فتاة لم ينقذها أحد - الفصل السادس: سجين روحي - بقلم دعاء بنشعبان | روايتك

اسم الرواية: فتاة لم ينقذها أحد
المؤلف / الكاتب: دعاء بنشعبان
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل السادس: سجين روحي

الفصل السادس: سجين روحي

2025/06/23في ذلك اليوم، لم يسقط السقف، ولم تُكسر الجدران، لكن البيت لم يعد كما كان. وصل الخبر ثقيلاً، أثقل من أن يُصدَّق، وأسرع من أن يُفهم. أبي… لم يعد هنا. لم أعرف كيف أستوعب الفكرة، كيف لرجل كان عمود البيت أن يتحوّل فجأة إلى اسم خلف القضبان. البيت امتلأ بالصمت، ذلك الصمت الذي لا يهدأ، ولا ينام، ولا يترك مجالاً للبكاء حتى. كل شيء أصبح ناقصاً، الكرسي الذي كان يجلس عليه، صوته، حتى حضوره الغاضب أحياناً صرنا نشتاقه. لم أبكِ أمام أحد، ليس لأنني قوية، بل لأن الصدمة تجفّف الدموع. كنت أتمشّى داخل البيت كغريبة، أنظر للجدران وكأنها تسألني: «وش راه صاير؟» في تلك اللحظة، كبرتُ دفعة واحدة، ليس لأنني أردت، بل لأن الحياة لم تترك لي خياراً. سجن أبي لم يكن حدثاً فقط، كان بداية ثقل استقرّ في صدري، وأخبرني بصمت أن القادم أصعب. ومنذ ذلك اليوم، لم أعد أبحث عن الأمان، كنت فقط أبحث عن طريقة لأبقى واقفة. ليضيف ثقلاً جديداً لا يُطاق على قلبي وروحي. الغرفة التي اعتدت أن أجد فيها الأمان، أصبحت صامتة وباردة، والبيت الذي كان يحتوي أصواته وحضوره، تحول إلى مكان يسكنه الفراغ والذكريات المؤلمة. أصبح كل يوم ذكراً، كل شيء حولي يذكرني بأنه ليس هنا، وصدى صوته الذي طالما كان مطمئناً أصبح صوتاً بعيداً في ذاكرتي، يُعيد لي شعوراً بالوحدة والضياع. سجن أبي لم يسجن شخصه فقط، بل سجن كل جزء مني كان يثق بالأمان، كل جزء كان يظن أن أحدهم سيقف بجانبي حين تنهار نفسي. تعلمت بسرعة أن أتحمل وحدي، أن أواجه الحياة بلا سند، وأبتلع خوفاً وحزناً كبيرين دون أن يعرف أحد ما يعتصر قلبي. اليوم أشعر أن فراغه يكبر داخلي كل لحظة، ويذكرني بأن الاعتماد على الآخرين، مهما أحببتهم، قد يتحوّل فجأة إلى ألم لا يُحتمل. لم يُنقذني أحد، ولم يخفف أحد عني وطأة الغياب… لكنني بقيت، أحمل ذكراه في قلبي، وأتعلم كيف أعيش مع فراغه المؤلم. بعد ذلك اليوم، صار الوقت ثقيلاً، يمرّ ببطء كأنه يتعمد أن يذكرنا بما حدث. كل صباح كان يبدأ بسؤال واحد لا يُقال: هل كان هذا حلماً؟ لكن الواقع كان قاسياً ولا يستيقظ منه أحد. نظرات أمي تغيّرت، لم تعد كما كانت، فيها خوف تحاول إخفاءه، وتعب تحمله بصمت. كنت أراها تمشي في البيت وكأنها تحسب خطواتها، كأن كل حركة تحتاج جهداً مضاعفاً. أما أنا، فكنت أبحث عن أبي في التفاصيل الصغيرة، في صوته الذي ما زال عالقاً في الذاكرة، في رائحة المكان التي لم تتغير رغم غيابه. لم أكن أعرف كيف أتعامل مع فكرة السجن، الكلمة وحدها كانت تخيفني، تجعلني أشعر أن العالم أصبح أضيق. كنت أحمل ثِقلاً لا يُرى، أبتسم أحياناً حتى لا يُسألني أحد، وأصمت كثيراً لأن الكلام لم يعد يُنقذ شيئاً. في تلك الفترة، تعلّمت أن الغياب لا يكون دائماً اختياراً، وأن بعض الفقد يأتي فجأة ويُغيّر شكل الحياة إلى الأبد. سجن أبي علّمني الخوف المبكر، والصبر القاسي، وجعلني أفهم أن الأمان قد يختفي دون إنذار. ومنذ ذلك الحين، لم أعد كما كنت، شيء ما في داخلي انكسر بهدوء، وبقي مكسوراً دون صوت. لم يكن أصعب ما في الأمر غياب أبي، بل شعور العجز الذي سكنني منذ ذلك اليوم. أن تحب شخصاً ولا تستطيع أن تفعل له شيئاً، هذا وجع لا يُوصف. كنت أراه في خيالي خلف الجدران الباردة، وأتساءل إن كان يشعر بنا، إن كان يفكر في البيت كما نفعل نحن كل دقيقة. الليل كان الأقسى، حين يهدأ كل شيء وتبقى الأفكار وحدها. كنت أستمع للصمت وكأنه