الفصل الرابع عشر ❄️🏔️
كان قاعد على الترابيزة اللي جنب المدفأة،الدفا واصل له من جنب واحد بس، والجنب التاني بردان.
ساند خده على إيده، والقلم بين صوابعه،
بس واقف…
كأنه نسي هو كان بيكتب إيه. قدامه دفتر الحساب.
دفتر أبوه.الصفحات مليانة أرقام،جمع وطرح،خط متلخبط في حتت،ومشدود في حتت تانية،كأن كل رقم متكتب وهو متقل على القلب.
من يوم ما باعوا أغلب العربيات.
عربيات أبوه اللي كان بيعتمد عليها،
عشان يسدد الدين…
دينه هو،
للمرابي.
ومن ساعتها والدنيا مقلوبة.
الشغل بقى قليل،والفلوس بتخلص بسرعة،والمشاكل بتطلع كل شوية زي الشوك في الطريق.
أبوه بقاله أيام،قاعد يفكر،يسكت شوية،وبعدين يقوم يمشي في البيت رايح جاي،يدخل ويطلع،من غير ما يقول حل.
ومعاذ…
قرر يساعد.
بس الحقيقة؟
هو نفسه مش عارف يساعد إزاي.
يعمل إيه؟يفتح باب رزق منين؟يجيب دخل زيادة إزاي؟
خصوصًا إنهم لازم يجمعوا فلوس،عشان يقدروا يشتروا العربيات تاني، ويرجعوا شغل أبوه،ويرجعوا واقفين على رجليهم.
تنهد،
وقفل الدفتر بالراحة، وحس بقشعريرة.
البرد دخل في عضمُه.
قال في نفسه يقوم يزود حطب في المدفأة.
مد إيده على الكرسي وسحبه عشان يقوم…
وفجأة
الدنيا لفت.
دوخة خفيفة، كأن الأرض اتحركت من تحت رجليه.
وقف ثانية ماسك في ضهر الكرسي.
من الركن، أمه اللي كانت قاعدة بتحيك صوف، رفعت راسها وقالت بقلق
"مالك يا معاذ؟ إنت كويس؟"
بصلها، ابتسم ابتسامة خفيفة، وقال وهو بيحاول يطمنها
"أيوه يا ماما… بس قاعد بقالي ساعات، لما قومت لفت الدنيا بيا شوية."
هزّت راسها، ورجعت للصوف، وهو لف ناحية الحطب.
خطوتين…
بس.
الدنيا بقت بتلف أسرع.
الصوت وطي، والنور قدامه بقى تقيل.
حاول يتماسك، بس رجليه خانوه.
وفي لحظة واحدة…
وقع.
جسمه خبط في الأرض خَبطة تقيلة، صوتها ملّى البيت.
"معاااااذ!"
أمه رمت الصوف من إيديها، وقامت تجري، قلبها سابقها،
وهي بتنادي باسمه بصوت مكسور.
باب الأوضة اتفتح بعنف، وبسمة خرجت تجري على الصريخ، وشها شاحب، وعينيها مليانة خوف.
"في إيه؟! مالُه معاذ؟!"
كانت واقفة في نص الصالة، مش فاهمة حاجة، غير إن أخوها واقع على الأرض وأمها فوق راسه
والخوف مالي المكان.
_____
كانت قاعدة في البيت مكانها،رجليها مرفوعة شوية،
والتلفزيون شغال قدامها ...
فجأة
سمعت خبط على الباب. خبط سريع، مش معتاد.
قامت باستغراب، وقربت من الباب وفتحته…
اتفاجئت.
بسمة.
وقفة قدامها،نَفَسها متلخبط،وعينيها باين فيهم قلق مش عادي.
صوفيا فتحت الباب أكتر وقالت بسرعة
"بسمة؟ خير؟"
بسمة حاولت تبتسم، بس ابتسامتها ماكملتش،
وقالت باعتذار
"آسفة إني جيت كده من غير معاد… بس حصلت حاجة."
قلب صوفيا دق مرة واحدة تقيلة.
"في إيه؟"
بسمة بلعت ريقها وقالت
" ابيه… أغمي عليه شوية. يعني قام وقع،
وإنتِ دكتورة فـ… افتكرناك على طول."
الدم انسحب من وش صوفيا.
"أغمي عليه؟! هو فين دلوقتي؟ عامل إيه؟!"
