآن نعرف ما لم نكن نعرفه. ثيودور يريد التواصل مع صقر العدالة. وهناك لقاء سيتم الليلة. في غابة البلوط الشرقية."
فاروس تقدم خطوة، عيناه تضيئان بانتهازية جريحة. "لقاء؟ إذن ننصب كميناً. نقتل الاثنين معاً."
"غبي." قالت الكلمة من فم كورفن بهدوء قاتل. "قتل الملك مباشرة سيجعل منك مجرماً يطارده كل رجل في المملكة. وقتل الصقر... سيجعله بطلاً في نظر الجميع."
فاليريان أومأ ببطء، ابتسامة خفية تظهر على شفتيه. "كورفن يفهم أكثر منكما. نحن لا نريد قتلهم... نريد تدميرهم. نريد أن يدمر كل منهما الآخر."
هيليوس حدق في فاليريان. "لكن كيف؟"
"خُطّة بثلاثة جبهات." مشى فاليريان في الغرفة، خطواته لا تصدر صوتاً على الأرضية المتعفنة. "الأولى: مجموعة من رجالنا، متنكرين بملابس سوداء. سينتظرون أشارتنا في الغابة."
"الثانية: مجموعة أخرى من رجالنا، متنكرين بزي حراس الملك العاديين. لكنهم سيكونون تحت قيادة فاروس."
توقف، والتفت إليهم واحداً تلو الآخر. "عندما يلتقي الملك بالصقر، ستخرج المجموعة الأولى متنكرة كرجال الصقر وتهاجم الملك. سيصرخون بأنهم يريدون حماية سيدهم وسيهجمون على الملك."
فاروس بدأ يفهم. "والمجموعة الثانية؟"
"ستندفع المجموعة الثانية المتنكرة كحراس الملك ويصرخون بأن صقر العدالة نصب فخاً وسيقاتلون المجموعة الأولى." ابتسم فاليريان ابتسامة ثعبان رأى فريسته. "وفي خضم المعركة... ستضرب المجموعة الأولى الملك، والمجموعة الثانية ستضرب الصقر."
كورفن، الذي كان صامتاً يدرس الخطة، قال: "وبالطبع صقر العدالة سيدافع عن نفسه."
"بالضبط!" قال فاليريان، عيناه تضيئان بذكاء شيطاني. "سيدافع عن نفسه ضد حراس الملك. والشهود الذين سيكونون رجالنا أيضاً، متنكرين كفلاحين أو مسافرين سيشهدون أن صقر العدالة هاجم حراس الملك عندما حاولوا حماية سيدهم."
هيليوس ضحك ضحكة مبحوحة. "إذن المشهد: رجال الصقر يهاجمون الملك، حراس الملك يدافعون، الصقر يقاتل الحراس دفاعاً عن نفسه، وفي النهاية إصابة الطرفين!"
"ليس إصابة فقط." قال فاليريان بهدوء. "إصابات متبادلة تظهر أن الصقر حاول قتل الملك، وأن الملك دافع عن نفسه. وبعد ذلك، تهرب المجموعة الأولى وتختفي. وتنهزم المجموعة الثانية."
كورفن أومأ ببطء. "والنتيجة: الملك مصاب، الصقر مصاب ومتهم بمحاولة اغتيال، وعلاقتهم تنقلب إلى عداوة."
"وأكثر من ذلك." أكمل فاليريان. "ثيودور، إذا نجا، سيضطر لإصدار مرسوم رسمي بالقبض على صقر العدالة. والشعب... سيشك في بطلهم. والصقر نفسه، إذا نجا، سيهرب وينسحب، أو سيثور ضد الملك حقاً هذه المرة."
صمت ثقيل ساد الغرفة. حتى فاروس، المعتاد على أعمال فاليريان القذرة، شعر بقشعريرة تسري في عموده الفقري.
"لكن... التوقيت؟" سأل هيليوس.
"منتصف الليل. يعني بعد ساعة من الآن." نظر فاليريان إلى الثلاثة. "هيليوس، ستقود المجموعة الأولى 'رجال الصقر'. فاروس، ستقود المجموعة الثانية 'حراس الملك'. كورفن... أنت ستكون معي. نراقب من بعيد، ونتحكم في سير الأحداث."
"وماذا عن أخي؟" سأل كورفن بهدوء.
