الفصل الثالث عشر
كانت عروسًا،
لكن قلبها لم يكن في الزفاف.
كُتب لها أن ترتدي فستانًا أبيض،
لا لأن الحب حضر…
بل لأن القدر اختار بدلًا عنه.
تزوّجت رجلًا لم تحبه،
بينما الذي أحبّته
بقي عالقًا في قلبها كحلمٍ لم يكتمل.
وفي ليلة يفترض أن تكون بداية،
كانت تودّع نفسها بصمت.»**
ــــــــــــــــــــــــالبدايةــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عنود:
"طيب."
رفعت هنوف راسها بسرعة، فيها أمل وخوف بنفس الوقت.
قامت عنود بهدوء، لبست عبايتها،
حركاتها ثقيلة كأنها تلبس قرارها، مو عبايتها لبست هنوف بعدها وطلعوا من البيت. وكل وحدة تعرف إن اللي جاي
مو لقاء عادي هذا وداع
يمكن يكون آخر مرة يجمعهم القدر.
عند الدكان حيث احترق الحلم
كان الدكان هادئ.
ريحة الخشب، صوت المروحة القديمة، نفس المكان اللي كان عزام يحلم فيه بمستقبل يشبه عنود.
واقف عند الطاولة، يشتغل بيده بدون ما يدري وش يسوي.
عقله مو معه… كله عندها.
دخلت عنود.
خطواتها توقفت عند الباب.
ما قدرت تدخل على طول.
هذا المكان يعرفها…
وهذا المكان شهد على حبهم من قبل لا ينطقونه رفع عزام راسه شافها.
تجمّد كأن الزمن وقف.
عزام: بصوت منخفض
"عنود"
ما ردّت عيونها كانت ثابتة بس مكسورة.
تقرب خطوة. هو خطوة بعدها.
عزام:
"ليش جيتي؟"
عنود:
"عشان أقول لك شي لازم ينقال."
سكت كان يعرف لكن قلبه يرفض يصدق.
عزام: بلهفة مكبوتة
"هنوف قالت لي بس قولي لي أنتِ.
قولي لي إن الكلام غلط."
رفعت عنود نظرها له. وفي لحظة، شدّت قلبها بقوة. وقررت تكون قاسية.
عنود:
"مو غلط."
عزام: نزلت الكلمة مثل سكين.
"يعني وافقتي؟"
هزّت راسها ببطء صوت أنفاسه اختنق.
عزام:
"طيب نهرب أطلعك من هنا نروح أي مكان، أشتغل، أتعب بس تكونين لي."
عنود: دمعتها خانتها، لكنها مسحتها بسرعة.
"لا."
عزام: قرب منها، صوته يرجف
"عنود أنا بدونك ولا شي لا تكسريني بهالسهولة."
عنود: رفعت يدها تمنعه يقرب أكثر.
"لا تحطني بهالمكان أنا ما جيت أسمعك تتكسر."
عزام:
"أجل ليش جيتي؟"
سكتت ثواني ثم قالت الجملة اللي ذبحت الاثنين.
عنود:
"عشان أقول لك. إن قصّة حبنا انتهت."
تراجع خطوة، كأنها دفعته.
عزام: بصوت مكسور
"انتهت بهالسهولة؟"
عنود: شدّت نفسها، وصوتها صار أبرد:
"إيه لا تنتظرني، ولا تحلم فيني أنا ما عاد لي فيك نصيب."
عزام:
"تكذبين عيونك تكذبك."
عنود: صرخت فيه لأول مرة:
"لا اللي بيننا كان وهم وانتهى."
سكت المكان حتى المروحة كأنها وقفت.
اقترب منها مرة أخيرة، صوته واطي جدًا:
عزام:
"قوليه مرة ثانية وخليني أصدق."
أغمضت عيونها، وختمت قلبها:
عنود:
"ما أحبك وانتهى كل شي."
انكسرت ملامحه ما بكى بس روحه وقعت لفّت عنود ظهرها، وهي تمشي للخارج قالت بدون ما تلتفت:
عنود:
"انسى اسمي وانسى إنك عرفتني."
طلعت.
وبقي عزام وحده في الدكان.
واقف مكانه عينه على الباب.
الحلم اللي بناه هنا انحرق بدون نار.
قفل عزام باب الدكان. مو لأنه خلّص شغله لكن لأنه ما عاد يقدر يوقف.