بسمة بسرعة طمنتها
"لا لا، هو فاق. بيقول بس إنه ماكنش نايم،
بس ماما قلقانة اوي فلو تشوفيه ونرتاح كلنا "
صوفيا هزت راسها من غير ولا كلمة، لفت ودخلت البيت بخطوات سريعة. راحت على طول ناحية الركن اللي عارفة مكانه كويس…
الصندوق.
الصندوق اللي كانت حاطة فيه كل حاجتها الطبية،
حاجات حاولت قبل كده تتخلص منها،بس ماقدرتش.
فتحته، إيدها كانت سريعة،أخدت مقياس الحرارة،
وشوية أدوية أساسية، وقفلت الصندوق.
لبست معطفها على عجلة،
وهي بتقول
"يلا."
خرجوا سوا،وصوفيا قفلت البيت كويسعشان مفيش حد غيرها. مشوا في الطريق التاني،الطريق اللي فيه بيت معاذ،
والبرد كان قارص بس صوفيا مش حاسة غير بالقلق.
أول ما دخلت البيت، لسه خطواتها الأولى،
نادت بصوت عالي شوية
"معااذ!"
كان قاعد على الكنبة،متغطي ببطانية،ووالدته سميرة جنبه،
وشها كله قلق.
هو نفسه؟
كان باين عليه أحسن،
مش منهك ولا تعبان اوي.
أول ما شاف صوفيا، ابتسم تلقائي.
بس لما لاحظ القلق في عينيها…
تنهد.
"إنتوا مكبرين الموضوع اوي."
سميرة قامت وقربت من صوفيا وقالت بسرعة
"حرارته عالية شوية، وبعدين وقع على الأرض من شوية،
خوّفنا."
معاذ لف بوشه وقال بضيق خفيف
"ماما، والله إنتِ بتبالغي. أنا بس ماكنتش نايم وقاعد طول اليوم…"
ماكملش.
صوفيا كانت بالفعل حاطة مقياس الحرارة في بقه،
وبصوت جدي جدًا قالت
"اسكت."
بصلها باستسلام، وسكت.
دقايق وعدت في صمت، صوفيا واخدة بالها من كل نفس،
من لونه، من وضعه.
سحبت المقياس وبصّت فيه.
"آه… في سخونية. مش عالية اوي،بس موجودة."
رفعت عينيها وقالت بهدوء
"ممكن زكام، أو إرهاق."
بصت له تاني
"لسه حاسس بدوخة؟"
هز راسه
"لا. زي ما قلتلك…قعدت كتير، قومت فجأة."
تنهدت،وبصت لسميرة وقالت
"لازم ياكل حاجة دافية، وأنا هديه دوا يخفض الحرارة."
سميرة هزت راسها على طول
"حاضر، هعمله شربة سخنة."
معاذ اعترض فورًا
"لا لا، أنا مش جعان."
سميرة وقفت وبصت له بضيق ام
"ما هو ده اللي أنا بقوله! إنت بالكاد بقيت تاكل."
وبعدين بصت لجسمه
"بقيت هزيل اوي."
معاذ ضحك وقال بمزاح
"ده مش هزال،ده جسم عارضي أزياء.مفروض تفتخري بيا."
سميرة هزت راسها بضيق، ولفت ودخلت المطبخ وبسمة وراها
"أهو نشوف."
فضل معاذ قاعد، وصوفيا واقفة قدامه،
بتقيمه بعينيها من غير كلام.
بصلها وقال
"ما تبالغيش إنتِ كمان… أنا بجد كويس."
تنهدت وقالت وهي بتقوم
"هروح أجيب الدوا."
______
رجعت بيت معاذ ومعاها الدوا،الدوا اللي لازم ياخده بعد الأكل مباشرة.
أول ما دخلت، سميرة بصتلها وقالت بحزم لطيف
"لا، لا… مفيش مشي دلوقتي.تقعدي تتغدي معانا."
صوفيا حاولت تعترض
"لا والله مش لازم ..."
بس سميرة قطعتها بابتسامة
"لازم."
وفي الآخر…
قعدوا كلهم على الترابيزة. الأكل اتحط،ريحة الشوربة سخنة، والجو دافي شوية.
معاذ؟
واضح اوي إن نفسه مش مفتوحة.
كان بيبص في الطبق، يحرك المعلقة من غير حماس.