"إذا نجحت الخطة... ستكون حراً في البحث عنه وسأساعدك بكل شيء تحتاجه." قال فاليريان. "الملك سيكون ضعيفاً، والصقر سيكون مطلوب القبض عليه، يعني أن الطريق سيخلو لك."
كانت الكلمات الأخيرة كافية. كورفن أومأ.
"تذكروا." قال فاليريان قبل أن يغادروا. "لا تقتلوا أيّاً منهما. إصابات خطيرة تكفي. نريدهم أحياء... ليكرهوا بعضهما. الموت يخلق ضحايا وأبطال، لكن الكراهية تخلق حروباً."
بينما كانوا يغادرون الغرفة واحداً تلو الآخر كظلال تنسحب مع الليل، لم يلحظوا العينين التي كانت تراقبهم من فتحة في الحائط المتداعي.
فالاندر، متلاصقاً بعامود خشبي قديم، كان قد تبع فاروس منذ خروجه من إحدى الحانات. سمع كل شيء. رئتاه كانتا تحترقان من الغبار، لكن قلبه كان يخفق بإيقاع سريع وخطير.
شاهدهم يغادرون، ثم خرج بصمت كقطرة ماء على حجر. وقف في الغرفة الفارغة، حيث كانت مؤامرة القتل لا تزال معلقة في الهواء كرائحة كريهة.
"يا إلهي... كم أنتم أوغاد نجسين!" همس لنفسه.
كان عليه أن يصل إلى ألفارد ليحذره. لكن الوقت كان ضيقاً. وكانت الغابة بعيدة.
خرج من البيت المهجور كشبح، وانطلق في الظلام. وكانت النجوم فوقه تلمع ببرودة، شاهدة على لعبة خطيرة حيث الصديقان سيصيران عدوّين بفعل مؤامرة، وحيث اللقاء الذي كان من المفترض أن يجلب السلام قد يطلق حرباً أهلية.
وفي ظلام الليل، بينما كان فاليريان ورجاله يتحركون كأفعى سامة نحو غابة البلوط، وكان فالاندر يركض كالريح لينذر ألفارد، كانت الدقائق تمر ببطء قاتل. وكانت الغابة المعتمة، بأشجار البلوط العتيقة التي شهدت قروناً من التاريخ، تنتظر كفخ طبيعي هائل، جاهزة لاحتضان ليس فقط لقاءً مصيرياً، بل خديعة قد تغير وجه مملكة إيفرونيا إلى الأبد.
وكانت الخطة الخبيثة، المنسوجة من خيوط الخداع والتمثيل، قد بدأت بالتحرك. ولم يبقَ إلا أن يصل الجميع إلى نقطة الالتقاء، حيث سيتحقق مصير المملكة: إما أن تنتصر الحقيقة والثقة، أو أن تنتصر الأكاذيب والكراهية. والفرق بينهما قد يكون دقيقة واحدة، أو خطوة واحدة، أو خنجراً واحداً في الظلام.
سباق مع ظل الخيانة:
كان الظلام خارج كوخ سيلاس مكتملاً، كقطعة قماش سوداء مخيطة بالنجوم الباردة. داخل الكوخ، كان الدفء المتوتر يتصاعد من خمسة رجال يجلسون حول المدفأة كقطع شطرنج على رقعة تنتظر حركة مصيرية.
إدموند جالس بجانب النار، جرح كتفه ملفوفاً بإحكام، وعيناه البنيتان تتابعان اللهب المتلألئ. تيرون واقف عند الباب كحارس صامت، سيفه موضوع على كتفه. سيلاس على كرسيه الخشبي، يداه تضغطان على ركبتيه المتعبين. كاليب وإسفين على الأرض، والقلق يلمع في عيونهم كالزئبق السائل.
"ساعة واحدة فقط." همس إدموند، صوته يحمل ثقل الرصاص. "وسيلتقي الملك بصقر العدالة."
"ولماذا أصريت على البقاء هنا؟" سأل سيلاس، عيناه العجوزتان تحملان شكاً قديماً.
"كضمان." رد إدموند بصراحة. "وكي أرى بنفسي... من هو الرجل الذي يخاطر بحياته من أجل شعب لم يعطه شيئاً."
في تلك اللحظة، سمعوا صوتاً من الخارج.
لم يكن صوت خطوات، بل صوت شهقات متقطعة، أنين رئتين تحترقان من الجري. ثم صوت ارتطام بباب الكوخ، كما لو أن جسماً قد انهار عليه.
