الفصل الثاني عشر: حين اخترت نفسي
اختياري لنفسي لم يكن لحظة قوة،
كان لحظة تعب وصلتُ فيها إلى الحدّ الأخير.
ذلك الحدّ الذي لا تصرخ فيه،
ولا تبكي،
بل تصمت…
لأن كل شيء فيكِ أنهك.
لم أغادر فجأة،
ولا اتخذت قراراً حادّاً،
أنا فقط توقفت عن المحاولة.
توقفت عن المبادرة،
عن السؤال،
عن الانتظار الطويل لردود باردة
لا تحمل أي إحساس.
كنت أنا دائماً الأولى،
أبدأ الحديث،
أبحث عن حل،
أقدّم التنازل،
وأقنع نفسي بأن الصبر فضيلة
حتى صار الصبر استنزافاً.
رأيت الخيانة بأشكال مختلفة،
ليست دائماً شخصاً آخر،
أحياناً تكون إهمالاً متعمداً،
تجاهلاً واضحاً،
وأعذاراً كاذبة
تُقال لتسكيت الضمير لا أكثر.
الردود كانت جافة،
باردة،
كأن المشاعر عبء ثقيل،
وكأن حضوري سؤال غير مرغوب فيه.
كنت أشعر أنني أقترب أكثر،
وهو يبتعد أكثر،
وأنا أظل أبحث عن سبب
لا يريد قوله.
سامحت كثيراً،
على أشياء صغيرة
وأخرى كبيرة،
ليس لأنني نسيت،
بل لأنني كنت أظن
أن المسامحة ستجعلني أبقى،
أنها ستُلين قلباً
لم يكن قاسياً…
بل غير مهتم.
لم أطلب حباً خارقاً،
ولا تضحيات مستحيلة،
كل ما أردته
احتراماً،
تقديراً،
ووجوداً صادقاً
لا أحتاج فيه لأن أشرح نفسي
في كل مرة.
كان يختبئ خلف جملة واحدة:
«المجتمع لا يرحم، لا أقدر».
وكأن الحب عذر،
وكأن العجز بطولة،
وكأن خوفي وألمي
أقل أهمية من خوفه.
في تلك اللحظة،
بدأت أفهم شيئاً مؤلماً:
من لا يحارب لأجلك
قد لا يكون عاجزاً…
بل غير راغب.
اخترت نفسي،
لا لأنني شُفيت،
بل لأنني تعبت من خيانة صبري،
ومن تجاهل وجعي،
ومن تبرير ما لا يُبرَّر.
لكن حتى بعد هذا الاختيار،
لم أشعر بالسلام.
الفراغ كان حاضراً،
والحنين كان يعود فجأة،
والأسئلة لم تتوقف.
هل كان يجب أن أنتظر أكثر؟
هل كنت قاسية؟
هل أخطأت حين توقفت؟
ثم أتذكر كم مرة
بكيت وحدي،
وكم مرة شعرت أنني زائدة،
وكم مرة كنت أحتاج
لمن يقول: «أنا هنا»
ولم يقلها أحد.
اختياري لنفسي
لم يكن نهاية شيء،
بل بداية صراع جديد،
صراع بين قلبٍ ما زال يشعر،
وعقلٍ تعب من الخذلان.
وما زلت هنا…
داخل هذا الفصل،
لم أخرج بعد،
ولم أقرر النهاية
بعد الاختيار،
لم أستيقظ شخصاً جديداً،
استيقظت بنفس القلب المتعب
لكن بوعي أثقل.
كنت أراقب نفسي من بعيد،
أتعجب كيف استطعت أن أقدّم كل هذا
لشخص لم يطلبه،
ولم يحافظ عليه.
لم أكره،
ولم أغضب كما توقعت،
كل ما شعرت به
كان خيبة صامتة،
تلك الخيبة التي لا تصرخ
لأنها استُهلكت من كثرة الشرح.
كنت أبحث في التفاصيل الصغيرة
عن دليل واحد
يقول إنني لم أكن وهماً،
أن مشاعري لم تكن من طرف واحد،
لكن كل الذكريات
كانت تؤكد شيئاً واحداً:
أنا كنت وحدي.
أدركت أن الحب
حين يكون بلا اهتمام
يتحوّل إلى عبء،
وحين يكون بلا احترام
يتحوّل إلى إهانة بطيئة.
كنت أسامح ليس لأن الخطأ بسيط،
بل لأنني كنت أخاف الفقد،
أخاف أن أبدأ من جديد،
أخاف أن أكون أنا الخاسرة
في قصة أعطيتُها كل شيء.
لكنني خسرت على أي حال،
خسرت وقتي،
طاقتي،
وثقتي في إحساسي.
