نهر بلا دماء - الفصل الأول: البيت - بقلم أشرف مغليفي | روايتك

اسم الرواية: نهر بلا دماء
المؤلف / الكاتب: أشرف مغليفي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الأول: البيت

الفصل الأول: البيت

كان البيت صغيرًا، لكنه كان يعرف كيف يحتفظ بالدفء. جدرانه لم تكن جديدة، وأثاثه لم يكن فخمًا، لكن كل زاوية فيه كانت تشهد على حياة عائلة حاولت أن تعيش بكرامة مهما كانت الظروف. الضوء الذي يتسلل من النافذة في الصباح لم يكن قويًا، لكنه كان كافيًا ليمنح الغرفة لونًا دافئًا يشبه الطمأنينة. عبد الرحيم كان يستيقظ قبل الجميع. يجلس إلى الطاولة الخشبية القديمة، يفتح ملفاته بعناية، ويرتب أوراقه وكأنها كنز لا يجوز العبث به. لم يكن رجلًا كثير الكلام، لكن كل تصرفاته كانت تقول إنه يتحمل أكثر مما يظهر. كان يعمل بلا توقف، ليس لأنه يحب العمل، بل لأنه يؤمن أن الإنسان لا يملك في هذه الدنيا سوى سمعته وتعبه. ياسين كان يراه كل صباح، ويرى في صمته قوة غريبة. لم يكن يفهمها تمامًا، لكنه كان يشعر بها. كان يشعر أن هذا الرجل لا يعيش لنفسه فقط، بل يحمل فوق كتفيه عالمًا كاملًا اسمه العائلة. كان يجلس أحيانًا يراقبه من بعيد، يحاول أن يتعلم منه الصبر دون أن يعرف كيف يُدرّس الصبر أصلًا. أما فاطمة، فكانت روح البيت. تتحرك بهدوء، تضع الطعام، ترتب الغرف، وتراقب الرجلين بنظرة مليئة بالخوف غير المعلن. كانت تعرف أن الحياة لا تعطي الأمان طويلًا، لكنها كانت تحاول أن تحمي هذا البيت من الحقيقة القاسية قدر المستطاع، وكأنها تؤمن أن الحنان قد يؤخر المصيبة ولو قليلًا. في ذلك اليوم، كان شيء ما مختلفًا في الجو، رغم أن لا أحد قال شيئًا. عبد الرحيم بدا أكثر صمتًا من المعتاد، يحدق طويلًا في أوراقه قبل أن يطويها ببطء ويضعها في حقيبته. ياسين لاحظ ذلك، لكنه لم يسأل. تعلم منذ صغره أن بعض الأسئلة لا تحتاج إلى إجابة، بل تحتاج فقط إلى صبر. عند الإفطار، حاولت فاطمة أن تصنع جوًا طبيعيًا. تحدثت عن الجيران، عن الأسعار، عن أشياء لا تغيّر شيئًا في الواقع لكنها تؤجل الخوف قليلًا. عبد الرحيم كان يهز رأسه ويجيب بإجابات قصيرة، بينما كان ياسين يراقب التفاصيل الصغيرة: حركة يد أبيه، بطء خطواته، النظرة التي تمر سريعًا على وجه أمه ثم تختفي. وقبل أن يخرج عبد الرحيم، وقف لحظة عند الباب، نظر إلى البيت نظرة أطول من المعتاد، ثم إلى ياسين. لم يقل كلامًا طويلًا، فقط قال بصوت هادئ: "اهتم بأمك، يا ولدي." كانت جملة بسيطة، لكنها سقطت في صدر ياسين كحجر. شعر بشيء يشبه الخوف، لكنه لم يعرف لماذا. اكتفى بهز رأسه، وهو يرى والده يبتعد في الشارع الضيق حتى اختفى بين الأزقة. بعد خروجه، عاد البيت إلى هدوئه المعتاد، لكن الهدوء هذه المرة لم يكن مريحًا. كان ثقيلًا، كأنه ينتظر شيئًا. فاطمة جلست قرب النافذة، وياسين جلس على الكرسي الذي كان والده يجلس عليه، وكأن المكان ما زال يحتفظ بحرارته. لم يكن يعلم أن هذا الكرسي، وهذا البيت، وهذا الصباح، سيكونون آخر ما يتذكره من حياة مستقرة. لم يكن يعلم أن العالم لا يكسر الناس دفعة واحدة، بل يبدأ بكسر التفاصيل الصغيرة التي تمنحهم الإحساس بالأمان. في تلك الساعات الهادئة، وُضعت البذرة الأولى لقصة لم يكن أحد مستعدًا لها: قصة فتى سيتعلم أن البيت يمكن أن ينهار في لحظة، وأن الإنسان لا يُقاس بما يخسره، بل بما يختار أن يصبح بعد الخسارة. وكان هذا البيت… هو آخر نقطة ضوء قبل أن تبدأ الرحلة في العتمة.