تيرون فتح الباب بسرعة، سيفه يلمع في يده.
فالاندر كان منحنياً على العتبة، يده على صدره، أنفاسه تخرج كبخار في الهواء البارد. وجهه كان شاحباً تحت ضوء القمر، وعيناه الخضراوان واسعتان من الجهد والرعب.
"فالاندر!" صرخ كاليب قافزاً.
ساعدوه على الدخول. كان يرتعد، ليس من البرد، بل من الأدرينالين الذي يغمر جسده. سقط على كرسي، يده تضغط على صدره حيث كان يطعن من ألم الجري المسعور.
"ماء..." همس.
أحضر إسفين الماء بسرعة. شرب فالاندر رشفة، ثم نظر إليهم واحداً تلو الآخر، عيناه تبحثان عن وجه ما.
"ألفارد... أين ألفارد؟"
"خرج." قال سيلاس بصوت أجش. "قبل نصف ساعة. إلى الغابة الشرقية."
"لا!" انطلقت الصرخة من فالاندر وكأنها طعنة. "يجب أن نلحق به! إنها مكيدة!"
الجميع تجمدوا. إدموند نهض بسرعة، وجهه يشحب. "مكيدة؟ ماذا تعني؟"
فالاندر، بأنفاس لا تزال متقطعة، حكى. كل شيء. البيت المهجور. فاليريان، هيليوس، فاروس، كورفن. الخطة ذات الجبهات الثلاث. الرجال المتنكرون كرجال الصقر، والآخرون كحراس الملك. الإصابات المتبادلة. المؤامرة لتوريط صقر العدالة في محاولة اغتيال.
كل كلمة كانت تسقط في الغرفة كصخرة في بركة ساكنة، تخلق دوائر من الصدمة تتسع حتى تلامس الجدران.
"يا إلهي..." همس إدموند، يده تلمس جرح كتفه كما لو كان يشعر بألمه من جديد. "إذا حدث هذا... فالمملكة ستنهار."
"وألفارد..." قال كاليب، صوته يرتجف. "سيتحول من بطل إلى مجرم مطارد وهو بريء."
سيلاس نهض، بطانيته تسقط على الأرض. عيناه العجوزتان كانتا تحملان ذلك الوهج الذي لم يروه منذ سنوات. "إذاً ماذا ننتظر؟"
نظر فالاندر إليهم جميعاً، أنفاسه بدأت تهدأ لكن عيناه كانتا لا تزالان متسعتين. "يجب أن نذهب. الآن. جميعنا. قبل أن يصل ألفارد إلى مكان اللقاء. أو قبل أن يبدأ فاليريان خطته."
تيرون، الذي كان صامتاً حتى الآن، قال: "المكان بعيد. حتى لو ركضنا..."
"لن نركض." قطع عليه إدموند، صوته يحمل قراراً ملكياً. "الخيول. تيرون، أين الخيول التي أحضرناها للطوارئ؟"
"في الحظيرة خلف الكوخ، سيدي."
"لنمتطيها." قال إدموند وهو يعدل سيفه في حزامه. "جميعنا، هيا."
نظر كاليب إلى أبيه أوليفر الذي كان قد جاء إلى الكوخ بعد ظهر ذلك اليوم. "أبي..."
"اذهب." قال أوليفر، يده على كتف ابنه. "أنقذ صديقك."
في دقائق، كانوا خارج الكوخ. ستة خيول، ستة رجال: فالاندر وإدموند وتيرون وكاليب وإسفين وداريو. سيلاس وأوليفر وقفا على العتبة، عيونهم تتابعهم وهم يمتطون الخيول في ضوء القمر.
"عودوا سالمين!" صرخ سيلاس، صوته يحمل كل خوف أب وكل أمل شعب.
"وعودوا بألفارد!" أضاف أوليفر.
ركضت الخيول في الليل، حوافرها تصطدم بالأرض المتجمدة كدقات قلب مجنون. فالاندر كان في المقدمة، يوجههم عبر الطرق المعتمة التي حفظها من رحلته السريعة.
إدموند، رغم ألم جرحه، كان يمسك بلجام فرسه بقوة، عيناه تحدقان في الظلام أمامه. كان يعرف أن كل شيء يعتمد على هذه اللحظة. على هذه الدقائق القليلة.
