السقوط والخروج من الظل
في صباح رمادي، شعرت ليلى بثقل لم تعهده من قبل. أقدامها تجر نفسها على الأرض، ويدها تمسك حقيبتها كما لو أنها تلتقط زمام العالم كله، لكنها تعلم أن العالم ليس بحاجة إليها الآن. كانت تعرف أن السقوط ليس بالضرورة كارثة، لكنه يترك أثرًا، وترك أثرًا في قلبها. السقوط في حياتها لم يكن سقوطًا خارجيًا، بل داخليًا: لحظات شعرت فيها بأن صوتها خافت، أفكارها مهملة، وجودها غير مرئي.
جلست على مقعد في الحديقة التي أصبحت ملاذها، مراقبة الأطفال يلعبون بلا خوف، والناس يمرّون متسارعين، وكل شيء يبدو عاديًا، بينما قلبها ينبض بسرعة غير مألوفة. في تلك اللحظة، تذكرت سنوات الصمت، السنوات التي تخافت فيها من المواجهة، تخافت فيها من قول الحقيقة، خافت فيها من أن تُرى كما هي حقًا. شعرت بالندم، لكنها سرعان ما أدركت أن الندم لن يساعدها، وأن ما يحدث الآن هو فرصة لإعادة بناء نفسها.
تذكرت كلمات والدتها: “ليست كل الجروح لتُشفى بسرعة، بعض الجروح تعلمك الطيران”، وفهمت لأول مرة أن هذا السقوط ليس نهاية الطريق، بل بداية لتعلم أشياء لم تعرفها عن نفسها من قبل. أخرجت دفترها وكتبت: السقوط ليس فشلًا، بل اختبار لجناحيّ.
بعد دقائق، نهضت وقررت أن تتحرك. دخلت مكتبها وبدأت تقول ما يجب قوله، لم تعد تخشى النظرات، ولا الانتقادات، ولا الصمت الذي قد يلاحقها بعد. كانت كل كلمة تقولها حقيقية، صادقة، مختلفة عن أي مرة قبلها. شعرت بأن الضوء الداخلي الذي تملكه بدأ يتوهج شيئًا فشيئًا، ليس الضوء الذي يراه الآخرون، بل الضوء الذي تعرفه هي.
في المساء، جلست على شرفة شقتها، تنظر إلى المدينة، والسماء تغرق في الغروب. شعرت بشيء جديد: شعور بأن السقوط لا يوقف الطيران، وأن الحرية ليست غياب المخاطر، بل القدرة على مواجهتها والوقوف مرة أخرى. كتبت في دفترها: لقد سقطت، نعم… لكنني أتعلم الطيران من جديد.