الفصل الثاني
الفصل الثاني: على سكة البداية
استيقظ البيت في المنصورة على غير عادته قبل شروق الشمس.
لم يكن هناك صوت منبه واحد، بل عدة منبهات، وضحكات متداخلة، وحقائب تُسحب على الأرض، وأصوات أمهات يرددن نفس الجملة:
— “ما تنساش الباسبور!”
كانت الشنط مصطفة في صالة البيت كأنها جنود مستعدة لمعركة طويلة.
وقف الحاج محمود يتفقد كل شيء بعين القائد:
جوازات السفر، التذاكر، الأوراق، وحتى الأدوية.
أمينة تمسك بدفتر صغير، تشطب بندًا بعد بند: — “هدوم الأطفال؟”
— “موجودة.”
— “الشواحن؟”
— “في الشنطة السودا.”
أما أحمد، فكان يراقب المشهد بابتسامة هادئة.
يوسف يدور حوله بحقيبته الصغيرة على ظهره، كأنه مسافر وحده للعالم.
— “بابا، القطار سريع؟”
— “سريع كفاية عشان يوصلنا للحلم.”
في زاوية أخرى، كانت سارة تحاول السيطرة على التوأم: — “ليلى، خلي بالك من شنطتك.”
— “آدم، سيب شنطة جدك!”
وخالد يضحك: — “واضح إن الرحلة بدأت قبل ما نطلع من البيت.”
كريم كان يقف بجوار نور، يتأكد من كل شيء للمرة العاشرة، بينما نور تلتقط صورًا للحقائب: — “لازم نوثق اللحظة… دي أول صورة في الرحلة.”
أما زياد، فكان صامتًا على غير عادته، سماعاته في أذنه، يشاهد فيديو عن طوكيو، وكأن روحه سبقتهم إلى هناك.
---
الوداع
عند باب البيت، توقف الجميع لحظة.
نظرة أخيرة، دعاء سريع، وابتسامة ممزوجة بالحنين.
قالت أمينة وهي تغلق الباب: — “يارب نرجع بالسلامة.”
تحركوا نحو محطة القطار، والسيارة محملة بالضحك والقلق والحماس.
---
القطار
صوت القطار في محطة المنصورة كان كالموسيقى، إعلانًا رسميًا بأن الرحلة بدأت فعلًا.
صعدوا واحدًا تلو الآخر، الحقائب أولًا، ثم الأطفال.
جلسوا متقابلين، النوافذ مفتوحة على عالم يتحرك ببطء.
ما إن تحرك القطار حتى التصق يوسف بالزجاج: — “إحنا مشينا!”
آدم يلوح بيده: — “باي باي المنصورة!”
ضحك الجميع، بينما أحمد شعر بشيء غريب في صدره…
إحساس بأن هذه السكة لا تقود فقط إلى رمسيس، بل إلى مرحلة جديدة من حياتهم.
الحقول بدأت تختفي، البيوت صارت أصغر، والوقت كأنه يتباطأ.
قال الحاج محمود بصوت هادئ: — “لسه المشوار طويل… وده بس أوله.”
والقطار يواصل سيره، يحمل عشرة أشخاص، وحلمًا واحدًا،
قبل أن تلوح في الأفق ملامح القاهرة.
نهايه الفصل الثاني