الفصل الحادي عشر
«سأفعل من أجلك كل ما أستطيع،
ولو كلّفني ذلك حياتي،
فبعض الناس لا يُضحّى لهم…
بل يُضحّى بهم.»
ـــــــــــــــــــــــــــالبدايةــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رفع عزام عيونه ببطء، وصوته طالع من قلبه:
عزام:
"عنود…"
عبدالله:
"وش فيها؟"
سكت عزام لحظة…
وقبل لا يتكلم. كان القرار بدا يتكوّن داخله قرار ما يرجّع حلمه بسهولة...
وقف عبدالله قدّام عزام، لاحظ رجفة يده، وسكوته اللي ما هو طبيعي.
عبدالله: بقلق
"تكلم يا عزام، وش صاير بالضبط؟"
رفع عزام راسه، عيونه حمراء بس صوته ثابت بصعوبة:
"أبوها وافق بيزوّجها لأبو سعود."
انصدم عبدالله، سحب نفس طويل:
"أبو سعود معقولة؟ الفرق بينهم كبير."
عزام: بحرقة
"مو فرق عمر بس هذا يدفنها وهي عايشة."
سكت عبدالله لحظة، ثم قال بهدوء محسوب:
"اسمعني زين يا عزام الزواج هذا قرار أهلها وأبوها حر ببنته."
شدّ عزام قبضته، صوته ارتفع:
"حر؟ يبيع بنته عشان فلوس وديون؟ هذا مو حرية، هذا ظلم!"
عبدالله: بحزم
"لا ترفع صوتك الدنيا مو تمشي بالعاطفة بس."
عزام:
"وأنا وش أسوي أوقف أتفرج وهي تروح لواحد بعمر أبوها؟"
عبدالله:
"تروح تتقدم رسمي تكلم أبوها بعقل،
مو تتهور وتخربها على نفسك وعليها."
ضحك عزام ضحكة موجوعة:
"تقدمت قبل وانرفضت وش تغير الحين؟"
عبدالله:
"تغير إنك تصبر يمكن ربي يفرجها."
عزام: بانفجار
"صبر وانت لو كانت أختك،
كنت بتقول اصبر؟"
سكت عبدالله، الكلمة ضربته.
"لا تدخل أهلي بالموضوع."
عزام:
"أدخل اللي أبي لأن اللي يصير مو عدل، وانت ساكت!"
عبدالله:
"مو ساكت أنا أفكر بعقل.
انت بتروح تخرب حياتك وحياتها."
عزام: بعصبية
"وحياتها الحين مو خربانة تزوج غصب، هذا حياة؟"
اقترب عبدالله خطوة:
"ترى لو تدخلت بتصير مشكلة كبيرة.
وأبوها ما بيرحمك."
عزام:
"ما عاد يهمني اللي يهمني عنود."
عبدالله:
"وأنا أقول لك أبعد قبل لا تكبر السالفة وتندم."
سكت عزام لحظة، ثم قال بصوت واطي لكنه حاسم:
"الندم الحقيقي إني أتركها."
التفت عبدالله وهو متضايق:
"سويت اللي عليّ ونصحتك لا تجرني معك لطريق نهايته سوداء."
رد عزام ببرود موجوع:
"ولا أنا طلبت نصيحة تكسر ظهري.
خلّيك بعيد."
طلع عبدالله من الدكان،
والخصام واقف بينهم مو بس كلام خصام طرق وكل واحد رايح باتجاه.
أما عزام جلس لحاله ونظر لورقة الشعر قدّامه. مزقها بهدوء وكان واضح إن القرار اللي جاي راح يغيّر كل شي.
بعد ساعات
مرّت ساعات بعد الخصام.
الدكان هادئ، والليل بدأ يرخي ستاره على الديرة.
كان عزام جالس لحاله، ما عاد يكتب ولا يغنّي بس يناظر الفراغ.
انفتح باب الدكان بهدوء.
دخل عبدالله، وقف عند الباب لحظة، وكأنه متردد،
ثم تقدّم خطوتين.
عبدالله: بصوت واطي
"عزام"
ما رد بس حرك عيونه شوي.
عبدالله:
"أنا ما جيت أجادلك ولا أفرض رأيي عليك."
تنهد وجلس على الكرسي المقابل له.
عبدالله:
"جيت لأننا عشرة عمر واخوان
والخصام ما يليق فينا."