وكانوا يعلمون جميعاً أنهم في سباق مع الزمن، مع الخيانة، مع مؤامرة قد تدمر كل ما يحاولون بنائه. وكان الفارق بين النجاح والفشل قد يكون دقيقة واحدة، أو خطوة واحدة، أو صرخة تحذير واحدة قد تصل متأخرة جداً.
على جهة أخرى...
كانت غابة البلوط الشرقية في منتصف الليل تتنفس بصمت رهيب، ككائن أسطوري نائم تنتفخ أضلاعه من خشب وأوراق تحت ضوء القمر.
في دائرة طبيعية تتشكل من خمسة جذوع بلوط ضخمة ساقطة كعمالقة قُتِلوا في معركة قديمة، وقف الرجلان.
ثيودور، واقفاً بدون حراس، بدون تاج مرئي، مرتدياً عباءة سميكة بلون النبيذ الداكن تخفي درعاً خفيفاً تحتها. وجهه كان شاحباً تحت ضوء القمر، لكن عينيه العسليتين كانتا تشعان بتوقٍ غريب، كعطشان رأى سراب ماء لأول مرة يثق فيه. يداه، المرتعشتان قليلاً، كانتا مضمومتين أمامه، كأنهما تحاولان كبح نبضات قلبٍ أرادت الخروج من قفص الصدر.
وفي الجهة المقابلة، على بعد عشر خطوات فقط، ظهر صقر العدالة.
عباءته السوداء ذات القلنسوة كانت ترفرف خلفه كأجنحة غراب ضخم، والجلد الأسود الملتصق بجسده كان يلمع تحت ضوء القمر. على وجهه، القناع الأسود على هيئة أجنحة الصقر حول العينين كان يخفي نصفه العلوي، لكن ما ظهر كان كافياً: الفك القوي، الشفتان المضغوطتان، والذقن الحازم.
لكن العينان... العينان كانتا مكشوفتين.
عندما رفع صقر العدالة رأسه، وانحسر ظل القلنسوة قليلاً، التقت عيناه بعيني الملك.
لم تكن لمحة. كانت صدمة.
ثيودور توقف عن التنفس للحظة. تلك العينان العسليتان... ذات الخطوط الزرقاء الخفيفة التي تشبه شقوقاً في جليد ذهبي تحت ضوء الشفق، تلك العيون النادرة... كان قد رآها من قبل. ليس في حلم، ولا في خيال. بل في ذاكرة حية، دافئة.
"تلك العيون..." همس الملك. "أقسم أنني رأيتها من قبل."
صقر العدالة لم يتحرك. لكن عينيه اتسعتا قليلاً. كان صوته عندما جاء، عميقاً، كصوت سيف يُسحب من غمد حجري: "كثيرون لديهم عيون عسليّة، يا جلالة الملك."
"لكن ليس بهذه الخطوط الزرقاء." تقدم ثيودور خطوة واحدة، وكأنه يسحب جسده بثقله نحو مغناطيس غير مرئي. "ليس بهذا العمق... وهذا اللمعان الذي يشبه..."
توقف. الذاكرة ضربته كصاعقة. الطفل. في حفل الزفاف. الضحكة البريئة. العينان اللتان نظرتا إليه ببراءة ثم لمعتا عندما لامست يداه الصغيرتان وجهه.
"من... من أنت حقاً؟" سؤال ثيودور كان يحمل رجفة أملٍ مهزوز.
"أنا صوت من ظلمهم مستشارك، ويد من أذوهم رجالك." رد صقر العدالة، لكن صوته هذه المرة كان أقل حدة، كأنه يحاول كبح شيء يغلي في داخله. "أنا من يقف حيث تخليت أنت عن الوقوف، أقف في صف العدالة."
كانت الطعنة واضحة، لكن ثيودور لم ينزعج. بل اقترب خطوة أخرى. "أتعتقد أنني لم أحاول؟ أنني لم أكن أسيراً في قفصي الذهبي؟ كل ليلة، وأنا أنظر إلى شعبٍ يتضوّر جوعاً بإسمي، كنت أتمنى لو أستطيع أن أكون... مثلك."
"مثلي أنا؟!" ضحك صقر العدالة ضحكة قصيرة، مُرّة. "مطارد؟! مختفٍ في الظل؟! شخص يحمل على كتفيه آمال أناس لا يستطيع حتى النظر إلى وجوههم في وضح النهار؟!"
