حين عدنا بلا القاب ( ليلة الثلج ) - الفصل الخامس عشر 🏔️❄️ - بقلم mayah | روايتك

اسم الرواية: حين عدنا بلا القاب ( ليلة الثلج )
المؤلف / الكاتب: mayah
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الخامس عشر 🏔️❄️

الفصل الخامس عشر 🏔️❄️

كانت قاعدة على الكرسي الخشب،حاطة إيدها على خدها، وعينيها ثابتة قدّامها… بتراقب وبس. لا قامت، ولا مشيت، ولا حتى حاولت تعمل حاجة غير إنها تتابع المشهد كأنها مش جزء منه. تشوف اللي رايح واللي جاي تشوف الناس وهي بتتحرك تشوف هو… واقف مع رؤية، بيضحكوا،مستنيين العربيات، وشكله… كأنه ناسي إن في حد قاعد هناك أصلاً. طب وأنا مالي؟ قالتها في سرّها. هو أنا ليه مهتمة؟ هو حر يهتم أو مايهتمش. فجأة، كوب سخن اتحط قدّام عينيها. رفعت راسها. كان عمر. "خدي…شوكولاتة سخنة " نبرته هادية مسالمة زي كل مرة المسكين… فكرت. ضيّعت وقته. لكن الغريب؟ ما كانش باين عليه أي ضيق. بالعكس، قعد جنبها كأنه مرتاح كده،كأنه اختار القعدة دي. خدت رشفة صغيرة. "مم…دي لذيذة أوي،ودافية." ابتسم بخفة. "كويس." قالها وسكت. لا ضغط ولا أسئلة. وفي اللحظة دي… بدأت الحركة تزيد. أضواء بعيدة تشق الضباب الأبيض نور صفر خافت بيقرب واحدة واحدة. "جت!" حد قالها بصوت عالي. ومع الأضواء، علا تصفيق بسيط وتكبير خافت كأن الناس خايفة تزعج اللحظة. العربيات بتقرب… والناس بتقرب معاها. دي مش بس بضاعة. دي أول طلبية. أول خطوة. أول نفس بعد اختناق طويل. ناس كتير بصّت للعربيات وفي عينيها دمعة أو ابتسامة مترددة. رؤية كانت واقفة جنب معاذ، ابتسامة واثقة،تبص له وتومأ كأنها بتقوله "شايف؟ قلتلك." ومعاذ؟ وشه شاحب شوية بس عينيه منورة. نور مختلف. نور حد شايف أنه بيصلح غلطه صوفيا قامت من مكانها من غير ما تحس. وعمر قام معاها. قربوا. زي باقي الناس. الجميع اتلم يتفرج يتأكد يلمِس كأنهم محتاجين يصدقوا. الصناديق اتفتحت. أقمشة. أجهزة. حاجات الناس مستنياها من زمان. والد معاذ كان واقف قريب. واقف بس. ساكت. عينه ثابتة على العربيات. مش محتاج يتكلم. اللي في عينه كان كفاية. ______ الكل كان اتحرك مرة واحدة، أصوات الصناديق وهي بتتسحب، والرجالة بتساعد بعض، كل واحد شايل حتة من الحمل كأنه شايل أمل مش مجرد بضاعة. صوت حديد بيخبط في حديد، وكرتون بيتفتح ويتقفل، وضحك خفيف هنا وهناك. صوفيا بصّت لعمر وقالت من غير كلام، فهز راسه: "يلا نساعد.' قربوا من العربيات. عمر طلع أول صندوق، شاله بإيده، هزّه كده يتأكد أنه خفيف وبعدين مدهولها، وهي مدّت إيديها تمسكه… وفي اللحظة دي عينيها اتحركت غصب عنها. شافِتهم. قاعدين بيتكلموا. بيبتسموا. معاذ كان واقف قدام رؤية، صوته واطي، ملامحه هادية لأول مرة من بدري. ماسمعتش الكلام، ماعرفتش إن اللي بيقوله مجرد شكر، ولا إن الابتسامة كانت ارتياح مش أكتر. لكن اللي شافته… كان رؤية وهي بتقرب، وبمنتهى العفوية بتحضنه. الدنيا وقفت. إيديها ارتعشت،الصندوق فلت منها غصب وقع على الأرض بصوت عالي، اتفتح… والحاجات اتنثرت. الصوت شق المكان. الضحك سكت. الكل لف وبص. واحد من الرجالة زعق بصوت حاد وتوبيخ "إيه اللي بتعمليه ده؟ خدي بالك شوية!" صوفيا اتسمّرت. قلبها كان بيدق في ودانها. عارفة إنها غلطانة… بس لسانها تقيل، مش راضي يطلع حرف. قبل ما تقول أي حاجة، عمر كان اتحرك خطوة لقدام. نبرته كانت هادية بس قاطعة وباردة "لا، ده أنا اللي وقّعته. ماعرفتش أديهولها كويس." الراجل بص له بشك، ولسه هيتكلم… "إنت بتزعق لمين؟" الصوت جه من وراهم. صوت معاذ. كان من ثانية واقف جنب رؤية، وفجأة… بقى هنا. وقف قدام صوفيا، جسمه حائل بينها وبين الراجل.