الفصل الثامن
«أتخيّل يومٍ يجمعني فيك،
وأرى في خيالي أعمارًا تمشي معنا،
ضحكات، وأيام، وطمأنينة تشبهك...
وأدعو الله سرًّا أن لا يبقى الحلم حلمًا،
بل يصير واقعًا نعيشه معًا.»
ــــــــــــــــــــــــــالبدايةــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ابتسمت ام عنود بخجل وابتعاد قليل:
"تقصدني أنا؟"
الأب، بدون أي تردد، نعم... كل عينيه عليها، وكان واضح إعجابه الكبير.
وبينما البنات يراقبونه، حسوا لأول مرة حب الأب لأمهم بطريقة ما شافوها قبل...
سكتت الغرفة لحظة.
البنات الثلاث كانوا يناظرون بعض
ثم يرجعون يناظرون أبوهم وأمهم.
الدهشة مرسومة على وجيههم.
طرفه قرّبت من عنود وهمست:
طرفه:
"هو أنا أحلم ولا وش؟"
عضّت عنود شفتها وهي تبتسم:
"لا شكله واقع."
رفعت هنوف حاجبها، وناظرت أبوها
"يبّه من متى وأنت تقول كذا؟"
تنحنح أبو عنود، وكأنه انتبه على نفسه، وقال بنبرة جادة يخبي فيها ارتباكه:
أبو عنود:
"وش؟ ما قلت شي غلط."
ضحكت طرفه:
"لا والله، بس غريب نشوفك كذا."
الأم كانت واقفة، مكسورة بخجلها، تحاول تعدّل فستانها وتهرب بنظرها.
عنود ابتسمت، حسّت بدفء غريب بقلبها.
عنود:
"يمّه والله طالعة تهبل، وما هو عيب يبّه يقولها."
رمقها أبوها بنظرة خفيفة:
"بس خلاص لا تكبرون الموضوع."
لكن البنات ما سكتوا.
هنوف بضحكة:
"يعني الحين ننتظر تقول لها كل شوي؟"
أبو عنود:
"انقلعي روحي جهزي نفسك."
ضحكوا كلهم، حتى الأم ضحكت غصب عنها، وكسرت اللحظة اللي كانت متوترة.
طرفه:
"بس صراحة حلو نشوفكم كذا."
سكت أبو عنود، بس ابتسامته ما راحت.
والأم رفعت رأسها، نظرت له بنظرة مختلفة نظرة فيها امتنان قديم.
عنود كانت تراقبهم، وحست إن هاللحظة الصغيرة
يمكن ما تغيّر الماضي
بس تقدر تداوي شي منه.
ركبوا السيارة بعد ما خلصوا تجهيزهم.
أبو عنود قدّام يسوق، وأم عنود جنبه، والبنات بالخلف، فساتينهم تلمع مع كل حركة.
الطريق كان طويل شوي، يمر بين بيوت الديرة القديمة، وأنوار الشوارع الصفراء تعكس على الزجاج.
صوت المحرك هادي، ومعه صوت الأناشيد الخفيفة اللي شغّلها أبو عنود.
هنوف كانت تعدّل فستانها بين شوي وشوي:
هنوف:
"يمّه أحس فستاني مو مريح ولا أنا متوترة؟"
ضحكت طرفه:
"لا متوترة أول ما نوصل بتنسين كل شي."
عنود كانت ساكتة، تطالع الطريق من الشباك قلبها يدق أسرع من العادة.
العرس والناس ويمكن عزام.
لاحظت أم عنود سكوتها:
"وش فيك ساكته يا عنود؟"
عنود ابتسمت بخفة:
"ولا شي يمّه بس أفكر."
رمقها أبو عنود من المراية: أ
"فكرك لا يودّيك بعيد، فرحي الليلة."
عنود هزّت رأسها:
"إن شاء الله."
مرّوا على بنات الديرة واقفين عند البيوت، يلوّحون، وبعضهم يبتسم، وبعضهم يعلّق: "ما شاء الله بنات
"أبو عنود وش هالفساتين"
همست طرفه:
" شكلنا لافتين نظر اليوم."
ضحكت هنوف:
"طبيعي مو كل يوم نطلع كذا."
وصلوا قريب من مكان العرس.
الأضواء صارت أقوى، أصوات الطبول والزغاريد بدت توصل.
قلب عنود انقبض شوي إحساس ما بين فرح وخوف.
نزلوا من السيارة، ومع أول خطوة داخل المكان تغيّر الجو تمامًا.
الأنوار كانت قوية، ملوّنة، تلمع على الجدران، وأصوات الطبول والزغاريد تسبقهم قبل لا يدخلون الصالة.
