ريح تحمل، وقلب ينتظر
والباقي… نتركُه للرّيحِ تَحمِلُهُ."
---
ومضَتِ الأيامُ بعد ذلك اللقاء. لم نعد غرباء، لكنّنا لم نعد كما كنّا. كأنّنا التقينا في محطةٍ وسطى بين الماضي والحاضر، لا نستطيع العودة، ولا نعرف كيف نمضي.
كنتُ أتلقّى رسائلكِ بين الحين والآخر. قصائدَ ناقصة، كلماتٍ معلّقة، صوراً لأماكنَ كنّا نعرفها. كنتُ أردّ باختصار، خائفاً من أن تعودَ المياه إلى مجاريها القديمة، ثمّ تفيضُ من جديد.
في أحد الأيام، كتبتِ لي:
"ما زلتُ أحبُّ رائحة المطر، لأنّها تذكّرني باليوم الذي هربنا فيه من الشتاء إلى مقهى صغير، وكتبنا قصائدنا على مناديل ورقية."
فرددتُ: "وأنا ما زلتُ أخاف من صفير الغلاية، لأنّه يذكّرني بالصباح الذي غادرتِ فيه، وكانتْ غلايةُ القهوة تصفرُ في الخلفية، وكأنّها تودّع."
ثمّ صمتُّ، وصمتّ.
حتى جاءت ليلةٌ حاسمة.
اتصلتِ باكيةً: "أخبرني، لماذا كلّما حاولتُ نسيانك، أتذكّرك أكثر؟ لماذا صارَ وجهك هو كلّ شيءٍ جميلٍ في ذاكرتي؟"
قلتُ: "لأنّ الحبّ الحقيقيّ لا يغادر. قد يغيّر عنوانه، قد يختبئ في زاويةٍ من القلب، لكنّه يبقى هناك. مثل كتابٍ قديم، تظلّ تفاصيله تظهرُ بين سطور حياتك الجديدة."
قالتِ: "إذاً… ماذا نفعل الآن؟"
قلتُ:"ربما… نتعلم أن نحبّ من جديد، لكنْ بحكمةٍ هذه المرّة. أن نزرعُ حديقتنا بين ذكريات الماضي وآمال المستقبل، وأن نسقيها بالصبر، لا بالعتاب."
ومن يومها…
صرنا نكتبُ قصّتنا من جديد،
بأحرفٍ أكبر، وبمسافاتٍ أوسع.
صرنا نلتقي تحت شجرةٍ ظليلةٍ في حديقة المدينة،
نشرب الشاي، ونحكي عن يومنا،
ونضحك على أخطائنا القديمة
كما لو كنّا نشاهد فيلماً عن شخصين آخرين.
في أحد الجلسات، سألتُها:
"هل تذكرين 'الرواية' التي كنّا نكتبها؟"
قالت:"نعم… لكنّها اكتملت الآن."
قلتُ:"كيف اكتملت؟"
قالت:"لأنّ الفصل الأجمل فيها، هو الذي نعيشُه الآن…
بدون عتابٍ يجرح، وبدون شعرٍ يزيد الوهج.
ببساطة… قلبان تعلمّا أن يُحبّا بهدوء."
وشعارنا في هذا الفصل الجديد:
"لن ننسى ما كان… لكنّنا سنكتبُ ما سيكون
بمدادٍ من فهمٍ هادئ،
وعطرٍ من ذكرياتٍ جميلةٍ لا تؤلم."
ها نحن ذا…
نعبرُ معاً إلى الضفة الأخرى من الحبّ،
حاملةً في يدنا رسالةً إلى ماضينا تقول:
"شكراً… لأنّك جئتَ. وشكراً… لأنّك رحلتَ.
لأنّ مجيئكَ أعطاني أجمل الذكريات،
ورحيلك علّمني أجمل الدروس."
والريح؟
ما زالت تحملُ بعضَ العتاب، وبعضَ الشعر…
لكنّها الآن تحملُ أيضاً سلاماً جديداً،
ورجاءً قديماً في قلوبٍ تعلمتْ
أنّ الحبّ ليس نهايةً…
بل بدايةٌ تتجدّدُ كلّما أدركنا
أنّ بعض الوداع ليس نهاية الحكاية،
بل عنوانٌ لفصلٍ جديد…
أجمل.