الفصل الثالث: المرافقة
خرج ياسين مع عبد الرحيم في الصباح الباكر. لم يكن الطريق طويلًا، لكنه بدا مختلفًا هذه المرة. كان ياسين يسير بجانب والده صامتًا، يحاول أن يبدو هادئًا، لكن داخله كان ممتلئًا بأسئلة لا يريد أن يطرحها حتى لا يزيد قلق أبيه.
عبد الرحيم كان يشعر بوجود ابنه إلى جانبه، وكان ذلك يمنحه نوعًا من الطمأنينة، لكنه في الوقت نفسه كان يخشى أن يرى ياسين وجهًا من وجوه الحياة لم يكن مستعدًا له بعد.
عندما وصلا إلى المكتب، لاحظ ياسين أن الجو ليس مريحًا. الصمت كان أثقل من اللازم، والوجوه لم تكن تحمل نفس الود الذي سمع عنه. رشيد كان يقف قرب الباب، يتحدث في الهاتف بنبرة خافتة، وعندما رأى عبد الرحيم وياسين، أنهى المكالمة بسرعة ونظر إليهما نظرة سريعة لم تخلُ من التوتر.
دخل الحاج مصطفى بعد دقائق، صافح عبد الرحيم بحرارة مبالغ فيها، ثم نظر إلى ياسين وقال بابتسامة مصطنعة:
"هذا ابنك؟ كبر ما شاء الله."
هز ياسين رأسه باحترام، لكنه شعر أن هذه الكلمات لم تكن ودودة كما بدت.
جلسوا جميعًا، وبدأ الحديث حول تفاصيل الصفقة. الأرقام تغيّرت، بعض البنود لم تعد كما كانت في اللقاء السابق، وكأن الاتفاق يعاد تشكيله من جديد دون سابق إنذار.
عبد الرحيم لم يعجبه ذلك. قال بهدوء لكنه بحزم:
"هذا ليس ما اتفقنا عليه."
رد الحاج مصطفى بابتسامة باردة:
"التجارة تتغير، والفرص لا تنتظر."
تدخل رشيد هذه المرة بنبرة أكثر حدة:
"إما أن نكمل الآن، أو كل واحد يذهب في حاله."
شعر ياسين أن الجو أصبح مشحونًا. كان يرى في عيني أبيه توترًا لم يره من قبل. لم يكن هذا نقاشًا عاديًا بين شركاء، بل كان أقرب إلى ضغط متعمد.
وقف عبد الرحيم قليلًا، وقال:
"لن أوقّع على شيء لم أفهمه جيدًا."
في تلك اللحظة، تغيّر كل شيء. اختفت الابتسامات، وتحولت الوجوه إلى أقنعة قاسية. تقدم رشيد خطوة إلى الأمام، وكأن المسألة لم تعد نقاشًا بل مواجهة.
شعر ياسين لأول مرة بالخطر الحقيقي. حاول أن يقترب من أبيه، لكن أحد الرجال أمسك بذراعه ومنعه من التقدم. ارتفع الصوت، وتداخل الكلام، وتحولت الغرفة الصغيرة إلى ساحة توتر خانقة.
عبد الرحيم حاول أن يحافظ على هدوئه، لكنه أدرك أن الأمر لم يعد صفقة فقط، بل مسألة كرامة وحدود. قال بصوت ثابت:
"أنا لن أُبتز."
كانت تلك الجملة هي الشرارة.