وكل شوية
"كل يا معاذ."
"لازم تاكل ياابيه"
"معلقة كمان."
الضيق باين على وشه، كأنه الأكل نفسه عبء.
وفي الآخر…
أكل شوية،على قد ما يخلص الكلام عنه.
كان لسه هيقوم،قام من على الكرسي،بس صوفيا سبقته بخطوة وجابت الدوا بسرعة
"استنى."
سميرة على طول قالت
"بسمة، هاتي مية لأخوكي."
بسمة نفذت فورًا،وجابت الكوباية.
صوفيا مدت له الدوا وقالت بنبرة دكتورة
"الدوا ده بعد الأكل، وده يخفض الحرارة.
ولو حسيت بدوخة تاني ..."
معاذ بص لها، سمع…
وبعدها قرر يتجاهل.
بالنسبة له؟
هي بتبالغ.
شرب الدوا، و قام فجأة، وطلع مجموعة أوراق من على الترابيزة واتجه ناحية الصالة
صوفيا لحقت بيه فورًا
"إنت رايح فين؟ لازم ترتاح!"
لكن معاذ قعد، فرد الورق قدامه،وكأنه مش سامعها.
الضيق بدأ يطلع في عينيها.
رفع راسه وبص لها بجدية وقال
"لو هتكلم مع صوفي…صديقتي، ماشي."
سكت لحظة،
وبعدين كمل
"إنما الدكتورة صوفيا؟ دي مش هحكيلها."
صوفيا عقدت حواجبها،بصت له شوية،
وبعدين تنهدت.قعدت على الكرسي الخشب اللي جنبه،
وسندت ضهرها، وقالت بهدوء
"ماشي.
اتكلم… هسمعك كصوفي "
معاذ سكت شوية، وبعدين بدأ يحكي.
عن الشغل،
عن القلق،
عن المحاولات اللي مش نافعة،
عن إحساسه إنه لازم يعمل حاجة
بس مش لاقي الطريق.
صوفيا؟
ما كانتش فاهمة اوي في ريادة الأعمال،
ولا في الأرقام، ولا الحلول اللي بيقولها.
خبرتها في الحتة دي تقريبًا صفر.
بس…
قعدت تسمع.
تهز راسها، تسأل سؤال بسيط،وتراقبه في نفس الوقت.
لون وشه، حركته، تنفسه.
جزء منها صوفي اللي بتسمع صديقها، وجزء تاني دكتورة
مستعدة في أي لحظة
لو الحرارة عليت
أو التعب رجع.
وقعدوا كده…
هو بيتكلم،
وهي سامعة.
______
بينما كان معاذ غرقان في سخطه، عينه ثابتة على الدفتر
كأنه عدو شخصي، دفتر ما بيقولش غير حاجة واحدة:
إيه اللي راح…
وإيه اللي ما بقاش في إيده.
كان حاطط إيده على راسه،
نَفَسه تقيل، مايل لقدّام كأنه شايل الحمل كله لوحده.
على الناحية التانية، صوفيا كانت قاعدة على الكرسي الخشب، لمّت رجليها على صدرها،سندت دقنها على ركبتها،
وعينيها مش عليه…
على الفراغ. عينين تعبانة،بس واعية.
هادية…
بس بتشوف.
وساعتها، من غير ما تبصله،
قالت بصوت واطي اوي،
كأنها بتكلم نفسها
"تعرف يا معاذ… إحنا في الطب بنتعلم إن الجسم
لما بيفقد عضو، بيشغّل الحواس التانية بضعف قوتها
عشان يعرف يعيش.يمكن المشكلة إنك لسه بتتعامل مع بيت عمي كأنه أسطول عربيات…
رغم إنه عمره ما كان كده.
هو كان كلمة مسموعة، وثقة في القرية.
العربيات حديد، إنما الاسم…
هو اللي بيحرّك الحديد."
الكلام وقع عليه
مش زي صاعقة…
لا.
زي مفتاح.
وفجأة...
"آه!"
صرخة خرجت من معاذ خلّت صوفيا تكاد تقع من الكرسي.
سميرة طلعت جري من المطبخ
"في إيه؟!جرالك حاجة؟! "
بسمة ظهرت من الأوضة، وشها شاحب
" ابيه ؟!"
قلب الأم كان هيقف، حرفيًا.