سكت عزام لحظة، ثم قال بدون ما يلتفت:
"اللي صار. مب بسيط."
عبدالله:
"أدري وأدري إن كلامي قاسي."
عبدالله رفع راسه وناظر عزام مباشرة:
"بس خوفي عليك مو ضدك."
ضحك عزام ضحكة قصيرة، مكسورة:
"الخوف ما يمنع الوجع أنا كل اللي أبيه ما تنكسر."
عبدالله:
"ولا أنا أبيها تنكسر. بس التدخل الغلط
يكسرها أكثر."
سكتوا صوت المكيف هو اللي يملأ المكان.
عزام: بصوت مخنوق
"تدري وش يقهر إني ما قدرت أحميها."
عبدالله:
"أحيانًا الحماية إنك تختار الوقت الصح."
وقف عبدالله:
"خلّنا نفكر سوا! مو كل واحد لحاله."
نظر له عزام لأول مرة بوضوح:
"وتبي مني وش أنتظر لين يلبسونها الشبكة؟"
سكت عبدالله، ثم قال بحزم هادئ:
"أبيك توعدني ما تسوي شي متهوّر."
عزام:
"وأنا أبيك توعدني ما توقف بطريقي.
تلاقى نظرهم ما في وعد ولا صلح كامل."
عبدالله تنهد، ولبس شماغه:
"أنا معك بس مو بأي طريق."
طلع من الدكان عزام بقى واقف،
كلام عبدالله يدور في راسه،
وقلبه يقول شيء ثاني وكان واضح
إن الصلح هذا بس بداية
والمواجهة الجاية أقرب مما يتوقعون.
في مساء نفس اليوم،
كان عبدالله واقف قدّام بيت أبو سعود.
بيت كبير، صامت، يوحي بالقوة والمال.
دخل المجلس بعد الترحيب قهوة، تمر، وكلام عام لكن عبدالله ما جا يسلّي.
رفع فنجاله، ثم حطه بهدوء:
عبدالله:
"يا بو سعود! أنا جيتك في موضوع خاص وأبي صدرك يتسع لي."
ناظر أبو سعود له نظرة فاحصة،
ابتسامة خفيفة ما توصل عيونه:
"تفضل يا ولدي اللي عندك قوله."
تنفّس عبدالله بعمق:
"موضوع عنود بنت أبو عنود.
الزواج."
سكت المجلس لحظة عدل أبو سعود جلسته وحرك مسبحته ببطء:
"وش فيه الزواج؟"
عبدالله:
"أبوها وافق بس البنت مب راضية."
ابتسم أبو سعود ابتسامة جانبية:
"كثير بنات ما يرضن بالبداية.
الوقت يغيّر كل شي."
عبدالله: بحذر
"يا بو سعود. الفرق بينك وبينها كبير،
والبنت قلبها مع غيرك."
ارتفعت حاجب أبو سعود شوي:
"القلب ما يطعِم عيش "
سكت لحظة، ثم قال بثقة:
أبو سعود:
"أنا ما جيت أخطفها جيت من باب بيتها وبموافقة أبوها."
عبدالله:
"بس يمكن تتأذى والزواج هذا بيكون غصب."
ضحك أبو سعود ضحكة خفيفة:
"الغصب أنا بعطيها اسم. ستر
وحياة ما حلمت فيها."
اقترب عبدالله بالكلام:
"بس الحب؟"
سكت أبو سعود ثم قال بصوت أوطى أخطر:
"الحب. أنا أحبها."
انصدم عبدالله:
"تحبها؟"
أبو سعود:
"إيه من يوم شفتها هادية، محترمة،
وتصلح تكون زوجة."
عبدالله: بحزم
"لكنها أصغر منك بعمر أولادك."
تغيرت نبرة أبو سعود:
"العمر ما يمنع الرغبة بالحلال."
سكت لحظة، ثم أكمل:
"وأزيدك من الشعر بيت كل شي تم.
المهر، والاتفاق والكلمة عند أبوها."
وقف عبدالله، عرف إن الكلام خلص.
"يعني ما فيه رجعة؟"
ناظر أبو سعود له بثبات:
"خلاص واللي يحاول يوقف هالزواج
بيوقف قدّام نار."
طلع عبدالله من البيت،
وقلبه ثقيل. كان يعرف إن السالفة كبرت وإن عزام لو عرف إن أبو سعود “يحب” عنود. الانفجار جاي.