صوت جديد فرض نفسه علينا. لم أعد أكره الوحدة، لكنني صرت أخافها، لأنها كانت تُعيدني دائماً إلى نفس الفكرة: نحن وحدنا الآن. كبر داخلي إحساس المسؤولية، ليس لأنني جاهزة له، بل لأن الفراغ لا يُعطي وقتاً للتعلّم. شعرت أن عليّ أن أتماسك، حتى وأنا لا أعرف كيف. سجن أبي جعلني أنظر للحياة بعين مختلفة، عين ترى الهشاشة قبل الأمل. وفي ذلك التحوّل الصامت، بدأت أفهم أن بعض الخسارات لا تُعلَّمنا الصبر فقط، بل تُغيّر شكل قلوبنا إلى الأبد. مع مرور الأيام، بدأت ألاحظ كيف يغيّر الغياب كل شيء بصمت. لم يعد البيت مكان راحة، صار مكان انتظار طويل لا نعرف نهايته. كنت أراقب أمي وهي تحاول أن تكون قوية، تحمل همّنا وهمّ أبي، وتخفي خوفها خلف أعمال يومية متعبة. قوتها لم تكن صاخبة، كانت صامتة، ومنهكة. أما أنا، فكنت أعيش بين واقع لا أستطيع تغييره، وحنين لا يهدأ. كنت أشتاق لأبي حتى وأنا لا أملك صورة واضحة لما يمرّ به هناك. سجن أبي جعلني أشعر أن العالم لم يعد عادلاً، وأن الأمان الذي كنت أظنه ثابتاً كان هشّاً أكثر مما تخيلت. بدأت أفهم أن الحياة لا تسأل إن كنا جاهزين، ولا تنتظر أن نكون أقوياء. هي فقط تمضي، ونحن نتعلّم كيف نتماسك في الطريق. في تلك الفترة، كبر داخلي خوف صامت، ليس من الغد، بل من أن أعتاد الغياب، أن يصبح طبيعيّاً، وأن أتعلّم العيش بدونه. لكن شيئاً واحداً كان واضحاً: ذلك اليوم لم يأخذ أبي فقط، أخذ جزءاً من طفولتي، وجعلني أكبر قبل أواني. بدأت الأيام تتشابه، صباحات بلا صوت أبي، ومساءات نحاول فيها أن نبدو طبيعيين رغم أن شيئاً أساسياً كان ناقصاً. لم نكن نتحدث كثيراً عن السجن، كأن ذكر الكلمة قد يزيد ثِقلها. لكنها كانت حاضرة في كل تفصيلة، في نظراتنا، وفي الصمت الذي يطول أكثر من اللازم. كنت أشعر أحياناً بذنب لا أفهمه، ذنب لأنني هنا، وأبي هناك، ذنب لأنني أتنفّس بحرية وهو لا يستطيع. لم أعد أشتكي، ولا أطلب، تعلمت أن أختصر رغباتي حتى لا أزيد العبء. كبر داخلي صمت جديد لم أعرفه من قبل. سجن أبي جعلني أرى الناس بعيون مختلفة، ألاحظ الشفقة في بعض النظرات، والفضول في أخرى، وأتعلم كيف أحمي نفسي من أسئلة لا أملك لها إجابة. وفي كل مرة كنت أظن أنني بدأت أعتاد، كانت ذكرى صغيرة تعيدني للبداية، وتذكرني أن بعض الغيابات لا تُشفى، بل نتعلّم فقط كيف نعيش معها. ذلك اليوم لم ينتهِ بعد، هو مستمر فينا، في طريقة كلامنا، وفي ثقل قلوبنا الذي نحمله دون أن نشتكي. مع مرور الوقت، بدأت أشعر بالفراغ يزداد ثقلاً، ليس فقط في البيت، بل بداخلي أيضاً. كل غرفة، كل زاوية، كانت تذكّرني بما فقدت، بغياب أبي الذي لم يكن مجرد شخص، بل كان عموداً للحياة. كنت أرى أمي تكافح بصمت، تحاول أن تُبقي البيت واقفاً بين الخوف والتعب، وكنت أشعر بالضغط عليها وكأن صمتي يزيد من ثقلها. أخي وأختي أيضاً بدأوا يظهرون بتعبهم الصامت، كل واحد يحمل جزءاً من الألم بطريقته الخاصة. لم نعد نتكلم كثيراً، أو نضحك كما كنا، حتى الكلمات البسيطة أصبحت عبئاً. سجن أبي لم يكن مجرد حدث، بل درساً قاسياً عن المسؤولية المبكرة، عن صمت العالم، وعن كيف يمكن للغياب أن يحوّل كل شيء إلى واجب عليك تحمّله وحدك. كنت أتنفّس بصعوبة أحياناً، أبحث عن مكان أهرب فيه من شعوري بأنني وحيدة، لكن لا مكان، لا هروب، وكل شيء أصبح مرآة تُعيد لي حقيقة أن الحياة قد تغيّر شكلها فجأة ولا تنتظر أن تكون جاهزاً. وفي كل ليلة، كنت أجد نفسي أراقب المنزل، أسترجع صوته في الزوايا، أفتقد حضوره، حتى في غضبه، وأفكر: كم كان كل شيء بسيطاً قبل ذلك؟ كم كان كل شيء آمناً؟ البيت لم يعد هو البيت نفسه، بل أصبح مساحة كبيرة من الفراغ، وصمت ثقيل، وحمل لا يظهره أحد، ولا أحد يستطيع أن يخففه.