ظلال لا تتكلم - ضباب يمشي على قدمين - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: ظلال لا تتكلم
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: ضباب يمشي على قدمين

ضباب يمشي على قدمين

لم تكن لندن تلك الليلة مدينةً… كانت صوتًا منخفضًا يمشي بين الأبنية. الضباب لم يغطِّ الشوارع فحسب، بل تسلل إلى العقول أيضًا، وجعل كل شيء يبدو وكأنه فكرة غير مكتملة. المصابيح القديمة المعلقة على الجدران كانت تحاول أن تشرح شيئًا للنار، لكن الضوء نفسه بدا متعبًا. على نافذة في الطابق الثاني من مقهى صغير، جلس شاب لا يحب التقديمات الطويلة. اسمه: سوريال. من النوع الذي يدخل المكان كما يدخل الصمت إلى غرفة مزدحمة؛ لا يلاحظه أحد في البداية، ثم يدرك الجميع أن شيئًا تغيّر. لم يكن يفعل شيئًا لافتًا: كوب شاي أمامه، كتاب مغلق إلى جواره، ويداه متشابكتان بلا توتر. لكن عينيه… كانتا تعملان طوال الوقت. كان يراقب الناس في الخارج كما لو أنهم معادلة تحتاج إلى حل: الرجل الذي يسير بسرعة لأنه يفكر في شيء لا يريد التفكير فيه، المرأة التي توقفت أمام واجهة المحل ليس لأنها مهتمة بالبضاعة، بل لأنها لا تريد العودة إلى البيت بسرعة، والطفل الذي يركض وراء حمامة، ويشبه المستقبل حين يطارد شيئًا لا يعرف لماذا يطارده. لم يكن سوريال يتكلم مع أحد. الكلمات بالنسبة له ليست وسيلة للتواصل، بل جهازًا حساسًا يجب استعماله بحذر شديد. فتح باب المقهى ورنّ الجرس المعلق فوقه رنينًا قصيرًا. لم يلتفت. هو لا يحتاج إلى النظر كي يعرف من دخل. صوت الخطوات كان كافيًا. ثقيل قليلاً… معتاد على الأرض أكثر مما ينبغي. جلس الرجل أمامه دون أن يسأل إن كان الكرسي شاغرًا. قال بصوت هادئ كمن يضع ورقة أخيرة في لعبة طويلة: – «لدينا قضية.» وضع الضابط معطفه جانبًا، ونظر إلى الشاب أمامه كمن ينظر إلى أداة يعرف خطورتها ولا يعرف بديلًا عنها. سأل سوريال دون أن يغيّر ملامحه: – «موت؟» – «نعم. رجل على ضفة النهر. بدا الأمر في الظاهر كأنه انتحار… لكنه ليس كذلك.» لم يطلب تفاصيل. لم يبد اهتمامًا. ومع ذلك، بدا وكأنه يسمع شيئًا لا يسمعه أحد غيره. أخرج الضابط ورقة صغيرة مطوية بعناية، ووضعها في منتصف الطاولة كما تُوضع قطعة الشطرنج الأخيرة في المباراة: – «هذه هي المشكلة.» فتح سوريال الورقة. الخط كان مضطربًا، لكنه صادق بشكل مزعج: «كانوا يقولون إنّني حرّ. لم يخبرني أحد أن الاختيار يمكن أن يكون قيدًا.» لم يحدث شيء في وجهه. لكن شيئًا ما حدث في عينيه؛ توقفتا لحظة كأنهما تذكرتا مكانًا تعرفه جيدًا. قال الضابط: – «هذه ليست الرسالة الأولى. أربع حالات في الأشهر الأخيرة… جميعها رسائل بلا عنوان، بلا مخاطَب. فقط كلمة مشتركة بينهم جميعًا: الاختيار.» الاختيار. الكلمة سقطت في داخله كما تسقط حجر في ماء لا يراه أحد. لم يقل: «تذكرت شيئًا». لم يقل: «هذا يؤلمني». هو لا يقول هذه الأشياء. قال فقط بصوت منخفض: – «ومن يقف خلف هذا؟» – «هناك حديث عن جماعة لا تحب الظهور. لا اسم واضح. لا شعار. فقط طقوس، واختبارات قاسية… يضعون الإنسان أمام نفسه، ثم يتركونه ينهار وحده.» ظل سوريال ينظر إلى الرسالة. لم يعد يرى الحروف. كان يرى شيئًا آخر لا نراه نحن. سأل الضابط بنبرة أرادت أن تكون عادية ولم تستطع: – «هل ستساعدنا؟» رفع سوريال رأسه أخيرًا، ونظر إلى انعكاس وجهه في الزجاج؛ وجهه بدا غريبًا وكأنه لا ينتمي له تمامًا. قال بهدوء لا يوحي بقرار ولا بتردد: – «سأبحث عن الشخص الذي جعلهم يكتبون هذا… وليس عن الذي مات.» لم يفهم الضابط قصده، لكنه لم يسأل. في الخارج، مرّت عربة بطيئة، وارتفع الضباب كأنه يتنفس. وفي مكان آخر من المدينة، في غرفة لا نافذة لها، وُضعت شمعة فوق طاولة خشبٍ قديم. على الجدار المقابل، كانت هناك ورقة واحدة مثبتة بدبوس أسود، عليها اسمٌ كُتب بحبرٍ ثقيل: «سوريال» وتحت الاسم، سطر قصير: «الدور التالي.» كان الضباب يبتسم تلك الليلة. والمدينة — كما اعتادت — لم تقل شيئًا.