ظلال لا تتكلم - على حافة الماء - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: ظلال لا تتكلم
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: على حافة الماء

على حافة الماء

نهر التايمز في الليل لا يشبه ماءً… يشبه مرآة قُطعت نصفين. المدينة على الضفة الأخرى كانت تبدو كذكرى لا يريد أحد تذكّرها، والسفن الراسية تتحرك ببطء كأنها تحلم بشيء لا يحدث. وقف الضابط قرب الشريط الأصفر، وأشار بيده دون كلام. نزل سوريال الدرج الحجري المؤدي إلى الضفة، في المكان الذي تلتقي فيه رائحة الطين برائحة الحديد والبرد. كان الهواء ثقيلاً، وكأن النهر نفسه يحتفظ بأسراره في صدره. الجثة كانت مستلقية على الظهر. العينان مفتوحتان على اتساعهما، لا على الخوف… بل على شيء يشبه الدهشة المتأخرة. كأن الرجل لم يفهم إلا في اللحظة الأخيرة أن ما يحدث حقيقي. لم يقترب سوريال فورًا. وقف على مسافة قصيرة، كمن يستمع لا كمن ينظر. سأل الطبيب الشرعي بنبرة عملية: – «انتحار؟» – «ربما. لا آثار عراك. لا بصمات واضحة. لكنه…» تردّد قليلاً ثم أكمل: – «كان بإمكانه النجاة لو أراد. لم يقاوم.» هذه الجملة أثارت اهتمام الجميع إلا شخصًا واحدًا — سوريال. هو لم يظهر الاهتمام عندما يكون مهتمًا فعلاً. انخفض قليلًا ونظر إلى يد الرجل اليمنى. كانت القبضة منغلقة، كأنها رفضت أن تموت معه. قال بهدوء: – «افتحوها.» فتحوها بحذر. داخلها ورقة صغيرة مطوية بإتقان شديد، كما لو أن صاحبها لم يكن يموت، بل كان يحل لغزًا حتى اللحظة الأخيرة. أخذ الضابط الورقة، لكنه لم يفتحها. نظر إلى سوريال ثم ناوله إياها بصمت، كمن يسلم شيئًا إلى الشخص الوحيد الذي يجب أن يقرأه. فتحها سوريال. ثلاث كلمات فقط: «لم يكن اختياري.» لم يتغير شيء في وجهه. لكن شيئًا في الجوّ تغيّر؛ كأن النهر نفسه اقترب ليستمع. قال الضابط: – «الرسالة الأولى تقول إن الاختيار قيد… وهذه تقول إنه ليس اختياري. شخص ما يدفعهم لاتخاذ قرار… ثم يجعلهم يعتقدون أنه قرارهم.» لم يعلّق سوريال. كان ينظر إلى الجثة كما ينظر شخصان يعرفان بعضهما منذ زمن بعيد ولا يريدان الاعتراف بذلك أمام الآخرين. اقترب أكثر. لاحظ شيئًا لم يلتفت إليه أحد: حلقة رفيعة من التراب الجاف حول الخاتم في إصبعه، رغم أن المكان كله مبتل. قال: – «هو لم يسقط هنا.» التفت الجميع نحوه. – «جُلب إلى هنا بعد أن انتهى كل شيء. المكان الذي مات فيه كان جافًا. هنا فقط… تم تقديمه للنهر.» سكت لحظة، ثم أضاف بنبرة أكثر هدوءًا: – «وهناك شخص ما، كان حريصًا جدًا على أن يبدو الأمر وكأنه اختيار شخصي.» رفع الضابط حاجبيه: – «منظمة؟» لم يجب سوريال مباشرة. نظر إلى الماء، وانعكاس المصابيح المرتجف فوقه، وقال كأنه يحدث نفسه: – «هناك أنواع من القتلة لا يمسكون بالسكاكين… يمسكون بالأفكار.» ثم التفت إلى الضابط: – «أحتاج غرفته. دفاتره. كتبه. الرسائل التي لم يرسلها. والمكان الذي كان يذهب إليه دائمًا ولا يتحدث عنه لأحد.» – «كيف عرفت أن هناك مكانًا كذلك؟» لم يبتسم. لم يتفاخر. قال ببساطة: – «كل إنسان يذهب إلى مكان واحد ليكون الشخص الذي لا يتحمله الآخرون.» ترك الجثة خلفه وصعد الدرج دون أن ينظر للخلف. في أعلى السلم، أوقفه مشهد بسيط: طفل صغير يمسك بيد أمه وينظر إلى الشريط الأصفر بإصرار لا يناسب عمره. التقت عيناه بعيني الطفل لثانية… طويلة بما يكفي. ثم تابع السير. في الطريق، كانت لندن لا تزال مغطّاة بالضباب، لكن شيئًا آخر بدأ يتشكل: ليس جريمة فقط… بل دعوة. وفي مكان ما تحت الأرض، في قاعة مضاءة بشموع كثيرة، وقف أشخاص بوجوه لا تُرى بوضوح. كان صوت رجل يتكلم ببطء: – «الاختبار الخامس نجح. بقي الاسم الأخير في القائمة.» ثم رفع بطاقة سوداء عليها حرف واحد فقط: S لم يذكروا اسمه. لم يكونوا بحاجة لذلك. المدينة تعرفه. والنهر أيضًا.