عينه كانت حادة، وصوته أوطى بس أخطر "محدش يعلي صوته هنا." من غير ما يستنى رد، نزل على الأرض، بدأ يجمع الحاجات اللي وقعت. عمر نزل معاه. إيديهم بتلم، وصوفيا واقفة مش قادرة تتحرك. قام معاذ، بص لها. ابتسامة خفيفة، مطمّنة "ولا يهمك، كل حاجة تمام، ماتقلقيش." الكلام كان بسيط… بس وقعُه عليها كان تقيل. هو فاكر كده بيريحها؟ فاكر إن ابتسامته كفاية؟ دموعها لمعت في عينيها، صوتها طلع مبحوح "ده… ده بسببك." معاذ عقد حواجبه "بسببي إيه؟" بس ما لحقش يفهم. صوفيا كانت استدارت، ومشيت بسرعة، الخطوات بقت جري، والدموع نزلت غصب عنها.عمر رفع راسه، شافها بتبعد، ساب كل حاجة في إيده،وجري وراها من غير تردد. ومعاذ؟ فضل واقف مكانه، حاسس إن في حاجة اتكسرت… ومش فاهم ليه. _____ وقفت فجأة. رجليها خانتها. مش قادرة تكمل خطوة واحدة. انحنت شوية، إيديها على ركَبها، وصوت بكاها خرج مكتوم، تقيل، كأن صدرها اتقفل عليها مرة واحدة. "إيه التصرف السخيف ده؟ إيه اللي عملته؟" كانت بتكلم نفسها وهي بتعيّط. إزاي جريت؟ إزاي ما اعتذرتش؟ إزاي سابت الصندوق واقع ومشيت؟ ده خطأها… هي اللي سرحت، هي اللي ماخدتش بالها، هي اللي وقعت الحاجة. طب ليه قالتله: بسببك؟ ضحكت ضحكة قصيرة مخنوقة، اتحولت لبكا. "كل حاجة بسببك إنتِ يا صوفيا…" مش بسبب معاذ. ولا بسبب رؤية. ولا بسبب أي حد. بسببها هي. بسبب إنها مش فاهمة نفسها… أو الأسوأ؟ فاهمتها كويس أوي… لدرجة مرعبة. بكت أكتر. وراها، كان عمر واقف، بياخد نفسه بصعوبة. صدره بيعلى ويهبط، أنفاسه تقيلة من الجري. وقف شوية يستوعب المنظر، وبعدين قرب. مد إيده، ولفها ناحيته بهدوء، كأنه خايف تتكسر لو لمسها غلط. وشها كان أحمر، عينيها منفوخة، ونفَسها بيطلع مع الهواء البارد في شكل رعشة. قلبه دق. هي مش كويسة… طب ليه؟ عشان صندوق؟ عشان زعيق؟ ولا… في حاجة تانية؟ عمر وقف محتار. هو مش شاطر في الحتة دي. المشاعر بالنسبة له أرض جديدة، لسه بيحاول يفهمها. بس حاجة واحدة كان متأكد منها زي ما هي كانت جنبه زمان، زي ما سمعته وساعدته من غير ما تحكم… هو دلوقتي عايز يعمل نفس الشيء. قرب أكتر، رفع وشها بإيديه الاتنين، مسح دموعها بإبهامه، صوته واطي "ينفع تحكيلي؟" صوفيا بلعت ريقها. خايفة… بس من جواها، في حاجة بتغلي، على وشك الانفجار. عمر بص لها بقلق: "إنتِ زعلانة؟ عشان الصندوق وقع؟ ماحصلش حاجة ...مافيش حاجة اتكسرت ..." نفت بدماغها "طب…زعلانة من معاذ؟ هو عمل حاجة غلط؟" رفعت راسها، صوتها خرج مكسور "أيوه!" عمر اتلخبط أكتر "طب… عمل إيه؟ ها؟ عمل إيه" قرب شوية، نبرته صادقة "قولي، وأنا أساعدك… نحاول نحل الموضوع." هزّت راسها بنفي، والدموع نزلت أكتر "مش هيتحل." "ليه؟" قالها بجد، مش فاهم. وهنا… انهارت. "عشان أنا…" صوتها اتقطع، خدت نفس، وكملت وهي بتبكي بحرقة "عشان أنا وقعت في حبه!" عمر تصلّب مكانه. "عشان كده غلط…عشان كده الصندوق وقع…عشان كده مشيت… شهقة طلعت منها "هو شايفني صوفي… صاحبته القريبة.وأنا كمان كنت شايفاه كده…بس مش فاهمة امتى اتغير كل ده؟امتى؟" إيديها كانت بترتعش. "ومن ساعتها… وأنا حاسة إني بدمر الصداقة دي بإيدي." بكت بوجع حقيقي. مش بكاء غيرة،ولا غضب…بكاء خسارة. عمر وشه اتغير.عينه وسعت شوية، فكه شد، ونَفَسه اتلخبط. كان مصدوم… بس مش منها. من وجعها. قرب فجأة، شدّها عليه، عناق قوي، حامي،كأنه بيحاول يخبيها من الدنيا كلها.إيديها اتعلّقت في هدومه،وسندت راسها على صدره.كانت محتاجة الدفا ده… محتاجة حد يسمع من غير ما يحاكم. وعمر؟ كان الشخص ده. في اللحظة دي ... نفسُه كان تقيل، الهوا البارد دخل رئتيه،وشه شاحب توقّف عن الجري ورفع عينه. شافهم. عمر وصوفيا… متحضنين. كان واقف بعيد شوية، ثابت… ومش قادر يتحرك. _____ أخد نفس عميق، طويل… وبصوت حاول يخليه ثابت، نادى "صوفيا…" أول ما سمعت صوته، جسمها شد.كأن الاسم لمس جرح مفتوح. بعدت فورًا عن عمر، خطوة سريعة، وعمر لف ناحيته تلقائي. مش دلوقتي… قالتها جواها. لسه ما لمّتش نفسي. لكن معاذ كان بالفعل بيتقدم. خطوتين… تلاتة… ولما شاف وشها،اللي كانت بتحاول تخبيه، أحمر… وعينيها باين فيها إنها كانت بتبكي، قلبه وقع. قرب أكتر، صوته مليان قلق حقيقي "مالك؟ إيه اللي حصل بجد؟" سكتت. "هو عشان الراجل اللي وبّخك؟لو كده ما تقلقيش، أنا أخليه يعتذرلك.وبعدين إنتِ ما غلطتيش…أي حد ممكن يقع منه صندوق." كانت واقفة، باصة في الأرض،متعمدة تتجاهل نظرته، ومصممة ما ترفعش عينيها عليه. الحيرة مسكت معاذ. رجع شعره لورا بإيده في حركة عصبية،وبص لعمر، نظرة سريعة، كأنه بيقول: في إيه؟ لكن قبل ما عمر ينطق… رجع لمعها تاني، بصوت أهدى، ألين "طب… قوليلي.أنا مش فاهم، بس عايز أفهم." أخدت نفس، وبنبرة مراوغة، هروب واضح "أنا… عايزة أرجع البيت." اتصدم شوية، بس حاول يتمالك نفسه وابتسم "طب إيه رأيك نرجع سوا؟ وفي الطريق تحكيلي. إحنا صحاب… وأنا هسمعلك." صحاب… الكلمة ضربتها في صدرها. ابتسمت ابتسامة صغيرة موجوعة، ابتسامة مالهاش أي علاقة بالفرح. رفعت راسها شوية، وقالت بهدوء قاسي "لا… أنا هرجع مع عمر." ثانية صمت. معاذ وقف مكانه. إيه؟ هل… مش عايزاه؟ الفكرة عدّت في دماغه من غير ما يستأذن. "مع… عمر؟" قالها وهو مش مصدق. المرة دي رفعت وشها بالكامل.عينيها كانت مليانة دموع محبوسة،بس صوتها ثابت بالعافية "أيوه.هرجع مع عمر.وإنت كمل شغلك." كانت بتأكد عليه… كأنها بتقفل باب. عمر بص لمعاذ.نظرة سريعة، تقيلة. وبعدين مد إيده، مسك إيد صوفيا بهدوء، وشدها بعيد خطوة، خطوتين… ومعاذ؟ فضل واقف. ساكن. مشلول. بيبص على المكان اللي كانت واقفة فيه،كأنها سابته فجأة من غير تفسير. أما صوفيا… فكانت ماشية جنب عمر، وجواها وجع كبير،وجع تقيل في قلبها، وجع عارفة سببه ومش قادرة تهرب منه. _____ معاذ رجع يكمّل شغله، خطواته كانت ثابتة لكن وجهه كان شاحب شوية. رؤية كانت واقفة على طرف، مش قادرة تمسك نفسها من الملاحظة "مش مبسوط… " هو اكتفى ابتسامة خفيفة وقال لها " أنا تمام… ما تقلقيش." بس جوّه؟ مش تمام خالص. إزاي يكون تمام؟ وهو اللي حس إنه أخيرًا لقى حد يعتمد عليه… حد يثق فيه… لكن كل حاجة كانت مجرد إحساسه هو… اللي من جانبه بس. فكر في صوفيا… ظن إن العلاقة بينهم مميزة، يمكنهم الكلام براحة، مشاركة الأفكار… بس الحقيقة؟ صوفيا لسه مش مرتاحة كفاية معاه. تنهد… شد على دفتر الطلبات اللي قدامه، وبعدين قرر يركز في الشغل، يتأكد إن كل حاجة ماشية صح، وإن العملية كلها انتهت على ما يرام. كان عارف إن لو خلّى نفسه يغرق في المشاعر دلوقتي، هيبقى شغل نصيب، وده مش وقت. قرر يسيب أي حاجة تانية برا رأسه… ويكمل.