جلس على الأرض، ظهره مسنود للجدار الخشبي نفس الجدار اللي كان يتخيله يعلّق عليه صورة زواجه. اليوم صار شاهد على سقوطه. مد يده، لقى شعرها.
خصلة شعر كان محتفظ فيها من زمان.
ضحك ضحكة قصيرة… موجوعة.
عزام: بهمس
"حتى الشعر بقى وأنتِ رحتي."
شد الخصلة بين أصابعه دمعته نزلت بدون إذن ما بكى بصوت بس صدره كان يرجف كأن قلبه ينهار قطعة قطعة.
وقف فجأة، ضرب الطاولة بيده.
عزام:
"ليش وش ذنبي وش ذنب حلمي؟"
رجع جلس أخفى وجهه بين يديه.
تذكّرها وهي تضحك. وهي تزعل.
وهي تقول له: "لا تطوّل الغيبة."
عزام:
"كنت أحسب الحب يكفي طلع ما يكفي شي."
مد رجوله قدامه حاس بثقل بجسمه، كأنه شايل جبل فكر يروح. يوقف قدام بيتهم. يصرخ باسمها لكن صوتها رجع برأسه:
"ما أحبك وانتهى."
ضحك مرة ثانية ضحكة مكسورة.
عزام:
"لو ما تحبيني ليش كل هالوجع؟"
قام يلف في الدكان لمس الجدران.
كل زاوية فيها ذكرى جلس عند الباب.
ناظر الشارع الناس تمشي. والوقت ما وقف عشان قلبه طلع جواله فتح اسمها.
كتب: عنود مسح سكر الجوال.
عزام: بصوت مخنوق
"أنا وعدتك أكون لك سند بس ما قدرت أحميك."
سند راسه على الباب أغمض عيونه.
أول مرة يحس إنه خسر مو معركة.
خسر نفسه ظل جالس لين طلع الفجر.
عينه حمرا، قلبه فاضي. قام، فتح الدكان مو لأنه جاهز لكن لأن الحياة ما تنتظر المنكسرين. لكن عزام شي فيه انكسر…
وما راح يرجع مثل قبل.
ليلة قبل العرس...
البيت كان هادي أكثر من اللازم.
حتى الضحك اللي تعودوا عليه اختفى.
عنود كانت بغرفتها، جلست قدام المراية،
تناظر نفسها كأنها تشوف شخص غريب.
لبس العرس معلّق قدامها. أبيض…
بس قلبها كان أظلم من أي لون.
قامت ولمسته بأطراف أصابعها.
ارتجفت.
عنود: بهمس
"مو لك ولا عمري حلمت فيك."
رجعت جلست على السرير فتحت درج صغير طلعت منه أشياء بسيطة خاتم قديم ورقة مكتوب فيها اسمه،
وصورة ما اكتملت. ضمّتهم لصدرها.
عنود:
"كنت أحسب بكرة أكون سعيدة! طلع بكرة اختبار."
تذكرت كلامه صوته نظراته لما كان يقول: "أنا لك، وما أبي غيرك."
نزلت دمعتها بهدوء مسحتها بسرعة.
عنود:
"لا تبكين العروس ما تبكي."
لكن قلبها ما سمع الكلام قامت، فتحت الشباك. الليل بارد. والقمر كامل…
كأنه جاي يشهد على وداع.
عنود:
"يا رب. إن كان هذا قدري،
قوّني عليه. لا تخليني أضعف."
جلست على سجادة الصلاة رفعت يدينها.
عنود:
"يا الله. سامحني لو كسرت قلب إنسان.
وسامحني لو قلبي انكسر."
أنهت دعاءها بقت جالسة شوي.
تحاول تحفظ نفسها مثل ما هي الآن.
قبل ما تتغيّر للأبد سمعت حركة برا الغرفة. أصوات خفيفة يمكن أمها.
يمكن خواتها. ما فتحت الباب.
نامت على طرف السرير.
ظهرها للفساتين. وقلبها للذكريات.
آخر فكرة خطرت ببالها. مو كل زواج بداية. بعضه نهاية. وسكرت عيونها،
مو لأنها نامت لكن لأنها ما عاد تقدر تشوف بكرة.
دخلت أم عنود الغرفة بهدوء.