لكن…
اللي شافوه ما كانش ألم. كان ابتسامة.
ابتسامة واسعة، مجنونة، ابتسامة واحد
لقى الطريق بعد ما كان تايه.
معاذ مسك راسه بإيديه، ضحك ضحكة قصيرة،
وقال بنبرة ملهوفة
"لا… لا لا…أنا لقيتها.أنا… لقيت الحل."
سميرة وبسمة بصّوا لبعض ومش فاهمين حاجة.
بسمة قالت بحذر
"حل إيه يا ابيه؟ إنت تعبان..."
قاطعها وهو بيقوم فجأة
"مش مهم تفهموا دلوقتي، المهم إني لقيته."
لفّ ناحية صوفيا. وقرب منها خطوتين.
وحط إيديه الاتنين على كتافها. صوفيا رفعت راسها ببطء،
عينيها متوسعة بدهشة. قال وهو بيبص لها مباشرة
"إنتي… إنتي السبب."
سكت ثانية، وبنبرة كلها امتنان
"لو ما كنتيش قلتي الكلمتين دول…كنت لسه واقف قدّام الدفتر بندب."
قبل ما حد يلحق يسأل، كان خطف معطفه،لبسه بسرعة،
وقال وهو خارج
" يلا نشوف بعض في ساعة الخير "
والباب اتقفل وراه. فضلت صوفيا مكانها،
مش فاهمة بالظبط هو قصد إيه.
بس في حاجة تانية
ما قدرتش تتجاهلها…
قلبها. كان بيدق بسرعة مش طبيعية.
كأن الكلمة
اللي حرّكت فكر معاذ
حرّكت فيها حاجة هي كمان.
الحل اللي لمّع في دماغ معاذ كان بسيط… وجريء:
هو مش محتاج عربيات.
هو محتاج اسم ابوه
تجارة من غير أصول. بدل ما يفضل متحسر
على العربيات اللي راحت، هيستغل اللي لسه موجود:
تجميع الطلبات – مش البضاعة
الناس في القرية كل واحد بيشتري لوحده
وبسعر غالي معاذ هيجمعهم.
يقول لهم:
"إدوني طلباتكم، وأنا أجيبها لكمبسعر المصنع."
ثقتهم؟
في اسم أبوه.
تأجير المجهود… مش الامتلاك
مش معاه عربيات؟
ولا يهمك.
في القرية في ناس عندها عربيات بس مفيش شغل.
هو ياخد الطلبات، يروح المدينة بعلاقاته القديمة، يأجر عربية بنسبة من الربح
أو دفع مؤجل.
قلب الدفتر
الدفتر اللي كان ديون؟
هيقلبه:
صفحة طلبات أهل القرية
صفحة موردين المدينة
صفحة أرباح
واحدة واحدة
ليه الخطة دي عبقرية لمعاد؟
لأنها:
من غير رأس مال تعتمد على عقله
وعلى اسمه وعلى خبرته…
حتى فشله
والأهم؟
هو تعبان. وده شغل يعتمد على المكالمات
والتخطيط مش المجهود.
وكل ده…
ابتدى بجملة قالتها صوفيا من غير ما تقصد
تنقذ بيها حلم كامل.
______
عدّوا يومين من آخر مرة صوفيا كانت في بيت معاذ.
يومين أخبارُه فيهم شبه مقطوعة…
غير شوية جُمل سريعة من بسمة
«مشغول… بدأ يطبّق الخطة… بابا وافق… الدنيا اتحركت».
والدنيا فعلًا اتحركت.
صوفيا كانت ماشية في شوارع القرية بملل،
خطواتها بطيئة، إيديها في جيوب معطفها،
وعقلها مشغول على غير عادته…
بيسرح في حد مفروض ما يهمهاش بالشكل ده.
وفجأة...
اتقاطع طريقها بعمر.
كان شايل كيس صغير في إيده،
واضح إنه راجع من المكتبة الصغيرة عند طرف القرية.
ابتسمت تلقائي.
"إزيك يا عمر؟"
ابتسم هو بهدوء المعتاد،الابتسامة اللي دايمًا شكلها خجول شوية.
"كويس… الحمد لله."
وقفوا لحظة، كلام بسيط، لا زيادة ولا نقصان.
وبعدين قال كده على الهامش، كأنه خبر عادي جدًا:
"آه… بالمناسبة، أنا قابلت معاذ من شوية."