لم أطلب المستحيل،
كنت فقط أريد أن أكون أولوية
ولو مرة واحدة،
أن أشعر أن وجودي يُفرِق،
أن غيابي يُلاحَظ.
لم يحارب،
لم يُواجه،
لم يضحِّ،
واختار السلامة
حتى لو كانت على حسابي.
وفي كل مرة كان يبتعد،
كنت أنا أقترب أكثر،
أمدّ يدي
وأقنع نفسي بأن الحب
يعني الصبر.
حتى فهمت متأخرة
أن الصبر بلا مقابل
ليس حباً،
بل استنزاف.
اليوم، ما زلت أشتاق أحياناً،
لا له،
بل للنسخة التي تخيلتها منه،
للأمان الذي وعدتُ به نفسي
ولم أجده.
اخترت نفسي،
لكنني لم أتعافَ بعد،
وما زلت أتعلم كيف أعيش
دون أن أعتذر
عن مشاعري.
هذا الفصل لم يُغلق،
لأن بعض القرارات
لا تُغلق باباً،
بل تفتح وجعاً جديداً
نحتاج وقتاً
لنفهمه
أحياناً،
أشعر بالذنب لأنني اخترت نفسي،
كأنني ارتكبت خيانة
في حق قلبي الذي تعلّق
رغم كل شيء.
كنت ألوم نفسي على أشياء
لم تكن يوماً بيدي:
بروده،
تجاهله،
عجزه عن المواجهة،
وصمته الذي كان أقسى
من أي كلمة.
كنت أراجع الرسائل القديمة،
لا لأشتاق،
بل لأفهم،
لأبحث عن اللحظة
التي بدأ فيها الغياب
وهو ما زال موجوداً.
كان الغياب تدريجياً،
نقص في السؤال،
فتور في الاهتمام،
وتحوّل الإحساس
إلى عادة باردة.
أدركت أن أقسى أنواع الخذلان
أن تُعامَل كخيار ثانوي
وأنت تعطي نفسك كاملة،
أن تُبرَّر قسوة الآخر
باسم الظروف
بينما وجعك بلا اسم.
كنت أختلق الأعذار له،
أقنع نفسي أن الصمت حكمة،
وأن البرود تعب،
وأن عدم السؤال
لا يعني عدم الحب.
لكن الحقيقة كانت أبسط وأقسى:
من يهتم،
يظهر.
اخترت نفسي
حين تعبت من انتظار شيء
لن يأتي،
ومن تصديق وعود
لم تُقَل أصلاً.
ورغم ذلك،
ما زال في قلبي ارتباك،
ما زلت أسأل:
لو قاتلتُ أكثر،
هل كان سيتغير شيء؟
ثم أتذكر…
أنني قاتلت وحدي،
والحروب الفردية
خاسرة دائماً.
أنا الآن في منطقة رمادية،
لا أنا بخير،
ولا أنا كما كنت،
أتعلم فقط
كيف أعيش دون توقّع،
ودون أن أُعطي أكثر
مما أُؤخَذ.
هذا الفصل ما زال مفتوحاً،
لأن الألم لا ينتهي بقرار،
ولأن بعض الاختيارات
تحتاج وقتاً
لتصبح خفيفة.
وما زلت هنا…
أحاول أن أصدق
أن اختيار نفسي
لم يكن خسارة،
بل بداية فهم
لم أصل إليه بعد.
في بعض الليالي،
لا يأتي الحزن على شكل بكاء،
بل على شكل ثِقَل في الصدر،
وعجز عن النوم،
وكأن الأفكار قررت
أن تحاسبني دفعة واحدة.
أسأل نفسي:
هل كنتُ كثيرة المشاعر؟
هل أخفتُه بحبي؟
هل كان يجب أن أكون أبرد
حتى أبقى؟
ثم أبتسم بمرارة،
كيف يمكن للإنسان
أن يعتذر
لأنه كان صادقاً؟
لم أندم على حبي،
أندم فقط
على المرات التي شككت فيها بنفسي
لأجل شخص
لم يشك لحظة
في بروده.
كنت أحتاج وجوده
في أبسط الأشياء،
في سؤال عابر،
في اهتمام صغير،
لكنه كان دائماً
يأتي متأخراً
أو لا يأتي.
تعلمت أن الغياب
ليس دائماً ابتعاداً جسدياً،
أحياناً يكون شخصاً
حاضراً
لكن قلبه في مكان آخر.
كنت أعيش على أمل
أن يتغير،
أن يشعر،
أن ينتبه،
والأمل حين يطول
يتحول إلى ألم نظيف
لا يُرى
لكن يوجع.