"بل حُرّ." قال ثيودور، والكلمة خرجت منه كتنهيدة محبوسة طوال عمره. "حُرٌ بأن تفعل ما تعتقد أنه صحيح، لا ما يُمليه عليك الخوف والضعف."
ساد صمت. حفيف الريح الخفيفة بين الأغصان كان الصوت الوحيد. ثم قال صقر العدالة، وصوته أقل حدة، أكثر استفساراً: "لماذا طلبت هذا اللقاء؟ لماذا الآن؟"
"لأنني تعبت من أن أكون تمثالاً." اعترف ثيودور، وعيناه لم تفارقا عيني الفارس المقنع. "لأنني رأيت فيك ليس عدواً، بل مرآة. مرآة تعكس الرجل الذي كان يمكن أن أكونه... والذي ربما ما زال بإمكاني أن أكونه."
كانت الكلمات تخرج من أعماقه، صادقة، عارية من أي تزييف ملكي. كان الرجل الذي يقف أمام صقر العدالة ليس ملك إيفرونيا، بل ثيودور. مجرد رجل. خائف. نادم. يبحث عن غفران لن يأتي أبداً.
صقر العدالة بدأ يخفض حذره. عباءته السوداء توقفت عن التحرك، كأن الرياح توقفت هي أيضاً لتستمع. "وما الذي تريده مني؟"
"أريـد..." بدأ ثيودور، لكن قبل أن يكمل، انقطع صوته.
من بين الأشجار، من ثلاث جهات مختلفة، انقضت الظلال.
لم تكن ظلالاً طبيعية. كانت بشراً، بملابس سوداء كالتي يرتديها صقر العدالة، أقنعة سوداء على وجوههم، سيوفهم تلمع في الظلام كأسنان وحوش.
المجموعة الأولى: "رجال الصقر" المزيفون.
"احموا سيدنا! الملك يريد أن يغدر به!" صرخ أحدهم، ثم هجم باتجاه ثيودور مباشرة.
لكن صقر العدالة كان أسرع. غريزته تفجرت قبل عقله. في لمحة عين، كان سيفه خارجاً من غمده، وجسده يتحرك كالبرق ليقف بين الملك والمهاجمين. الانقضاض الصامت جعله يظهر فجأة أمام أول رجل، وضربة سيفه أحبطت هجومه.
"هذا فخ!" صرخ صقر العدالة نحو ثيودور.
ثيودور، بغرائز ملكية دفينة، سحب سيفه الخاص الذي كان مخبأً تحت عباءته. "من هؤلاء؟!"
قبل أن يجيب، من الجهة المعاكسة، انفجرت المجموعة الثانية: رجال بزي حراس الملك، يقودهم فاروس مخفياً وجهه وكأنه جندي عادي.
"أيها الخائن! إنه يحاول اغتيال الملك!" صرخ فاروس، صوته يحمل نبرة الخيانة الممثلة بشكل رخيص.
هنا، تحولت الدائرة إلى فوضى مطلقة. "رجال الصقر" المزيفون يهاجمون ثيودور، "حراس الملك" المزيفون يهاجمون صقر العدالة، والجميع يصرخون باتهامات متقاطعة. المشهد كان مصمماً بشكل شيطاني: أي حركة يدافع بها صقر العدالة عن نفسه ضد "حراس الملك" ستُظهر وكأنه يهاجم حراس الملك الحقيقيين.
صقر العدالة أدرك الخطة في ثوانٍ. التركيز النفقي المطلق انطلق كبوابة فتحت في دماغه. العالم تضاءل، ولم يبقَ إلا الأهداف المتحركة. كان عليه حماية ثيودور، وتمييز الأصدقاء من الأعداء، والبقاء حياً.
سيفه رسم دوامات في الهواء، خنجره اللامع كان امتداداً لذراعه. ضربات محسوبة، غير قاتلة لكنها مُعطلة. كان يدفع "حراس الملك" بعيداً بينما يتفادى هجمات "رجال الصقر".
ثيودور، رغم سنه وضَعفه، كان يقاتل بسيفه ببراعة مفاجئة. سنوات من التدريبات الملكية القديمة عادت إليه. لكن الأعداد كانت كبيرة. وكان الخوف الأكبر: أن يضرب صقر العدالة عن طريق الخطأ، أو أن يُضرب هو.
وفي ذروة الفوضى، بينما كان صقر العدالة يدير ظهره لصد هجوم من فاروس، كان هناك ظل مختبئ.