والأخطر إن أبو سعود مقتنع،
والقناعة هذي ما تنكسر بسهولة.
كان الليل متأخر،
والديرة ساكنة إلا من صوت الريح.
رجع عبدالله للدكان. نور واحد شغال،
وعزام جالس على الأرض، ظهره للجدار،
يناظر جواله بدون ما يشوفه.
وقف عبدالله عند الباب،
ما قدر يدخل مباشرة.
عبدالله: بصوت واطي
"عزام"
رفع عزام عيونه عرف من نبرة صوته إن الخبر ثقيل.
عزام:
"تكلم."
دخل عبدالله، وسكّر الباب وراه.
جلس قباله، سحب نفس طويل:
عبدالله:
"كلمت أبو سعود."
ما تغيّر وجه عزام بس عيونه شدّت.
"وش قال؟"
سكت عبدالله ثانيتين…
كأنّه يدور على كلمات أقل قسوة.
عبدالله:
"قال إنه مقتنع والزواج تم."
هالمرّة تغيّر وجه عزام رجفته خفيفة مرت في يده.
"بس؟"
عبدالله:
"وقال شي ثاني."
رفع عزام راسه ببطء:
"وش؟"
عبدالله: بصوت مكسور
"قال إنه يحبها."
سكت المكان. عزام ما تكلم.
ولا صرخ ولا سب قام بهدوء،
مشى خطوتين ثم ضرب بيده على الطاولة.
عزام: بصوت مخنوق
"يحبها؟"
لف على عبدالله، عيونه تحرق:
عزام:
"وش يعرف عنود عشان يقول يحبها؟
وش يعرف عن خوفها؟ عن ضحكتها؟ عن صمتها؟"
عبدالله:
"قلت له نفس الكلام."
ضحك عزام ضحكة موجوعة:
"وأكيد ما سمع."
عبدالله:
"ما سمع."
جلس عزام مرة ثانية مسح وجهه بيده.
عزام:
"يعني خلاص؟"
عبدالله:
"من ناحيته إيه."
سكت عزام طويلًا طول الصمت كان أثقل من الكلام.
عزام: بصوت واطي
"أنا وعدتها إني ما أتركها."
نظر له عبدالله بعينين مليانة قلق:
"الوعد أحيانًا يكون إنك تنقذها حتى لو خسرت نفسك."
رفع عزام راسه فجأة:
"لا الخسارة الحقيقية إني أعيش وأنا أدري إني سكت على ظلمها."
وقف عزام. لبس شماغه بسرعة.
عبدالله: بفزع
"وين رايح؟"
عزام:
"أوقف قدّام أبوها."
عبدالله:
"عزام، لا هالطريق خطر."
عزام:
"الخطر إني أستنى."
قرب عبدالله منه، مسكه من ذراعه:
"ترى ممكن تنكسر أنت وهي"
نزَع عزام يده بهدوء، صوته ثابت:
"أنا من زمان مكسور."
فتح باب الدكان وطلع وقف عبدالله لحاله يحس إن اللي جاي مو مجرد مواجهة شي أكبر وأقسى ويمكن
ما له رجعة.
كانت الساعة قريبة من العشاء،
وأبو عنود جالس في الحوش،
قدّامه فنجال قهوة ما لمسَه انفتح باب البيت بقوة. دخل عزام وقف عند العتبة، ما سلّم عيونه ثابته، صدره يعلو وينخفض.
رفع أبو عنود راسه باستغراب:
"خير وش اللي جابك لهنا؟"
تقدّم عزام خطوة:
"جيتك عشان عنود."
تغيّر وجه أبو عنود، شدّ جلسته:
"عنود بنتي وما لك شغل فيها."
عزام: بصوت ثابت لكنه محروق
"بنتك مب سلعة."
وقف أبو عنود فجأة:
"انتبه لكلامك يا ولد."
عزام:
"أنا منتبه وأدري وش أقول."
قرب أكثر، صوته ارتفع شوي:
"تزوّجها غصب لواحد بعمر أبوها؟
هذا ترضاه؟"
ضحك أبو عنود ضحكة قصيرة، مرة:
"أرضى اللي يحفظها ويسترها.
مب واحد ما يملك إلا كلام وحب."
عزام:
"الحب مو عيب."
أبو عنود:
"العيب الفقر."