اخترت نفسي
حين بدأت أخسرها،
حين صرت أقل قيمة
في عينيّ
وأنا أحاول أن أكون أكثر
في عينيه.
ومع ذلك،
ما زال داخلي صوت صغير
يهمس:
«ربما كنتِ قاسية».
لكن صوتاً آخر،
أكثر هدوءاً
وأصدق،
يقول:
«كنتِ متعبة فقط».
هذا الفصل يشبهني الآن،
مفتوح،
متعب،
غير محسوم،
لكنه صادق.
أنا لا أبحث عن نهاية،
ولا عن شفاء سريع،
أنا فقط أتعلم
كيف أضع قلبي
في مكان لا يُهمل فيه.
وما زلت أكتب،
لأن الكتابة
الشيء الوحيد
الذي لم يخذلني.
صرت أخاف من الاعتياد،
الاعتياد على الغياب،
على البرود،
على أن لا يسأل أحد عني
فأجد ذلك طبيعياً.
كنت أقول لنفسي:
«لا بأس، هو هكذا»،
حتى نسيت أن لي حقاً
في الاهتمام،
في السؤال،
في أن أُعامَل كأولوية
لا كخيار مؤجل.
الغريب أنني لم أكن أطلب الكثير،
كنت أطلب القليل باستمرار،
والقليل حين يُرفض
يُشعرك أنك تطلب المستحيل.
بدأت أشعر أنني أُقلّل من نفسي
حتى أبقى،
أنني أطفئ صوتي
حتى لا أزعج،
أنني أختصر وجعي
حتى لا يبدو كبيراً.
وفي كل مرة كنت أسامح،
كنت أفقد جزءاً من احترامي لذاتي،
ليس لأن المسامحة خطأ،
بل لأنني كنت أسامح
من لا يرى الخطأ.
لم يكن هناك اعتراف،
ولا اعتذار حقيقي،
فقط تبريرات جاهزة
تُغلق الحديث
ولا تفتح الفهم.
كنت أحتاج أن يقول:
«أخطأت»،
لكن بعض الناس
يرفضون الاعتراف
لأنهم لا يرون وجعك أصلاً.
اخترت نفسي
حين تعبت من أن أكون قوية
في علاقة
لا تحتاج قوتي
بل صدقه.
الحنين ما زال يأتي،
ليس ليعيدني،
بل ليختبر قراري،
وفي كل مرة أحنّ
أتذكر كم مرة
بكيت بصمت
حتى لا أُثقل.
أنا لا أكره،
ولا أحمل حقداً،
أنا فقط متعبة من الحب
الذي يُشبه الوحدة.
هذا الفصل ما زال مستمراً،
لأنني ما زلت أتعلم
كيف أكون مع نفسي
دون أن أبحث عن أحد
ليُكملني
بدأت أفهم أن أكثر ما أرهقني
ليس ما حدث،
بل ما لم يحدث أبداً.
الاهتمام الذي انتظرته،
الكلمات التي لم تُقال،
والمواقف التي كنت أحتاجها
ولم تأتِ.
كنت أملأ الفراغ وحدي،
أفسّر الصمت،
أجمّل البرود،
وأقنع نفسي أن الغياب
مرحلة عابرة.
لكن بعض الغيابات
تكون تعريفاً حقيقياً للمكانة.
لم أشعر أنني خُنتُ أحداً
حين اخترت نفسي،
شعرت فقط
أنني توقفت عن خيانة ذاتي.
وهذا الإدراك
لم يأتِ فجأة،
جاء بعد تعب طويل
ومحاولات متكررة
لإنقاذ شيء
لم يكن يريد النجاة.
كنت أُحب بصدق،
والصدق في علاقة باردة
يشبه أن تُعطي نارك
لشخص لا يشعر بالبرد.
تحترق وحدك،
وهو لا ينتبه.
تعلمت أن بعض القلوب
لا تقسو،
هي فقط فارغة،
وأن الفراغ لا يُملأ
مهما قدّمت له.
اليوم، حين أسترجع كل شيء،
لا أشعر بالندم،
أشعر بالأسف
على نفسي القديمة،
التي ظنّت أن الحب
يعني الصبر بلا حدود.
هذا الفصل يشبه وقوفي الآن،
خطوة إلى الأمام
وأخرى إلى الداخل،
لا هروب،
ولا عودة.
ما زلت أتعلم
أن أكون كافية لنفسي،
حتى وإن كان الطريق
طويلاً
ومليئاً بالأسئلة.
والقصة ما زالت تُكتب،
لأن اختيار النفس
ليس سطراً أخيراً،
بل مساراً كاملاً
نكتشفه ببطء.