خطواتها كانت خفيفة، كأنها خايفة تجرح بنتها أكثر مما هي مجروحة.
شافتها جالسة، ظهرها محني، وعيونها مليانة دموع محبوسة.
انقبض قلبها. قربت منها، ومدّت يدها، ولمّا حسّت فيها عنود…
مسحت دموعها بسرعة، ورفعت راسها.
قامت وحضنت أمها بقوة.
حضن بنت تحتاج أمها… مو عروس.
لكن مهما حاولت، حزنها كان أوضح من إنها تخبيه.
أم عنود: بصوت مكسور
"أنا حاسّة فيك يا عنود. حاسّة بوجعك قبل لا تتكلمين."
بعدت عنود شوي، وحاولت تبتسم.
ابتسامة باهتة، ما تشبهها لكن دموعها خانتها ونزلت.
عنود:
"يمّه أنا زينة وش فيها لو العروس حزينة يوم عرسها. بأحبه مع الوقت وبأتعود."
قالتها وهي تحاول تقنع نفسها قبل أمها.
مسحت أمها دمعتها وقالت:
أم عنود:
"الله يسعدك ويوفقك يا بنتي ويعوضك خير."
هزّت عنود راسها.
"روحي يمّه بأجهّز نفسي."
طلعت أمها وتركت عنود قدام الفستان الأبيض ناظرته طويل هذا الفستان حلمت فيه سنين بس مو بهالشكل مو مع الرجل هذا بعد دقائق، انفتح الباب.
دخلت طرفه وراها هنوف.
وقفوا فجأة عنود كانت كأنها أميرة.
الفستان لايق عليها الشعر، المكياج…
كل شي كامل إلا عيونها.
طرفه: بذهول
"هاه هذي أنتي عنود؟"
عنود ابتسمت ابتسامة متعبة:
"إيه أنا."
طرفه:
"ما شاء الله طالعة تجننين."
هنوف زفرت بقوة،
ناظرت عنود من فوق لتحت، وقالت بوجع مكبوت:
هنوف:
"لو عزام شافك كان جنّ من جمالك."
رفعت طرفه يدها وضربت هنوف بخفة،
كأنها تقول لها: اسكتي بس الكلمة وصلت وجرحت عنود حسّت بالغصة.
شدّت على يدها.
عنود:
"وش تقصدين ليش تتعمدين تجرحيني؟"
هنوف:
"أقول الحقيقة. عزام يحبك أكثر من أي أحد وأنتِ اخترتي أبو سعود عليه."
ارتفع صوت عنود:
"أنا ما اخترته انفرض علي وأنتِ تعرفين هذا زين!"
هنوف:
بس وافقتي. ليش وافقتي؟"
عنود: بصوت مرتجف
"وافقت عشانكم عشان ما تضيعون!"
هنوف:
"أنتِ فاهمة وش أقصد لا تتجاهلين."
عصبت عنود:
"وضّحي. وش تبين بالضبط؟!"
احتدم الجدال صوتهم ارتفع الوجع طلع.
دخلت طرفه بينهم بسرعة:
طرفه:
"يكفى. وش فيكم؟"
لكن عنود كانت خلاص مسكت يد هنوف بقوة سحبتها برا الغرفة وسكرت الباب بقوة. وقفت قدام المراية الدموع نزلت ما قدرت توقفها ركعت على الأرض ضمّت ركبتيها وبكت. بكاء يكسر.
عنود: بهمس
"ليش حتى أنتي ضدي"
قربت منها طرفه وجلست معها:
طرفه:
"تكفين يا عنود لا تبكين."
لكن عنود ما ردّت في داخلها كلام كثير. بس ما له صوت. برا الغرفة كانت هنوف تغلي.
هنوف: بعصبية
"لعن أبو هالحال. حتى تطرديني؟"
جت أمها بسرعة مسكتها من يدها.
أم عنود:
"وش تبين تسوين ما يكفي اللي صاير؟"
سحبت هنوف يدها بقوة:
"أسوي كذا عشان عنود ما أبيها تضيع عمرها مع شايب. يمّه شلون رضيتِ؟"
سكتت الأم. ما لقت جواب. السكوت كان أوجع من الكلام وقفوا لحظة البيت كله كان يتنفس حزن والوقت كان يعدّ للانكسار الأكبر.
انفتح باب الغرفة بهدوء طلعت عنود.
