في طَريقِ الخَيلِ و الخَيالِ - الفصل 5 - بقلم ســوريــــا | روايتك

اسم الرواية: في طَريقِ الخَيلِ و الخَيالِ
المؤلف / الكاتب: ســوريــــا
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 5

الفصل 5

جلس سالم خلف مكتبه الكبير متكئًا على مسنده الخشبي العتيق، عيناه غارقتان في الفراغ، و صدره يعلو ويهبط بأنفاس ثقيلة. كان كل شيء من حوله ساكنًا إلا فكره، يتصارع بين الغضب و الخذلان. لم يعد أمامه خيارات كثيرة، فحفيدته رهف أصبحت خارج الحسابات بعد أن عقد والداها قرانها سرًا دون علمه، فقط ليحمياها من الزواج الذي قرره هو. تذكر المشهد منذ ساعات قليلة و كأنه يحدث أمامه من جديد. كان قد اقتحم غرفة ابنه ماجد بعصبية لم يخفها، صوته يهدر في أرجاء المنزل و هو يصرخ: "أحقًا فعلتم هذا دون إذني؟ كيف تجرؤون؟!" كان ماجد يحاول التحدث، بينما سلوى تحاول تهدئته، لكن كلماتهما كانت كالشرر على وقود غضبه. "عقدتم قرانها على ابن أختك لتتحدوني؟!" رد ماجد بارتباك "لم أفعل هذا لأتحداك يا أبي، فعلته لأحمي ابنتي من قرار ظالم..." قاطعه سالم بصوت مرتفع "بل عصيت أمري يا ماجد! من يعصَ أمري لا مكان له في هذا البيت!" نظر إليهم للحظة طويلة، ثم أشار بيده نحو الباب دون تردد: "غادروا الآن... خذ زوجتك و ابنتك و ارحلوا من هنا قبل أن أفقد صبري أكثر." لم يجرؤ أحدهم على الرد، و كل ما كان يسمعه بعد ذلك هو وقع خطواتهم تغادر القصر و صداه الذي ظل عالقًا في الجدران كأنها تنزف من ثقل الصمت. الآن، عاد سالم إلى مكتبه محاولًا جمع شتات قراره. لم يكن أمامه سوى طريق واحد، و إن لم يكن سهلاً. رفع الهاتف الموضوع أمامه و اتصل بابنه الآخر، باسل. بصوت متعب لكنه لا يزال يحمل صرامته المعتادة قال "باسل، أريدك أن تأتي إلى المكتب و معك ابنتك... علينا التحدث في أمرٍ لا يحتمل التأجيل." أغلق الهاتف، و أسند رأسه إلى الكرسي، يغمض عينيه للحظة كمن يستعد لمعركة جديدة. كان يعلم أن ما سيقوله سيقلب حياة حفيدته الثانية رأسًا على عقب، لكنه لم يعد يرى في الأمر سوى خيارٍ واحدٍ لا بد منه. فالصلح الذي بدأ بهدوءٍ لن يكتمل إلا بزواجٍ يُثبت الولاء... حتى لو كان على حساب قلب فتاة أخرى. بعد مدة دخل باسل إلى مكتب والده بخطوات مترددة، و ابنته تسير خلفه بصمت، تنظر إلى المكان و كأنها تشعر أن هذا الاستدعاء ليس عابرا. توقفا أمام المكتب، فرفع باسل نظره إلى سالم و قال بتساؤل صريح "ما الأمر يا أبي.. لماذا طلبت حضورنا" أشار سالم بيده إلى الكراسي أمامه و قال بصوت منخفض لكنه حازم "اجلسا أولا" جلسا، و ساد صمت ثقيل للحظات قبل أن يتنفس سالم بعمق ويقول "باسل.. ماجد رحل" تجمد باسل في مكانه و نطق بدهشة "رحل؟ إلى أين؟ و لماذا؟" أجابه سالم دون أن يشيح بنظره عنه "طردتهم من القصر يا باسل" اتسعت عينا باسل بصدمة أكبر و قال "ماذا لكن لماذا؟" بدأ سالم يسرد ما حدث منذ لحظة اكتشاف زواج رهف السري و حتى قراره بطرد ابنه من القصر، و باسل يستمع بصمت ثقيل، و مع كل كلمة كان الفهم يتسلل إليه ببطء حتى أدرك سبب وجوده هنا. التفت إلى ابنته بنظرة حزن خالصة، بينما كانت هي تستمع بوجه مشدوه لا يفهم تماما ما يدور حوله. قال باسل أخيرا بصوت خافت يحمل ما لا يريد قوله "هل هيا هي المطلوبة الآن" رد سالم ببرود قاطع "الثأر لن ينتهي إلا بها" ارتجفت هيا في مكانها، لم تفهم معنى الكلمات تماما لكنها شعرت أنهم يتحدثون عنها كشيء يُقرر مصيره دون أن يُسأل. سمعت والدها يقول بنبرة اختلط فيها القلق بالعجز "أبي هيا لن تتحملهم أنت أدرى بها كم هي حساسة و لا أرى أنهم سيعاملونها معاملة حسنة" أجابه