مسكت أم عنود عباءتها وعدّلتها
أم عنود:
"يلا يا بنات الله يتمم بالخير."
دخلوا صالة النساء.
الزينة معلّقة من السقف، الكراسي مصطفّة، والورد يفوح ريحه في المكان.
النساء متجمّعات، ضحك، همس، وتعليقات ما توقف.
أول ما شافوهم، بدت النظرات.
"ما شاء الله..."
"بنات أبو عنود اليوم غير..."
"وش هالجمال؟"
همست طرفه وهي تمشي:
"حسّيت نفسي داخلة مسرح."
ضحكت هنوف:
"اسكتي العيون علينا."
عنود كانت تمشي بهدوء، تحاول ما تبين توترها، لكن قلبها يدق بقوة.
كل خطوة تحسها محسوبة.
جلست أم عنود في الصف الأول مع الحريم الكبار، والبنات جنبها.
ما مرّت دقايق إلا وارتفع صوت الزغاريد فجأة بدأت الزفّة.
دخلت النساء صف ورا صف، يصفقون، يهزون أكتافهم مع الإيقاع.
العروس ما بعد دخلت، بس الحماس مليان المكان.
قامت بعض القريبات يرقصن، والفرح كان صادق، بسيط، من القلب.
النساء يصفقون، ويعلّقون:
"الله يتمم لهم"
"الله يسعدهم"
شدّت هنوف يد عنود:
"قومي لا تقعدين كذا."
عنود: بتردد
"لا خليني"
ضحكت طرفه وسحبتها:
"يلا بس شوي."
قامت عنود معهم، وقفت على الطرف، تصفّق بخجل.
الإضاءة انعكست على فستانها، وخلاها تلمع بهدوء.
من بعيد، كانت تحس بنظرات
ما تعرف من وين بس قلبها حسّ.
جلست فجأة، تحاول تهدّي نفسها.
لاحظت ام عنود:
"وش فيك ياعنود"
عنود:
"ولا شي بس الزحمة."
لكنها كانت تعرف
الإحساس هذا ما يجي من زحمة.
زغردت وحدة بقوة، وارتفع الصوت:
"جت العرووس!"
انطفأت بعض الأنوار، وخفّ الصوت شوي.
العيون كلّها اتجهت للباب الكبير.
دقّ الطبل تغيّر
صار أبطأ... أعمق... كأنه يهيّئ القلوب.
"جت العرووس..."
طلع الصوت من آخر الصالة، ومعه ارتفعت الزغاريد انفتح الباب بهدوء.
دخلت العروس، تمشي بخطوات محسوبة، محاطة بقريباتها.
فستانها أبيض، مطرّز بدقة، يلمع تحت الإضاءة، وطرحتها تنسدل بنعومة.
وجهها هادي، ابتسامتها خجولة، لكنها واضحة.
سكت المكان لحظة
ثم رجع الصوت أعلى.
هنوف شهقت بدون ما تحس:
"ما شاء الله تجنن."
طرفه كانت تبتسم:
"واضح إنها طيبة."
عنود كانت ساكتة نظرتها ثابته على العروس، مو إعجاب بس شي أعمق.
العروس تمشي، وكل خطوة تقرّبها من الكوشة.
الورد يتناثر قدّامها، والنساء يصفقون
هزّت عنود رأسها، بس قلبها تحرّك.
مو لأن العروس حلوة
لكن لأن المشهد ذكّرها بأحلام كانت تحاول تنساها
همست هنوف:
"تتخيّلين نفسك مكانها؟"
التفتت لها عنود بسرعة:
"هنوف"
ابتسمت هنوف بخفة:
"بس أسأل."
طرفه ناظرتهم:
"كل وحدة يجي يومها."
لكن عنود ما ردّت.
عيونها رجعت للعروس اللي جلست على الكوشة، والأنوار صارت أقوى عليها.
في هاللحظة، حسّت عنود بنظرة
نظرة مو من النساء قلبها دقّ بقوة.
ما شافته لكنها حسّت فيه.
العروس رفعت يدها تلوّح، والزغاريد علت الفرح كان طاغي...
لكن داخل عنود، كان فيه سؤال واحد:
هل بيجي يوم أكون أنا؟
والجواب
كان معلق، مثل قلبها.
بعد ما استقرت العروس على الكوشة، خفّت الأصوات شوي، وصارت الصالة تموج بالهمسات.
كل وحدة عندها تعليق وكل عين تراقب.
قربت البنات من بعض، وجلسن بزاوية أبعد عن الزحمة.
طرفه مالت على عنود وهمست:
طرفه:
"تدرين؟ واضح إن العريس محظوظ."
ابتسمت عنود بخفة:
"الله يتمم لهم على خير."