عينين صوفيا برقوا فورًا.
"ها؟! فين؟"
عمر استغرب حماسها المفاجئ،
بس رد
"في نص القرية…كان واقف مع شوية ناس،
واضح إنه بيبدأ شغل جديد.بصراحة ما فهمتش الفكرة اوي،
بس باين عليه مركز ومتحمس."
قلب صوفيا دق.
يعني بدأ…
يعني ما كانش كلام وخلاص.
للحظة، كانت ناوية تعمل نفسها مش مهتمة،تومئ،
وتكمّل طريقها.
بس فجأة...
من غير تفكير...
لسانها سبق عقلها
"ممكن… تاخدني هناك؟"
عمر رمش، اتلخبط شوية.
"دلوقتي؟"
بس قبل ما يستوعب، كانت صوفيا ماسكة دراعه بالفعل،
وشدّاه معاها.
"يلا."
وعمر؟
مشي.
ببراءة كاملة،
وهو أصلًا كان ناوي يرجع البيت يكتب شوية،
لقى نفسه بيتسحب في اتجاه تاني خالص،
من غير ما يفهم ليه.
من بعيد،
بان المشهد.
معاذ كان واقف وسط دايرة صغيرة من الرجالة،
صوته عالي، إيديه بتتحرك، بيشرح،يرسم بخياله قبل ما يرسم بالكلام.
كانت دي روح الأعمال.
واضحة.
حاضرة.
وشه؟
شاحب شوية…
أثر التعب لسه عليه.
لكن الابتسامة؟
كانت منورة وشه الوسيم،الوش اللي دايمًا كان معتز بيه،
حتى في أصعب أيامه. صوفيا وقفت بعيد،
بتراقب. حست بحاجة غريبة.
شدّة في صدرها.
دفا في وسط البرد.
إيه الإحساس ده؟
هي شافته قبل كده كتير…
مش أول مرة.
أخدت نفس عميق، وهزّت راسها،كأنها بتطرد فكرة ملهاش حق تقعد.
كانت هتتقدم…
لكن فجأة، وا حد من الرجالة اتحرك خطوة، بانت هي.
ست شابة. واضح من أول نظرة إنها مش من القرية.
ستايلها مختلف، أكاديمي، غامق، كأنها طالعة من صورة قديمة لطلبة جامعة عريقة.
معطف طويل رمادي غامق، قصة كلاسيك، كتافه محددة.
تحته قميص أبيض بياقة بارزة، وفوقه كنزة صوف بني محروق بجدائل. بنطلون بني شوكولاتة بخصر عالي،
وحزام أسود بسيط. قبعة بيريه بني، نضارة طبية بإطار أسود دايري، وشنطة سودا كبيرة شكلها فينتاج
شعرها داكن، طويل، بغُرّة خفيفة،وويفي ناعم.
واقفة قريبة من معاذ.
قريبة…
زيادة عن اللزوم.
صوفيا ما عرفتهاش.
ومن شكلها؟
أكيد مش من القرية.
بس…
هما ليه واقفين قريب كده؟
وليه هو باصصلها بالشكل ده؟
قَصّت شفايفها باستنكار، وقبل ما تلحق تمنع نفسها،
شافتهم…
بيضحكوا.
ضحك واضح. مريح. صدرها اتشد.
إحساس مزعج، غبي، مش منطقي.
عمر كان واقف جنبها،
مش حاسس إن في هالة غريبة حواليها، توتر صامت.
سؤال واحد واقف على طرف لسانه:
نروح له ولا لأ؟
بس ما سألش.
صوفيا كانت هترجع خطوة لورا، تهرب.
لكن…
ما قدرتش.
شدّت دراع عمر أكتر، وتقدمت.
"تعالى."
وعمر؟
مشي معاها. زي ما هو دايمًا، طاوع الصمت، وتبعها،
وهو مش فاهم حاجة…
غير إن قلب صوفيا
واضح إنه مش في مكانه.
______
وقفوا قدّامهم فجأة.
معاذ اللي كان بيتكلم ويضحك مع البنت انتبه،
ابتسامته هدِت شوية وهو بيبص لصوفيا وعمر باستغراب واضح.
"إنتوا؟!"
صوفيا ما بصّتش على البنت…
ولا حتى بصّت له هو في الأول.
حاجة غريبة، كأنه عينيها رافضين الصورة كلها.