سالم بثقة لا تعرف الرحمة "سيفعلون لاحقا.. البدايات دائما صعبة" حاول باسل التمسك بآخر خيط و قال "ألا يمكنك تزويج إحدى بنات نجلاء" نظر إليه سالم بحدة و قال "بنات نجلاء لسن من العائلة.. ثم هل تعارضني أنت أيضا" هز باسل رأسه بسرعة و قال "كلا يا أبي لكني أخاف عليها" طال الحوار بينهما و تشابكت الكلمات بين خوف أب و سلطة جد لا يتراجع، و في النهاية خرج باسل من المكتب و هو يشعر أن شيئا انكسر داخله، فقد أُجبر أن يتخلى عن ابنته الوحيدة، بينما سارت هيا خلفه بصمت ثقيل غير مدركة بعد أن حياتها بدأت تنحرف إلى طريق لم تختَره أبدا مر أسبوع ثقيل مر كأنه عام كامل، أسبوع امتلأت أيامه بالتحضيرات و الهمس و الوجوه المتعبة، تُجهَّز فيه العروس لزواج لم يكن من اختيارها. كانت ليندا *أمها* تبكي بحرقة و هي تجمع أغراض ابنتها قطعة قطعة، يداها ترتجفان و دموعها لا تجف، تحاول أن تخفي انكسارها كلما دخل أحد الغرفة، لكنها ما إن تختلي بنفسها حتى ينهار صبرها و تضم ثوب ابنتها إلى صدرها كأنها تودع طفلتها لا عروسًا. أما باسل، فكان يقف في الجهة الأخرى من الصورة، يظهر للناس أبًا فخورًا يحتفل بابنته و يبتسم للضيوف، بينما الحزن في داخله يتضاعف بصمت، يعرف أنه خذلها حين عجز عن حمايتها، لكنه لم يملك الشجاعة الكافية ليقف في وجه والده. لم يبخل عليها بشيء، و كأن إسرافه في التجهيز كان محاولة بائسة للتكفير عن ذنب لا يغتفر. شهد أهل المنطقة جميعهم أن ذلك الزفاف كان الأكبر و الأفخم الذي عرفته البلدة، الأضواء ملأت المكان، و الولائم امتدت بسخاء، و الأحاديث دارت بإعجاب لا ينتهي، لكن خلف كل هذا البذخ كانت هناك عيون دامعة و قلوب مثقلة تعرف أن هذا الفرح لا يشبه الفرح، و ان العروس التي يباركون لها كانت تُساق إلى مصير لم تختَره، تحت ستار زفاف يلمع من الخارج و يخفي وجعا لا يراه أحد و بعد أن انتهى حفل الزفاف أخيرا و خفتت الأصوات و تفرقت الجموع حان الوقت الذي كانت تخشاه منذ البداية ستلتقي بعريسها لأول مرة تحركت إلى الأمام بخطوات بطيئة و يدها ترتجف داخل يد والدها و الطرحة البيضاء تخفي ملامح وجهها بينما تحتها كانت الدموع تنهمر بصمت لا يسمعه أحد كانت تسير و كأنها تُسلَّم إلى قدر لا تعرف ملامحه و لا ترحم قسوته توقفت حين شعرت بيد والدها تشد على يدها للمرة الأخيرة ثم تنفلت منها لتستقر في يد أخرى غريبة عنها تماما في تلك اللحظة انحنى باسل قليلا و صوته مكسور و هو يقول "أستودعك ابنتي.. أمانة في عنقك اعتن بها.. و لا تظلمها" بقيت هيا واقفة برأسها المنحني و قلبها يخفق بعنف لا ترى من يقف أمامها و لا تعرف كيف يبدو فقط تشعر بثقل اليد التي أمسكت بها و بأن حياتها كما عرفتها انتهت عند تلك اللحظة لتبدأ صفحة جديدة كتبت بغير إرادتها و دموعها ما زالت تنساب بصمت خلف الطرحة البيضاء أما الآن فقد سحبتها يد ذلك الشخص بهدوء حاسم، فتح بيده الأخرى باب السيارة فدخلت دون مقاومة، و كأنها فقدت القدرة على الاعتراض منذ وقت طويل، ثم أغلق الباب لتبتعد السيارة عن الأضواء و الضجيج الذي تركته خلفها. جلست في المقعد المجاور، رأسها منخفض و طرحتها ما زالت تخفي وجهها، أنفاسها متقطعة و قلبها يخفق بخوف صامت. ركب عريسها خلف المقود و أدار المحرك، فانطلقت السيارة تشق الطريق في صمت ثقيل، لم ينطق بكلمة واحدة ولم يلتفت نحوها، و كأن هذا الصمت كان جزءا من الاتفاق غير المعلن بينهما. كانت تسمع صوت الطريق تحت العجلات و تشعر بكل ثانية تمر و كأنها تقودها بعيدا عن حياتها السابقة، نحو مصير مجهول لا تعرف عنه شيئا سوى أنه بدأ هذه الليلة، و مع رجل لم تسمع صوته بعد.