نهر بلا دماء - الفصل الرابع: الغدر - بقلم أشرف مغليفي | روايتك

اسم الرواية: نهر بلا دماء
المؤلف / الكاتب: أشرف مغليفي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الرابع: الغدر

الفصل الرابع: الغدر

لم يعد الكلام مفهومًا. الأصوات تداخلت، والهواء في الغرفة أصبح ثقيلًا كأنه يضغط على الصدر. ياسين كان واقفًا قرب الحائط، ذراعه ما تزال مشدودة بيد أحد الرجال، وعيناه معلقتان بعبد الرحيم الذي وقف في منتصف الغرفة، وحده، في مواجهة وجوه فقدت كل ودّها. رشيد كان الأقرب إليه. وجهه لم يعد يخفي شيئًا، لا ابتسامة ولا تمثيل. قال بنبرة حادة: "الأمور لا تُدار هكذا يا سيد عبد الرحيم. إما توقّع، أو تتحمّل العواقب." نظر عبد الرحيم إليه نظرة طويلة، نظرة رجل فهم متأخرًا أنه لم يدخل صفقة، بل فخًا. قال بهدوء غريب، كأن الصوت خرج من عمق سنوات التعب: "العواقب أهون من أن أبيع نفسي." تقدّم خطوة إلى الخلف، وكأنه يستعد للمغادرة. في تلك اللحظة، تغيّر كل شيء بسرعة لم يستطع العقل ملاحقتها. دفعه رشيد بقوة، ليس ليسقط، بل ليكسره. تعثّر عبد الرحيم، حاول أن يتماسك، لكن حافة المكتب كانت أقرب مما توقع. الصوت كان مكتومًا… ارتطام قاسٍ، ثم صمت. سقط عبد الرحيم على الأرض، جسده ساكن، وعيناه مفتوحتان على اتساعهما. لم يكن هناك صراخ في البداية، فقط لحظة فراغ، كأن الزمن توقف لثانية واحدة، ثم انفجر كل شيء. صرخ ياسين. لم يكن صراخ كلمات، بل صوت خرج من مكان لم يعرفه في نفسه من قبل. حاول أن يتحرر، دفع الرجل الذي أمسكه، ركض نحو أبيه، سقط على ركبتيه بجانبه. "بابا… بابا…" لم يتحرك عبد الرحيم. الدم بدأ يتجمع بهدوء، هادئًا على غير العادة، وكأن الأرض تعرف أنه انتهى. الحاج مصطفى كان واقفًا بعيدًا، لم يقترب، لم يصرخ، لم يحاول إيقاف شيء. فقط قال بصوت منخفض، أقرب إلى الهمس: "لم يكن هذا مقصودًا." لكن ياسين سمعها، وستبقى تلك الجملة محفورة في ذاكرته إلى الأبد. الرجال بدأوا يتحركون بعشوائية. أحدهم فتح الباب، آخر نظر من النافذة، ورشيد وقف متسمّرًا، كأنه لم يدرك أن دفعة واحدة يمكن أن تنهي حياة كاملة. ياسين لم يرَ أحدًا. كان كل تركيزه على وجه أبيه. تذكر الصباح، الكرسي، الجملة الأخيرة: اهتم بأمك. الآن فقط فهم معناها. وصلت الإسعاف متأخرة. أو ربما في وقتها، لكن بعض الأشياء لا تنتظر أحدًا. الطبيب نظر سريعًا، هز رأسه، وقال كلمات لم يسمعها ياسين كاملة. كل ما فهمه أن العالم الذي عرفه انتهى هنا، على أرضية مكتب بارد. خرج ياسين من المكان وهو لا يشعر بقدميه. الشارع كان صاخبًا، الناس تمشي، السيارات تمر، وكأن شيئًا لم يحدث. هذا ما آلمه أكثر: أن العالم لم يتوقف. في المساء، عاد إلى البيت وحده. فتح الباب بيد مرتجفة. والدته فاطمة كانت في المطبخ. نظرت إليه، رأت وجهه، وفهمت كل شيء دون أن يقول كلمة واحدة. سقطت الجرة من يدها. ثم جلست على الأرض. ثم بكت. في تلك الليلة، لم يتكلم أحد كثيرًا. البيت الذي كان دافئًا أصبح فارغًا. الصمت لم يكن هدوءًا، بل ثقلًا لا يُحتمل. ياسين جلس في غرفته، يحدق في الجدار. لم يبكِ كما توقع. لم يصرخ. فقط شعر بنار هادئة تشتعل داخله. لم تكن رغبة في الانتقام، بل شيء أعمق، أثقل: إحساس بأن الحياة أخذت منه كل شيء، وأن عليه الآن أن يقرر ماذا سيفعل بما بقي منه. وفي تلك الليلة، مات عبد الرحيم… لكن وُلد داخل ياسين رجل آخر، رجل لن ينسى، ولن يسامح بسهولة، ولن يسمح أبدًا أن يُكسر بالطريقة نفسها.