هنوف كانت تراقب العروس من بعيد، بنظرة طويلة:
هنوف:
"لاحظتوا مو بس فستانها حتى وقفتها هادية."
طرفه:
"إي، مو متصنّعة."
هنا تدخلت وحدة من القريبات، جلست قريب منهم:
القريبة:
"العروس هذي بنت ناس، هادية، وأمها مربّينها زين."
هزّت أم عنود رأسها: أم عنود:
"الله يبارك فيها، واضح تربيتها."
رجعت الهمسات بين البنات.
هنوف:
"تتوقعين كيف حياتها بتكون بعد اليوم؟"
طرفه:
"بداية جديدة بس مب سهلة."
سكتت عنود شوي، ثم قالت بصوت واطي:
"كل شي له ثمن."
ناظرتها هنوف:
"وش قصدك؟"
ابتسمت عنود ابتسامة صغيرة:
"ولا شي بس أفكر."
مرّت مجموعة من الحريم قدامهم: "شفتي نظرة العريس؟"
"واضح يحبها."
"الله يهنيهم."
شدّت هنوف على يد عنود:
هنوف:
"غريبة لما أشوف العروس، أحس فرحها يوجع شوي."
ناظرتها عنود باستغراب:
"ليه؟"
هنوف:
"ما أدري يمكن لأني أحس إن فيه شي ناقص دايم."
سكتت عنود، قلبها انقبض، لكنها غيرت الموضوع:
عنود:
"قومي، خلينا نبارك لها."
قامت البنات، مشوا بهدوء وسط الصالة.
العروس كانت تبتسم لكل وحدة تمر، لكن عيونها متعبة شوي من كثر التبريكات.
وقفت عنود قدامها، ابتسمت:
عنود:
"مبروك الله يسعدك."
العروس:
"الله يبارك فيك."
رجعت البنات لمكانهم، وكل وحدة منهم شايلة إحساس مختلف.
في الجهة الثانية من القاعة، كان قسم الرجال مختلف تمامًا.
صوت الطبول أخف، الأحاديث أهدى، لكن العيون تراقب كل شيء.
الرجال جالسين صفوف، كبار الديرة قدّام، والشباب على الأطراف.
قهوتهم تدور، والحديث ما بين تهنئة وسوالف عن الزمن والرزق
دخل عبدالله، العريس، بوجهه المبتسم، محاط بإخوانه وربعِه.
قاموا له، صافحوه، وكل واحد يقول: "الله يبارك لك"
"الله يتمم عليكم"
بين الجالسين كان عزام.
جالس بهدوء، لابس ثوبه الأبيض، شماغه مرتب، لكن ذهنه مو حاضر.
من وقت ما دخل، وهو يحس إن شي تغيّر.
صوت الزغاريد اللي توصل خافت من جهة النساء كان يجيه مثل صدى بعيد.
كل زغرودة تحرّك شي داخله.
مال واحد من الشباب عليه:
الشاب:
"وش فيك ساكت الليلة؟"
هز عزام كتفه:
"ولا شي بس أراقب."
رفع عبدالله صوته وهو يضحك:
عبدالله:
"عزام! تعال، ليه متأخر؟"
وقف عزام، صافحه، وربت على كتفه:
عزام:
"مبروك يا أبو رياض الله يسعدك."
ابتسم عبدالله:
"تسلم عقبالك."
لكن الكلمة وقفت في صدر عزام.
رجع لمكانه، وجلس.
رفع نظره، وكأن إحساسه يجرّه لجهة النساء، رغم إن الحواجز بينهم واضحة.
في نفس اللحظة، واحد من الرجال قال:
رجل كبير:
"بنات أبو عنود حضروا؟"
رد الثاني:
"إيه وصلوا بدري."
سكت عزام فجأة.
اسمه دخل بدون استئذان لقلبه.
مرّ واحد من الشباب:
الشاب:
"شفتهن وهن داخلات ما شاء الله."
ما علّق عزام.
بس يده شدّت على الفنجال أكثر من اللازم في داخل صدره، كان فيه صراع:
فرح الناس والليلة
وإحساسه اللي ما لقى له مكان.
بين فترة وفترة، يطلع صوت الطبل أعلى، كأن الفرح يزيد.
لكن عند عزام، الصوت كان يضغط.
ناظر الساعة، ثم ناظر الباب، وكأنه ينتظر شي ما يعرفه.
وفي نفس الوقت
عنود في قسم النساء، كانت تحس بثقل غريب.
كأن المكانين، رغم البعد، بينهم خيط مشدود. والليلة...
ما كانت عرس عبدالله وبس.
كانت بداية مواجهة مشاعر...
ما عاد تقدر تهرب.
ــــــــــــــــــــــــــالنهايةــــــــــــــــــــــــــــــــــــ