نهر بلا دماء - الفصل الثاني: الصفقة - بقلم أشرف مغليفي | روايتك

اسم الرواية: نهر بلا دماء
المؤلف / الكاتب: أشرف مغليفي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثاني: الصفقة

الفصل الثاني: الصفقة

خرج عبد الرحيم من الحي بخطوات ثابتة، لكن في داخله كان يشعر بثقل لم يستطع تفسيره. الطريق الذي سلكه كان مألوفًا، مرّ به عشرات المرات من قبل، ومع ذلك بدا له أطول من المعتاد، كأن المدينة نفسها تحاول أن تبطئ خطاه. كان قد دخل هذه الصفقة على أمل أن تكون نقطة تحول، خطوة صغيرة توسّع عمله وتمنحه استقرارًا أكبر لأسرته. لم يكن طمّاعًا، ولا يبحث عن قفزات كبيرة، بل كان يؤمن أن الطريق الآمن هو الطريق الذي يُبنى خطوة خطوة، دون استعجال، ودون التفاف على أحد. لكن شيئًا في تفاصيل الصفقة لم يكن مريحًا تمامًا. كان الشريك الرئيسي هو الحاج مصطفى، رجل معروف في السوق، يُظهر للناس وجهًا هادئًا وكلمات محسوبة، ويُكثر من الحديث عن القيم والسمعة. عبد الرحيم لم يكن يثق بالكلام كثيرًا، بل بالأفعال، ولهذا كان حذرًا، رغم أنه لم يجد دليلًا مباشرًا على الخطر. عندما وصل إلى المكتب، كان رشيد هناك، يجلس قرب النافذة، يراقب الشارع بعينين لا تهدآن. ابتسم ابتسامة سريعة، ثم أشار لعبد الرحيم أن يجلس. دقائق قليلة بعدها دخل الحاج مصطفى، بلباس أنيق ونبرة ودودة، وكأنه يلتقي صديقًا قديمًا لا شريك عمل فقط. بدأ الحديث هادئًا، أرقام، تواريخ، اتفاقات مكتوبة. كل شيء بدا مرتبًا، وربما مرتبًا أكثر من اللازم. عبد الرحيم لاحظ أن بعض البنود غامضة، وأن بعض الوعود غير موثقة كما يجب، فطلب توضيحًا. ابتسم الحاج مصطفى وقال: "نحن ناس نعرف بعضنا، والسمعة أهم من الورق." لم يعجبه الجواب، لكنه لم يرد أن يفسد الجلسة. اكتفى بأن سجّل ملاحظاته في ذهنه، وقرر أن يؤجل الحسم إلى لقاء آخر. في طريق العودة، لم يشعر بالراحة التي توقعها. كان يحاول إقناع نفسه أن القلق طبيعي، وأن أي صفقة جديدة تحمل معها بعض التوتر. ومع ذلك، بقي إحساس غريب يرافقه، كأن هناك شيئًا لم يُقل بعد. عندما وصل إلى البيت، وجد ياسين ينتظره. لم يقل له شيئًا عن تفاصيل الصفقة، لكنه لاحظ نظرة القلق في عيني ابنه، فربت على كتفه وقال بابتسامة خفيفة: "كل شيء بخير، لا تقلق." لكن ياسين لم يقتنع تمامًا. كان يشعر أن هذه الصفقة ليست مجرد خطوة عادية، وأن هناك شيئًا أكبر من مجرد تجارة يدور في الخفاء. في تلك الليلة، لم ينم عبد الرحيم بسهولة. ظل يفكر في الوجوه، في الكلمات، في الصمت الذي ملأ بعض اللحظات أثناء اللقاء. كان يعرف أن الإنسان أحيانًا يدخل الطريق الخطأ لا لأنه جاهل، بل لأنه يثق أكثر مما يجب. ومع ذلك، قرر أن يعود في اليوم التالي لإنهاء بعض التفاصيل، وأصر ياسين على مرافقته هذه المرة، بحجة أنه يريد أن يتعلم، وبحقيقة أنه لم يعد يطيق فكرة الانتظار في البيت. لم يكن أيٌّ منهما يعلم أن هذا القرار البسيط سيغيّر كل شيء.