عيونك قصيدة اذوب فيها صمتاً - الفصل الثاني عشر - بقلم نهال | روايتك

اسم الرواية: عيونك قصيدة اذوب فيها صمتاً
المؤلف / الكاتب: نهال
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثاني عشر

الفصل الثاني عشر

والله إن الفراق ما كان باختياري، ولا يوم كان قلبي مستعد يبعد. لكن كنت بين خيارين قاسيين، إمّا أكون أنانية وأترك أهلي وهم في أمسّ الحاجة لي، أو أكون قوية وأبعد عنك... رغم إنك أغلى ما أملك. اخترت الوجع على راحتي، واخترت أتحمّل الألم لحالي، لأن بعض الفراق ما يكون قلّة حب، يكون تضحية. بعدت وأنا قلبي معك، وأضحك قدّامهم وأنا من داخلي مكسورة، مو لأنك سهل فراقك، لكن لأن في الحياة أشياء نضطر نخسرها عشان ما نخسر أنفسنا واللي نحبهم. وصدقني... أصعب وداع هو اللي يكون غصب، وأقسى حب هو اللي نتركه وإحنا ما زلنا نبيه بكل قلوبنا. ـــــــــــــــــــــــــالبدايةـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أم عنود: "عنود لو تزوجت غصب ترى ما راح تسامحك والجرح هذا ما يندمل." سكتت، ولفّت راجعة للبيت. تركته لحاله بين نار الديون، ونار ذنب ما راح يطفى. ومن داخل الغرفة. كان بكاء عنود يطلع خفيف كأنه آخر شي باقي منها كانت عنود واقفة عند باب المجلس، يدها على صدرها، ونَفَسها مو منتظم. دخلت بخطوات بطيئة. أبو عنود كان جالس، راسه منخفض، كأنه ينتظر المواجهة. سكتوا لحظة. عنود: بصوت ثابت بصعوبة "يبه أبي أفهم." رفع راسه، ناظرها، وما تكلم. عنود: "ليش ليش تزوجني غصب. وش سويت أنا عشان أستاهل هالوجع؟" تنفّس أبو عنود بعمق وكأنه يشيل جبل: "اجلسي." جلست قدّامه، عيونها ما نزلت. أبو عنود: بصوت مكسور "دكاني احترق الدين ركّبني من راسي لرجولي ما بقى شي." سكتت عنود، بس قلبها بدأ يفهم. أبو عنود: "لو ما تم هالزواج بنطلع من البيت. أنا، وأمك، وخواتك نصير بلا شي." ارتجفت شفايفها عنود: "يعني أنا الحل؟" ما رد الصمت كان جواب. عنود: بحرقة "يعني يا أضحي بنفسي يا ننام بالشارع؟" رفع أبو عنود صوته لأول مرة، مو غضب. خوف: "أبي أستر بيت كامل. مو بنت وحدة!" قامت عنود فجأة: "وأنا من يستر قلبي من يشيل عمري إذا ضاع؟" اقترب منها خطوة، صوته منخفض: أبو عنود "أبو سعود ما راح يقصّر معك بيأمّنك. وبيكون لك بيت." عنود: ضحكت ضحكة خفيفة، موجوعة: "بيت بدون روح وش يسوى؟" سكت ما لقى جواب. نزلت دمعتها الأولى ومسحتها بسرعة. لفّت وجهها، وكأنها تشوف أمها وخواتها قدّامها، تخيلتهم بلا بيت بلا أمان. رجعت تناظر أبوها. عنود: بصوت هادي، مكسور "إذا أنا وافقت توعدني إن أمي وخواتي ما يحتاجون شي؟" عنود: هز راسه "أتوعد." سكتت لحظة. ثم قالت الكلمة اللي كسرت قلبها قبل ما تكسر غيره عنود: "موافقه." رفع أبو عنود راسه بسرعة: "عنود" قاطعتـه عنود: بحزم هادئ "بس لا تقول إني اخترت أنا انجبَرت." لفّت وطلعت ما صرخت ما بكت. بس كل خطوة كانت تودّع فيها حلم، وتدفن حب وتلبس قناع القوّة عشان تنقذ اللي تحبهم وفي غرفتها جلست على السرير همست لنفسها: عنود: "سامحني يا عزام ما قدرت أكون أنانية." والنار ما طفت بس صارت أعمق. اليوم الثاني البيت ساكت أكثر من اللازم. صمت ثقيل، كأن الجدران تعرف اللي صار. عنود جالسة، عيونها متورّمة من السهر. كأن النوم قرر يهجرها. دخلت هنوف فجأة، نبرتها حادّة، بس مكسورة. هنوف: "وشلون قدرتي توافقين يا عنود؟ تبيعين نفسك كذا؟" رفعت عنود عيونها ببطء وفيها تعب عمر مو يومين. "ما عندي خيار ثاني ما أقدر أترككم تعيشون بالشارع." هنوف: بانفعال "أنا راضية أعيش بالشارع. ولا أشوف أختي تتزوج واحد قد أبوها!" سكتت عنود لحظة، "خلاص. كل شي تم وافقت، وما فيه رجوع." دخلت طرفه بينهم، صوتها يرجف: "ليش يا عنود ليش توافقين؟" تنفست عنود بعمق كأنها تجمع بقايا قوتها. "أنتم مالكم دخل أنا اللي بتزوج." انكسرت هنوف دموعها نزلت بدون إذن. "تضيعين عمرك عشانا أنا ما أرضى ما أرضى يا عنود!" قربت عنود منها خطوة صوتها اختنق: "لو تبون عمري أعطيكم إياه." ما قدرت طرفه تتحمل حضنت عنود بقوة وانفجروا بالبكاء بكاء أخوات، بكاء فراق إلا هنوف... كانت واقفة بعيد دموعها تنزل بصمت، دموع محروقة رفعت رأسها، صوتها بارد بس موجع: هنوف: "صدقيني يا عنود لو تزوجتي أبو سعود أنا ما راح أسامحك أبد وانسي إن عندك أخت اسمها هنوف." نزلت دمعة عنود غصب عنها! وكسرت صوتها: "أسوي كذا عشانكم وبالنهاية تكرهيني؟' هنوف ما ردّت ولا حتى ناظرتها. لفّت، دخلت غرفتها بسرعة! لبست عبايتها وطلعت من البيت وكأنها تهرب من وجعها. كانت رايحة لعزام وهي ما تدري إن اللي جاي أصعب من اللي راح غرفة عنود صارت صامتة بعد ما خرجت هنوف الهواء ساكت، حتى صوت أنفاسها كان عالي بداخلها. جلست على طرف السرير، ضمت ركبتيها، وحطت رأسها عليها دموعها نزلت غصب عنها، من قلب تعب من الفقدان والخذلان مش بس اليوم بل كل السنوات اللي حلمت فيها بسعادة صغيرة، حلمت بعزام، بحب صادق، بحياة ما يعرفها غيرها. همست لنفسها بصوت خافت: عنود: " ليش؟ ليش القدر يعذبنا كذا...؟" صرخت بداخلها، بس ما خرج صوت. كل شعورها تقطّع داخليًا، وكل خطوة فشلت تحمي اللي تحبه. تخيلت نفسها، لو كانت تقول "لا"... لو كانت تقاوم! بس قلبها ما كان يقدر. نظرت لجدار الغرفة، كل زاوية فيه كانت تذكّرها بالحرية اللي فقدتها، بالأحلام اللي راحت، وبالخيارات اللي انمسحت منها. همست بصوت مكسور: عنود: "أسف يا عزام. ما قدرت أكون أنانية" لم تتحرك، جلست هناك، ساكتة. والدموع تسيل بلا صوت تملأ الفراغ اللي صار داخلها فراغ أكبر من أي غرفة فراغ يشبه كل الدنيا اللي صارت ضدها. كانت تعرف شيء واحد: اليوم بدأ فصل جديد في حياتها، بس مو الفصل اللي اختارته هي. الفصل اللي كتبه لها القدر واللي فيه الحب موجود بس مش لها. وساعات المساء دخلت على غرفة ها وهي مغطية وجهها بالوسادة تحاول تمنع نفسها من الصراخ. تحاول تمنع قلبها من الانكسار أكثر لكن كل خفقة تقول لها: كل شي صار، وكل شي انتهى لكن القلب... ما ينسى. كان عزام واقف عند طرف الديرة، ساكت، يدور بيده عالصخر الصغير، يسمع أصوات الديرة الصباحية، لكن قلبه بعيد... بعيد عن كل شي. فجأة، لمحت هنوف قدّامه، ماشية بخطوات سريعة، عيونها حمراء، وشفت فيها كل شيء: الغضب، الخوف، والحزن. عزام: بقلق هنوف وش فيك؟ ليش كذا؟" هنوف وقفت قدامه، دموعها ما تقدر تتحكم فيها، صوتها يرتجف: "عزام عنود وافقت تزوج أبو سعود" سكت لحظة. الكلمات وقعّت عليه كالصاعقة. قلبه توقف، ثم انكسر. وقف ساكت يحاول يهضم الحقيقة ما قدر. عزام: بصوت مكسور، يكاد يصرخ "شنو وش تقولين؟!" دموع هنوف تنزل بلا توقف: "صحيح عنود ما كان لها اختيار هي تحبك بس أبوها أجبرها وهي وافقت عشانا عشانا بس" عزام حس إنه العالم انهار حوله. رأسه وقع للأسفل، يديه ترتجف، كأنه كل الأحلام اللي رسمها اختفت في لحظة. عزام: بصوت مخنوق، يصرخ للهواء "ليش ليش القدر يعذبنا كذا؟!" تنهد بعمق وحط راسه على يديه، كأن كل قوته راحت منه. هنوف واقفة، تحاول تمسح دموعه، بس هي بعد تحترق من الداخل. هنوف: بهمس "عزام لا تنهار قدام الناس بس لازم تعرف الحقيقةعلشان تعرف ليش قلبك موجوع" عزام رفع راسه فجأة، عيونه مليانة دموع وغضب وحسرة: "أريد أشوفها. أريد أتكلم معها قبل ما تروح" هنوف: "ما تقدر هي الحين بعيد وهي لازم تمشي بس أنا أنا قلت لك لا تخلي حد يعرف غيرك" عزام قلبه صار نار، كل شيء صار مو طبيعي. وقف ساكت، ينظر للسماء، ثم قال بصوت منخفض وكأنها وصية لنفسه: عزام: "عنود لو تعرفين لو تسمعين أنا ما راح أنساك ولا يوم مهما صار" هنوف ابتعدت شوي، دموعها تختلط بالغضب: "روح حضر قلبك الي جاي أصعب" عزام وقف هناك قلبه صار خراب كل رسم وكل حلم صار أشلاء ولحظة ما يقدر يتنفس الحقيقة اللي وصلت له مزّقت روحه لكن عرف إنه لازم يظل قوي. حتى لو كان وحده في وجع الدنيا كلها. رجعت هنوف البيت وهي تحس بحرقة ما تنوصف خطواتها ثقيلة، صدرها ضايق، كأن كل نفس يدخل بصعوبة. دخلت الغرفة بهدوء عنود كانت متمددة على السرير، ظهرها لجهة الباب ساكنة بشكل يخوّف، لا دموع، لا حركة... وهذا أكثر شيء كسر هنوف. وقفت عند الباب، تطالعها، تحس بندم يأكلها من الداخل. الكلام اللي قالته... ما كانت تقصده بهالقسوة كانت تبي تنقذها، مو تجرحها. كانت تبي تقرب، تحضنها، تقول لها سامحيني... لكن شي شدّها مكانها. الخوف إنها تكون أنانية، الخوف إنها تطلب من أختها تضحي أكثر زفرت بقوة، وصوتها طلع مبحوح وهي تصرخ: هنوف: "عنود بغيت أتكلم معك." جاءها صوت عنود بدون ما تلتفت، ببرود يخفي وجع كبير: "وش تبي مني عاد ما يكفي اللي قلتيه لي؟" هنوف تقدمت خطوتين، صوتها يرجف: "أنتِ تعرفين قصدي أنا ما كنت أبيك تضيّعين عمرك مع واحد شايب قد أبوك." لفّت عنود وجهها نص لفّة، عيونها متعبة، وصوتها هادي بس موجوع: "أنا مجبورة أوافق خلاص، كل شي تم. وتوقعي إن القدر ما كتب لي أنا وعزام نكون لبعض خلاص يا هنوف يكفي." سكتت الغرفة لحظة، إلا من صوت أنفاسهم هنوف عضّت شفتها، والدموع نزلت غصب عنها. هنوف: "طيب عزام وش بيصير فيه من بعدك؟ لا تنسينه عزام يحبك رسم عمره كله معك." انكسر صوت عنود، لكنها تماسكت: "ما نسيته ولا راح أنساه بس وش بيدي قولي لي وش أسوي؟" قربت هنوف أكثر، وكأنها تتوسل: "طيب شوفيه كلمي عزام، فهميه. أكيد لو شافك بيطيب خاطره." عنود جلست، حطت يدها على جبينها، صوتها طالع من قلبها: "أي خاطر أطيّبه الشي اللي انكسر فيه ما ينكسر مرة ويرجع مثل أول. افهمي لو شفته راح أكسره أكثر وأكثر." هنوف: بإصرار وحزن "صدقيني يا عنود أنتِ تعنين له كثير. إذا شافك، حتى لو تألم بيكون أرحم من الصمت. تكفين لآخر مرة." سكتت عنود طولت السكتة. قامت تمشي ببطء داخل الغرفة. قلبها يقول لا لكن روحها تصرخ أبي أشوفه. هي نفسها تحتاج هاللقاء... مو علشانه بس. علشانها هي بعد. وداع أخير نظرة أخيرة قبل ما تُقفل الأبواب للأبد. زفرت بقوة، وكأنها تستسلم: عنود: "طيب." رفعت هنوف راسها بسرعة، فيها أمل وخوف بنفس الوقت. قامت عنود بهدوء، لبست عبايتها، حركاتها ثقيلة كأنها تلبس قرارها، مو عبايتها لبست هنوف بعدها وطلعوا من البيت. وكل وحدة تعرف إن اللي جاي مو لقاء عادي هذا وداع يمكن يكون آخر مرة يجمعهم القدر. ـــــــــــــــــــــــــــالنهايةـــــــــــــــــــــــــــــــــــ