قالت بسرعة، وبنبرة حاولت تخليها عادية
"أنا كنت مع عمر…شفناك هنا بالصدفة فقلنا نعدّي نطمن."
عمر؟
ما فهمش حاجة.بس أومأ وخلاص.
"آه… صدفة."
لحظة صمت قصيرة.
بعدها صوفيا رفعت راسها أخيرًا،وبصّت لمعاذ.
"طمنّا… الأحوال إيه؟"
نبرتها كانت حذرة،محسوبة،كأنها ماشية على أرض تلج.
لكن اللي حصل بعدها…
وقعها حرفيًا.
ابتسامة معاذ اتسعت.مش ابتسامة مجاملة. ولا ابتسامة دفاع. دي ابتسامة حد مبسوط بجد.
وشه نور،وعينيه لمعت،
وقال بحماس واضح
"الدنيا ماشية أسرع مما توقعت!بابا وافق رسمي على الخطة،وبدأنا فعليًا نجمع الطلبيات. النهارده لوحده عندي خمس تجار من القرية كتبوا احتياجاتهم،
وتلات عربيات اتفقنا عليها للإيجار بنِسَب مش فلوس جاهزة."
وقف لحظة ياخد نفس،
وبعدين كمّل
"كلمت اتنين موردين من المدينة، واحد في الأجهزة،
وواحد في الأقمشة. الأسعار أقل بكتير، ولأول مرة…
حاسس إن الدفتر ده"
وأشار للورق اللي في إيده
"مش بيحاسبني…حاسس إنه بيشتغل معايا."
صوفيا كانت سامعة.وبتبلع ريقها بالعافية.
هو كان دايمًا كده؟
سألت نفسها.
ولا أنا اللي أول مرة أشوفه؟
الإحساس ده…
اختفى فجأة لما قال
"آه… على فكرة، دي رؤية."
وأشار للبنت.
صوفيا بصّت لها أخيرًا.
معاذ كمّل
"كنا بندرس سوا في نفس الجامعة."
رؤية بصّت له وابتسمت بمزاح
"مع إنه أكبر مني، يعني."
ضحك معاذ.
"أكبر منها فعلًا…بس نعرف بعض من أيام الجامعة."
وبصراحة تامة، قال
"وأنا بفكر أطلب مساعدة مين في التنظيم القانوني،
أول اسم جه في دماغي كان رؤية.
هي شاطرة جدًا في الحتة دي،وفكرتي عجبتها."
وبحماس أقل، بس واثق
"ممكن تكون الشريكة اللي تخلّي المشروع ده واقف على رجليه صح. مش بس فكرة…كيان."
صوفيا سكتت.
وفي جواها فكرة صغيرة مزعجة:
بس هي مش صغيرة اوي؟
رؤية، كأنها قرت السؤال،اتكلمت بثقة هادية:
"أنا هنا بُمثّل بابا.أول ما عرف إن المشروع من القرية…
وافق فورًا.هو دايمًا معتز بأصله."
صوفيا رفعت حاجبها
"أصله؟"
عمر كمان باين عليه الحيرة.
معاذ ابتسم، وبصّ لرؤية بنظرة مختلفة شوية.
"إحنا مش لوحدنا اللي لينا أصل هنا.رؤية كمان."
رؤية كمّلت
"أنا اتولدت هنا. بس بابا شغله وطموحه خلّانا ننتقل المدينة وأنا صغيرة. بس…لسه فاكرة النقال."
قلب صوفيا نط.
نقال؟
يعني…
يعني ممكن؟
لحظة خاطفة عدّت في دماغها
الصورة القديمة…
الأطفال…
الذكريات.
مش معقول؟ البنت اللي في الصورة هي ...هي رؤية!
معاذ قال وهو بيشير لهم
"آه، وده عمر صاحبي…كاتب."
عمر ارتبك شوية.
"أه… تشرفت."
"ودي صوفيا… دكتورة شاطرة بجد !"
المصافحة حصلت. إيد في إيد. ابتسامة مهذبة.
نظرة سريعة.
وفجأة، حد نادى على معاذ من بعيد.
"معاذ!"
تنهد.
"لازم أتحرك."
رؤية ابتسمت لصوفيا وعمر
"تشرفت بيكم."
وبعدها…
مشت.
مش وراه.
لا.
مشت جنبه.