الجزء الخامس عشر: غرفة الصدى
الجزء الخامس عشر: غرفة الصدى
"هناك عُرف لا ينعكس فيها الصوت لأنه يُدفن".
في صباح اليوم التالي، تلقى حوجن اتصالًا غريبًا من رقم مجهول، وصوت رجل مبحوح يقول:
"ما رأيك في المركز... لا تكتبه في تقاريرك، سندفن معهم، يا حوجن".
ثم قُطعت المكالمة.
جلس حوجن أمام المكتب في بيته، ينظر إلى خريطة علقها منذ بداية التحقيق.
خيوط كثيرة ، لكن مركز النور كان القلب الذي يتوسطها
جميعها إذا، خلف كل ما فعله الرسام ، هناك مختبر مظلم لصناعة الألم...
وكان الطبيب كريم هاني هو رئيسه.
لكن من هو الرجل الذي هدّده الآن؟
هل هو جمال ، الابن المريض؟
أم أحد رجال الطبيب الذين ما زالوا يتحركون في الظل؟
وفي الوقت ذاته كانت لارين الجارحي في منزل خالتها، تحت حماية مشددة.
لكن منذ عودتها، كانت ترسم... بلا توقف.
ليس لوحات، بل رموز.
رموز متكررة: دائرة سُوداء يخرج منها ذيل ملتف.
فسرها يامن لاحقا:
"هذا الرمز ظهر في عدة ملفات طب نفسي سرية، كان يُستخدم للدلالة على برنامج تجريبي اسمه "الصدى العكسي".
برنامج هدفه إعادة برمجة المصابين باضطرابات ما بعد الصدمة عبر تمريرهم لما يُسمى "غرف الصدى".
"وغرف الصدى"... كانت عبارة عن حجرات تُبث ، فيها أصوات عشوائية، صراخ بشري، ونصوص مكررة ليلاً تُعاد ونهارًا.
لارين لم تنسَ.
هي كانت ضحية تلك الغرفة.
وفي أحد رسومها، كتبت بخط متقطع:
"هو لم يتركنا نخرج... قال إن من يخرج دون نسيان، يعود قاتلاً"
حوجن نظر إلى العبارة وكأن أحدًا سكب الثلج في دمه.
من خرج من الغرفة إذًا؟
ومن لم ينسَ؟
وفي تلك الليلة، عُثر على جثة "محمد علي"، أحد الأطباء النفسيين المتقاعدين، مشنوقًا في شقته...
الغريب في الأمر؟
إن الرسام لم يترك لوحة هذه المرة.
بل وجدوا حائطًا محفورًا عليه بمسمار صدئ:
"هذا لم يكن انتقامًا، هذا كان تذكيرًا"
فقط.
تحقيقات حوجن قادته إلى ممرضة كانت تعمل سابقًا في المصحة التي ظهرت فيها لارين.
اسمها: جيني كلاود
تعيش في حي قديم، وتبدو مصابة برهاب اجتماعي.
عندما زارها حوجن، رفضت التحدث في البداية، لكن عندما قال لها:
"لارين ما زالت حية"،
فتحت فمها لأول مرة.
وبصوت راجف،قالت:
"كانوا أطفالاً...خمسة أحضروا من ملجئ مغلق، وقالوا لنا إنهم مشروع إصلاح.
لكنهم... لم يعودوا أنفسهم بعد تلك الغرف".
حوجن سألها:
"من خرج؟"
قالت:
"كلهم خرجوا... لكن فقط واحد منهم... لم يتكلم أبدًا.
كان اسمه: سامر".
حوجن عاد إلى ملفاته، لم يكن هناك "سامر" ضمن المشتبهين.
لكن في قائمة ضحايا الرسام، هناك ضحية واحدة لم تُعرف هويتها أبدًا.
شاب عشريّ، ووجه مشوّه تمامًا، لكن على صدره وُجد وشم قديم:
دوامة تخرج من عين.
رمز "غرفة الصدى".
وقبل أن يغادر المكتب...
ظرف جاءه بريدي بلا طابع.
في داخله شريط كاسيت، وعلى الغلاف، مكتوب بخط منكسر:
"إن أردت أن تسمع ما لم يُرى... فلتشغلني في العتمة"
حوجن شغل الشريط في المسجل القديم في منزله، وبدأ يسمع... همسات أطفال، صراخ فتاة، وصوت رجل مُكرّر.
"هل أنت نفسك؟
من أنت الآن؟
من أنت الآن؟
من أنت الآن؟"
وفجأة... صوت أنثوي انفجر:
"أنا الرسام"..
أنا من مات ولم يُدفن.
أنا من لم يُغلق الباب خلفه في الغرفة.
ثم....صرخة مدوية تلتها دقيقة كاملة من الصمت.
وأخيرًا....في نهاية الشريط، صوت مختلف.
هادئ... لكنه يقطع القلب.
"أيها المفتش... لم أقتلهم وحدي.
بل قتلني معهم كل مرة.
وها أنا... أعود لأن الغرفة لم تُغلق بعد".
رفع حوجن رأسه، وعيناه ثابتتان على الظلام في زاوية الغرفة.
الغرفة تنبض...
تلك لم تكن شريطًا فقط، كانت نافذة... فُتحت.