رامٍ، مختفٍ بين الأشجار على تل صغير، يرفع قوساً. السهم الأسود الطويل كان موجهاً مباشرة نحو جسد صقر العدالة.
الوقت تباطأ. صقر العدالة كان مشغولاً بثلاثة مهاجمين. كان بإمكانه التفادي لو كان رآه باكراً، لكن الآن... الآن كان سهم الموت على بعد ثوانٍ.
ثم... تحرك ظل.
فالاندر، الذي كان قد وصل مع الباقين في تلك اللحظة بالضبط، اندفع من بين الأشجار كالريح. لم يكن مسلحاً بسيف، بل بجسده فقط. عيناه الخضراوان اتسعتا عندما رأى السهم، ورئتاه احترقتا وهو يركض.
"ألفـــارد!" صرخ فالاندر، لكن الصوت ضاع في ضجيج المعركة.
صقر العدالة التفت في اللحظة الأخيرة، ورأى فالاندر يندفع نحوه. قفز فالاندر، ولفّ ذراعيه حول جسد صقر العدالة من الأمام، في حركة حمائية غريزية، كأم تحتضن طفلها من عاصفة.
ثم سمع صوت سهم يخترق لحمًا وعظمًا. صوت رطب، قصير، قاتل.
السهم الأسود اخترق ظهر فالاندر من منتصفه، بقوة دفع جعلت الجسدين يسقطان معاً على الأرض.
سقطا. صقر العدالة تحته، وفالاندر فوقه، السهم البارز من ظهر فالاندر كشجرة غريبة نمت فجأة من جسده.
المعركة توقفت للحظة. الجميع رأوا المشهد. حتى رجال فاليريان المزيفون توقفوا، مذهولين من هذا التضحية غير المتوقعة وقد باتت خطتهم بالفشل.
صقر العدالة، تحت وطأة جسد فالاندر، رفع يديه المرتعشتين. دفع جسد صديقه بلطف جانبا، حتى رأى وجهه.
فالاندر كان ينظر إليه. عيناه الخضراوان، التي كانتا دائماً هادئتين كبحيرة في يوم صافٍ، كانتا الآن نصف مغلقتين من الألم. لكن في أعماقهما... لم يكن ذعر. بل كان تضحية. وكأنه يقول: "لقد أنقذتك للمرة الثانية."
خط من الدم الأحمر القاني نزل من زاوية فم فالاندر، سلك طريقاً على ذقنه الأبيض كجدول صغير على ثلج ناصع.
"فالاندر..." همس صقر العدالة، صوته تحطم إلى ألف قطعة. لم يكن صوت البطل الأسطوري. كان صوت ألفارد. صوت شاب رأى صديقه يموت من أجله.
فالاندر حاول أن يبتسم. فتح شفتيه، وكأنه يريد أن يقول شيئاً. لكن كل ما خرج فقاعة دماء صغيرة بتنهيدة أخيرة.
ثم... انغلقت عيناه تماماً. رأسه سقط على صدر صقر العدالة، كطفل استسلم للنوم بعد يوم طويل.
في تلك اللحظة، انفجر بركان.
صوتٌ خرج من صدر صقر العدالة لم يسمعه أحد من قبل. لم يكن صرخة غضب، ولا صرخة حرب. كان عواءً. عواء حيوان جريح فقد شريكه. صوتٌ من أعماق الأرض، من قلب الجبال، من صميم الظلام.
"فالانــــــدر!"
الصوت قطع الهواء، وقطع الضجيج، وقطع حتى الزمن نفسه. تردد صداه بين جذوع البلوط العتيقة، وكأن الغابة نفسها كانت تنعي.
كانت عيون صقر العدالة، تلمع في الظلام. لم تكن تلمع بدموع، بل بنيران بيضاء من الألم والغضب. نظرة إلى السهم البارز من ظهر صديقه، ثم إلى الوجوه المحيطة، حملت وعداً: وعد بأن الدم لن يُسفك هكذا دون ثمن.
والمشهد انتهى هناك: صقر العدالة جالس على الأرض، جسد فالاندر النازف بين ذراعيه، والسهم القاتل يشهد على خيانةٍ كانت أخطر من أي سيف، وأقسى من أي كراهية.
والليل، الرهيب والصامت، احتضن صرخة البطل التي لن ينساها أي من الحاضرين أبداً.