عتاب روح - نسيجُ الهدوء - بقلم علا روحي | روايتك

اسم الرواية: عتاب روح
المؤلف / الكاتب: علا روحي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: نسيجُ الهدوء

نسيجُ الهدوء

ومرت الأيام كنسيمٍ خفيفٍ لا يُرى، لكنّه يُحس. صرنا نلتقي في منتصف الطريق، حرفيّاً ومجازيّاً. لم نعد نبحث عن نهاياتٍ سعيدةٍ ولا بداياتٍ مثيرة، بل عن توازنٍ هشٍّ وجميل، كالورقة التي تحملها الريح برفق دون أن تسقط. في إحدى الليالي، بينما كنّا نسير على الكورنيش، سألتني فجأةً: "هل تندم على شيء؟" فكرت قليلاً وقلت: "أندم أنني ظننتُ أن الحبّ يحتاج إلى صوتٍ عالٍ ليُسمع. كنتُ أصرخُ بأشعاري وعتابي، ولم أعلم أن أعمق المشاعر تُسمع في لحظات الصمت." قالت وهي تنظر إلى النجوم المنعكسة على الماء: "وأنا أندم أنني ظننتُ أن البُعد قادرٌ على محو الذكرى. كنتُ أعتقدُ أنني إذا ابتعدتُ كفايةً، سأنسى. ولم أعلم أن القلب يختزن التفاصيل في مكانٍ لا تصل إليه المسافات." أصبحنا نتفهّمُ اللغة التي لا تحتاج كلمات. إيماءةٌ بسيطة، نظرةٌ عابرة، ابتسامةٌ خفيفة عند تذكّر شيءٍ مشترك. صرنا نعرف متى يحتاجُ الآخر إلى مساحة، ومتى يحتاج إلى قرب. تعلمنا أن الحبّ الناضج ليس إشعال نارٍ متواصلة، بل إبقاء جمرةٍ دافئة تحت الرماد، تكفي لتدفئة الأيام العادية. وفي صباحٍ هادئ، بينما كنّا نعدّ الفطور معاً، سمعتُها تهمسُ لنفسها: "ما أغربَ القلب… يُعلّمنا كيف نُحبّ ثمّ كيف نُحبّ من جديد، بشكلٍ مختلف." فسألتها: "أيهما كان أجمل؟ الحبّ الأول أم الثاني؟" أجابت وهي توزّع الزيتون على الصحون: "الأول كان كالنورس يصرخ في العاصفة… جميلٌ ومثيرٌ للدهشة. والثاني… كشجرةٍ قديمة تظلّلُ المكان… لا تُلاحظها كلّ يوم، لكنّك تشعر بالأمان تحتها." الآن، ونحن نعيش أيامنا بلونٍ جديد من الرضا… أحياناً نعود إلى تلك الرسائل القديمة، نقرأها ونضحك. أحياناً نمرّ على الأماكن التي بكينا فيها، فلا نجد إلا السلام. العتابُ صار ذكرى نستذكرها بدون ألم. والشعرُ صار نصوصاً نقرأها كشهادةٍ على أننا كنّا هنا… أحببنا… تألمنا… ثمّ نبعنا من رمادنا، أكثر حكمةً، وأقلّ توقاً للمعجزات. وشعارنا الأخير ليس كلماتٍ ننقشها، بل إحساسٌ نحمله: "الحبّ الحقيقيّ ليس الذي يبقى كما هو… بل الذي يتجرّد من كلّ ما هو زائد… ويبقى الجوهرُ فقط: صدقٌ في العين، وراحةٌ في الصدر، وتفهّمٌ صامت لأنّ بعض القلوب… تتعرّف على بعضها حتّى بعد أن تنسى كيف تُحبّ --- وها قد وصلنا إلى شاطئ الهدوء. ليس نهايةً… بل مرفأً نتوقّف فيه، نصلح ما تبقّى من أشرعتنا، ونملأ زادنا من ذكرياتٍ صافية، ثمّ نمضي… لا كمن يبحث عن قصّةٍ جديدة، بل كمن وجدَ في الهدوء أجملَ حكايةٍ يمكن أن تُروى.