خطواتها كانت بطيئة، محسوبة،
كأنها تخاف توصل قبل ما تكون جاهزة…
وجاهزيتها ما كانت بيدها.
الفستان الأبيض ينسدل عليها بثقل،
مو خفيف مثل ما كانوا يقولون عن فساتين الأعراس كان ثقيل
ثقيل مثل القرار. وقفوا اللي برا.
أمها، خواتها، والنسوة المجتمعين.
الكل سكت لحظة. عنود كانت جميلة…
بس جمال صامت. ما فيه فرح،
ولا لهفة. قربت أمها. مسكت يدها بقوة.
أم عنود: بصوت واطي
"الله يتمم لك على خير يا بنتي."
هزّت عنود راسها بس. ما قدرت ترد.
الكلام خانها. مشوا مع بعض. صوت خطواتها على الأرض كان واضح
أوضح من الزغاريد اللي حاولوا يطلقونها.
كانت تحس كأن كل خطوة
تسحب منها شي.
حلم…ذكرى…
جزء من روحها.
وصلوا عند باب القاعة. وقفت.
ثواني قصيرة. بسها كانت طويلة عليها.
شدّت على يد أمها
عنود: بهمس مكسور
"يمّه لا تتركيني."
ام عنود:
"أنا معك لين آخر نفس."
دخلت عنود القاعة الأنظار التفتت.
الناس قامت. الهمسات بدأت.
بس عنود. ما شافت أحد.
كانت تمشي وعينها قدّامها. كأنها خايفة
ولا سمحت لقلبها يدور. وصلت مكانها.
وقفت الفستان أبيض القاعة مليانة ناس.
والقلب كان لحاله. رفعت رأسها شوي،
أخذت نفس عميق.
عنود (بينها وبين نفسها):
"خلاص. هذا قدري"
وكانت هذي
لحظة بل من حياة كانت تحلم فيها إلى حياة ما اختارتها.
القاعة كانت مليانة ناس.
أصوات، همسات، ضحك متكلف.
كل شي يقول فرح. إلا قلب واحد.
دخلت عنود. وقف الوقت. حتى الموسيقى خف صوتها كأنها تحترم اللحظة. تمشي بخطوات بطيئة. الفستان الأبيض يجرّ وراها. والطرحة مغطيّة نص وجهها. لكن عيونها. واضحة… متعبة… مو هنا. كانت ماسكة يد أمها. يد ترتجف.
مو من الخجل. من الثقل.
القاعة كانت مولّعة أنوار، موسيقى، زغاريد. ضحك عالي ورقص ما يوقف.
النساء يتبادلن التهاني. والتصوير ما يهدأ،
وكل شي يقول: عرس كبير.
إلا الكوشة كانت عنود جالسة هناك.
فستانها الأبيض يلمع تحت الإضاءة،
الطرحة نازلة بهدوء على كتوفها،
ووجهها. ساكن حزين بعيد.
تبتسم للكاميرات ابتسامة متعبة،
تطلع وتختفي بسرعة.
كل ما قربت وحدة تبارك لها:
“مبروك يا عروس”
كانت تهز راسها وتقول بصوت واطي:
“الله يبارك فيك.”
وترجع تسكت. الموسيقى تعلى.
الرقص يزيد. الفرح ينتشر بكل زاوية.
وعنود. تحس نفسها غريبة وسط كل هذا ناظرت حولها. ناس تضحك من قلبها. وأغاني عن الحب. وعن بداية العمر.
عنود (بينها وبين نفسها):
"أي عمر. وأي بداية؟"
لمست طرف الفستان كانت يدها باردة.
قلبها أبرد. شافت خواتها من بعيد.
طرفه تحاول تبتسم هنوف واقفة ساكته،
عينها معلقة عليها نزلت عنود عيونها.
تحاول تكون قوية تحاول تمثل إنها عروس سعيدة بس في كل مرة يعلو فيها الصوت تحس الفراغ يكبر داخلها.
الزغاريد تطلع. الرقص يدور. والوقت يمشي. وعنود. جالسة في الكوشة،
محاطة بالناس. لكن وحيدة كأنها داخل لوحة جميلة. بس الروح مو فيها.
وكان واضح. إن هذا العرس مليان فرح…
إلا قلب العروس.
ـــــــــــــــــــــــــالنهايةـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