الفصل الخامس: الانهيار
مرّت أيام العزاء بطيئة، كأن الزمن تعمّد أن يُثقِل كل ساعة على صدر البيت. الوجوه تتبدّل، والكلمات تتكرّر، والبيت الذي امتلأ بالناس نهارًا كان يعود في الليل أكثر فراغًا مما كان عليه من قبل.
فاطمة لم تعد تتكلم كثيرًا. تجلس قرب النافذة، تحدّق في الشارع كما لو كانت تنتظر شيئًا تعرف في داخلها أنه لن يعود. الطعام يبرد على الموقد، والنظام الذي كان عبد الرحيم يحفظه في البيت اختفى دفعة واحدة.
أما ياسين، فكان يحاول أن يبدو قويًا، لكن القوة كانت فكرة أكثر منها حقيقة. في اليوم الثالث بعد الدفن، جاء صاحب البيت يطالب بالإيجار المتأخر، ثم جاء موظف من البنك يسأل عن القرض، ثم جاء آخر يسأل عن المعدات التي كانت باسم عبد الرحيم.
سقط كل شيء معًا.
جلس ياسين مع أمه في المساء، قال بصوت حاول أن يجعله ثابتًا:
"سأعمل… أي عمل."
نظرت إليه طويلًا، ثم قالت بهدوء متعب:
"كان أبوك يقول دائمًا: من يسقط اليوم، لا يعني أنه سيبقى ساقطًا."
كانت هذه طريقتها في النصيحة: لا أوامر، ولا لوم، فقط جملة تتركها في الطريق.
في الأسبوع نفسه، اضطر ياسين إلى ترك المدرسة. لم يكن القرار دراميًا، بل عمليًا وقاسيًا. ذهب إلى السوق، حمل الصناديق، اشتغل في ورش صغيرة، وعاد كل مساء متعبًا ويداه متسختان بالزيت والغبار.
لم يأتِ الفقر فجأة، بل دخل البيت خطوة خطوة، ثم جلس، ولم يعد يرحل.
وفي أحد الأيام، التقى حمزة وسعيد عند دكان صغير في الحي. كانا قد تركا الدراسة منذ زمن، ويعرفان طرقًا كثيرة للعيش، بعضها مستقيم وبعضها محفوف بالمخاطر.
قال حمزة وهو يناوله خبزًا ساخنًا:
"لسنا بعيدين عنك، مهما حدث."
وكان ذلك كافيًا ليشعر ياسين أنه لم يسقط وحده.
صار يقضي وقتًا أطول معهما. يعملون نهارًا في أعمال متفرقة، ويجلسون ليلًا على سطح أحد البيوت، يتحدثون عن أحلام بسيطة: متجر صغير، دراجة نارية، حياة لا يلاحقهم فيها الخوف كل صباح.
لكن الخوف كان حاضرًا دائمًا.
وفي إحدى الليالي، سمع ياسين أمه تبكي في غرفتها. لم يدخل عليها، ولم يشكُ، لكن بكاءها كان أوضح من أي كلام. في تلك اللحظة، شعر بثقل لم يعرفه من قبل: لم يعد ابنًا فقط… بل صار مسؤولًا.
هناك، في ذلك الليل، تشكّل داخله وعد صامت:
لن يبقى هنا طويلًا.
ولن يسمح للفقر أن يكون نهاية الحكاية.
لكنه لم يكن يعلم بعد أن الطريق الذي سيسلكه
سيعيده أولًا إلى السقوط،
قبل أن يقوده إلى الصعود.