سكت عزام لحظة. ثم قال بصوت أقسى:
"ولا العيب الديون. ولا العيب إنك تبيع بنتك عشان تطلع منها؟"
تغيّر وجه أبو عنود بالكامل،
رفع يده بعصبية:
"اسكُت!"
عزام (بصرخة مكبوتة):
"ما أسكت عنود تبكي. وانت تحسبها ورقة توقّعها وتمشي."
أبو عنود:
"أنا أبوها. وأعرف مصلحتها أكثر منك."
عزام:
"مصلحتها مع شخص تحبه،
مو مع شخص “قال” يحبها."
اقترب أبو عنود خطوة،
عيونه نار:
"انت كنت مرفوض. ولا نسيت؟"
عزام: بمرارة
"ما نسيت بس كنت أحسب الرفض كرامة. مو حكم بالإعدام عليها."
صمت ثقيل نزل بينهم.
ثم قال أبو عنود بصوت أوطى، أخطر:
"الزواج تم. وإذا سمعتك قربت منها
ولا حاولت تخرب ترى ما أرحم."
تنفّس عزام بعمق. صوته هادئ بشكل يخوّف:
"وأنا أقول لك. لو دمعة وحدة نزلت من عيونها بسببي ولا بسببك ما راح أسكت."
أبو عنود: بسخرية
"وش بتسوي تخطفها؟"
عزام:
"لا. بس بوقف قدّام الظلم ولو لحالي."
لفّ أبو عنود وجهه، بإشارة إنهى الكلام:
"اطلع برا بيتي."
وقف عزام عند الباب التفت آخر مرة:
'عنود مو ضعيفة. وإذا سكتت اليوم
ترى بكرة بتصرخ."
طلع عزام وأبو عنود جلس مكانه،
قلبه يدق بقوة لأول مرة…
يحس إن قراره. يمكن يكون أكبر من قدرته على تحمّله
كان الغضب ساكت لكنه يحرق.
أم عنود وقفت مكانها ثواني،
تسمع بكاء عنود من الغرفة كل نحيب كان يطعن قلبها وطلعت وراه لقته جالس في الحوش..
راسِه بين يديه، ونَفَسِه ثقيل.
وقفت قدامه، وصوتها ثابت بس عيونها مليانة دموع:
أم عنود:
"وش اللي سويتَه يا رجل؟"
رفع راسه ببطء، ما قدر يناظرها:
أبو عنود:
"اللي لازم أسويه."
اقتربت خطوة، وصوتها بدأ يرتجف:
أم عنود:
"تبيع بنتك عشان فلوس عنود مب سلعة عنود روح."
شدّ على أسنانه، حاول يطلع قوي:
أبو عنود:
"لا ترفعين صوتك. ما تعرفين وش أنا فيه."
أم عنود:
"أعرف بس أعرف بعد إن اللي قاعد تسويه بيكسرها تزوجها واحد أكبر منها بعمر أبوها؟"
ابو عنود رفع صوته لأول مرة:
"وش البديل. الديون تاكلني، والدكان احترق، والناس تبي حقها. أبي أطلع من هالمصيبة بأي طريقة."
ام عنود دموعها نزلت، لكنها ما سكتت:
"ولو كان الثمن بنتك. عنود اللي ما رفعت راسك إلا هي. عنود اللي قلبها أبيض، واللي ما قصّرت معك يوم؟"
سكت. السكوت كان اعتراف.
اقتربت أكثر، وصوتها صار أهدى أخطر:
أم عنود:
"تدري وش أكثر شي يوجع؟
إنك رفضته أول قلت فارق العمر كبير، وعيب واليوم ترجع توافق، مو عشان عنود عشان حاجتك."
ابو عنود رفع راسه بعينين حمرا:
"لا تحسبيني ما أتألم. أنا أول واحد يتوجع."
أم عنود:
"لو تتوجع فعلًا. كان ما كسرت بنتك بهالشكل."
وقفت لحظة، ثم قالت كلمتها الأخيرة، بصوت خافت لكنه حاد:
أم عنود:
"عنود لو تزوجت غصب ترى ما راح تسامحك والجرح هذا ما يندمل."
سكتت، ولفّت راجعة للبيت.
تركته لحاله بين نار الديون،
ونار ذنب ما راح يطفى. ومن داخل الغرفة. كان بكاء عنود يطلع خفيف
كأنه آخر شي باقي منها.
ـــــــــــــــــــــــــــالنهايةـــــــــــــــــــــــــــــــــــ