البحث عن الحقيقة - الفصل الخامس: عناقٌ مفاجئ - بقلم Abdullah | روايتك

اسم الرواية: البحث عن الحقيقة
المؤلف / الكاتب: Abdullah
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الخامس: عناقٌ مفاجئ

الفصل الخامس: عناقٌ مفاجئ

"أنت—!" في اللحظة التي بدأ فيها الاسم يخرج من فمها، اندفع نيرامارو نحوها بلا أي إنذار، وأحاطها بذراعيه فجأة، مُجبرًا إيّاها على التوقف، وعلى الصمت. تصلّب جسدها في اللحظة ذاتها، وانحبس صوتها في حلقها قبل أن يخرج، بينما اندفعت حرارة حادّة إلى وجهها دفعة واحدة، كأن جسدها سبق عقلها في استيعاب ما يحدث. قال بصوتٍ عالٍ، واضح، يسمعه الجميع: "مضى وقت طويل يا صديقتي العزيزة." ثم مال قليلًا نحو أذنها، وهمس بسرعة مشحونة بالاستعجال: "سايريني، رجاءً." اتسعت عينا ميساكي بصدمة. قلبها كان يخفق بعنف، ووجنتاها احمرّتا حتى شعرت بأنهما تحترقان. 'مالذي يفعله هذا المجنون.' لم يكن هذا احتضانًا عاطفيًا، بل حركة محسوبة لإسكاتها… علنية، محرجة، ومربِكة إلى حدٍ مؤلم. ساد صمت قصير. العجوز تجمّدت في مكانها، ونظرت إليهما بدهشة صريحة، قبل أن تهمس: "أرا…!" ثم عقدت حاجبيها قليلًا، ووجهت نظرها إلى نيرامارو: "هل… تعرف ميساكي يا نيرامارو؟" أجاب فورًا، بلا تردد: "بالطبع!" أفلت الاحتضان، لكنه بقي قريبًا منها، كأن وجودها إلى جانبه أمر طبيعي. "ميساكي…" قال وهو ينظر إلى العجوز، "هي صديقة طفولتي." اتسعت عينا ميساكي. 'طفولته…؟!' قالت بداخلها. تجمّدت العجوز للحظة، وعيناها تتسعان بدهشة واضحة: "صديقة طفولتك؟!" قالت بصوت مرتفع قليلًا، ثم أضافت مستفسرة بدهشة حقيقية: "لكن ألم تخبرني بأنك كنت تعيش في مدينة يومي المعزولة؟ إذن كيف قابلت ميساكي وهي كانت تعيش في ريما؟" ابتسم نيرامارو ابتسامة خفيفة: "أنتِ تعرفينَ يا جدة عن الهجوم الذي تعرضت له مدينة يومي، صحيح؟" هزّت العجوز رأسها، وقد اختلطت على وجهها مشاعر الحزن والأسى: "أجل... ذلك الهجوم من الوحوش الذي قتل آلاف السكان ودمر المنازل والآثار التاريخية وحرق المزروعات والمشاهد الطبيعية الجميلة... أشعر بالسوء اتجاه ما حصل." تابع نيرامارو بهدوء: "نعم، وبسبب ذلك قررنا أنا وعائلتي النجاة واللجوء إلى مدينة آمنة بعيدة عن الهجوم. لذلك توجهنا إلى شمال القارة، واستقبلنا سكان مدينة ريما بسرور." أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يكمل، وكأن وجهه يلمح ذكريات الطفولة: "كنت حينها في الثامنة من عمري، شعرت بالخوف والفراغ الشديد بداخلي لدرجة أنني هربت من المنزل وجلست على رصيف خلفه أحد المزارع... وهناك قابلت ميساكي." ميساكي شعرت بأن قلبها يتوقف لوهلة. عيناه كانت ثابتة عليها، صوته هادئ، ووجهه يحمل ثقة لم تشهدها من قبل. 'كيف… كيف يستطيع هذا الشخص الكذب بهذه السلاسة؟!' أحست بصدمة غريبة تتسلل إلى كل جزء من جسدها، كأن عقلها يحاول فهم حقيقة ما يسمعه. 'إنه يتحدث وكأنه يعرفني منذ الطفولة... رغم أنني لم أقابله غير اخر مرة في المعركة… ولكن… هو  يجيد الكذب بطريقة تجعل كل كلمة تبدو حقيقية…' شعرت بحرارة وجنتيها تتصاعد أكثر، وعقلها يرنّ بأسئلة لا نهاية لها: 'ماذا يريد من هذا؟ ولماذا كل هذا الاهتمام؟ ولماذا لا يبدو عليه أي حرج مما يقوله؟' حاولت ميساكي أن تركز على فكرة واحدة، على الأقل أن تهدئ قلبها: 'ابقِ هادئة، فقط استمعي… لا تكشفي أي شيء…' ارتسمت على وجه العجوز ابتسامة دافئة، وعيناها تتلألأ بالدهشة: "يا لها من قصة جميلة! هل يمكنك إخباري ما الذي حصل تالياً؟" ابتسم نيرامارو ابتسامة خفيفة أخرى، تلك التي لا تصل إلى عينيه، ثم قال بصوت هادئ متزن، كأنه يقرأ فصلًا محفوظًا بعناية: "أتذكر ذلك اليوم بوضوح... كانت السماء رمادية قليلاً، وكان الجو بارداً. جلست على ذلك الرصيف، محاولاً ألا أبكي. شعرت بأن العالم كله قد انقلب رأساً على عقب، وأن كل شيء آمن ومألوف قد ضاع." توقف للحظة، وكأنه يسترجع المشهد. "ثم فجأة، سمعت صوت خطوات خفيفة. نظرت لأرى فتاة صغيرة تقترب، تحمل في يدها تفاحتين. كانت ترتدي فستاناً بسيطاً من القطن، وشعرها الأزرق الطويل يتطاير قليلاً مع النسيم." اتجهت نظرات العجوز إلى ميساكي، التي شعرت بأن ركبتيها تكادان ترتجفان. كانت تحاول بشدة أن تحافظ على تعابير وجهها محايدة، لكن احمرار وجنتيها كان يخونها. "لم تتحدث في البداية، فقط جلست بجواري على الرصيف، وأعطتني إحدى التفاحتين." ابتسم نيرامارو ابتسامة خفيفة وحنونة. "نظرت إليّ وقالت: 'تبدو حزيناً. هل تريد أن تتحدث؟'" "أوه… يا لها من فتاة لطيفة القلب!" قالت العجوز وهي تنظر إلى ميساكي بدهشة وحنان. تابع: "بدأنا نتحدث. أخبرتها عن يومي، عن منزلي الذي فقدته، عن أصدقائي الذين لم أعرف إذا كانوا أحياء. أخبرتها عن الخوف الذي شعرت به ليلاً، عن صوت الزئير الذي ما زال يرن في أذني." نظر إلى ميساكي مباشرة، وكأنه يخاطبها هي وليس العجوز. "لم تحاول أن تخبرني بأن كل شيء سيكون على ما يرام، أو تقدم لي نصائح جوفاء. فقط استمعت. وبعد أن انتهيت، قالت: 'أنا أيضاً أخاف أحياناً. ولكن عندما أخاف، أتذكر أن الشمس ستشرق غداً مرة أخرى.'" وضعت العجوز يدها على فمها متأثرة. "يا لها من ذكرى جميلة…" "بقينا نتحدث لساعات، حتى جاء والداي يبحثان عني. وعندما حان وقت الفراق، قالت لي: 'لا تنسَ أنك لست وحيداً.'" خفض نيرامارو صوته قليلاً. "هذه الكلمات... حملتها معي طوال هذه السنوات." توجهت العجوز إلى ميساكي بنظرة هادئة، وقالت باحترام: "لم أكن أعلم أنكِ تحملين هذا القلب منذ طفولتك." شعرت ميساكي بأن حلقها جاف، وأن كلماتها عالقة في داخلها. كانت تريد أن تصرخ: "هذا كله كذب! لم أقابله أبداً في طفولتي!" ولكنها تذكرت همسته في أذنها: "سايريني، رجاءً." أجبرت نفسها على الابتسامة ابتسامة خفيفة مضطربة. "لقد... كانت أياماً بسيطة." لكن داخلها كان عاصفة من المشاعر:*لم أفعل هذا… لم يحدث… لكن… لماذا أشعر وكأنني أراه؟* نهضت العجوز ببطء، ووجهها يشرق بمشاعر الأمومة. "هذا يفسر الكثير. الآن فهمت لماذا نظرت إليكَ ميساكي بهذه الطريقة عندما دخلت، ولماذا كان يوجد هذا التوتر الغريب بينكما." ضحكت ضحكة خفيفة. "اللقاء بعد فراق طويل يمكن أن يكون محرجاً بعض الشيء، أليس كذلك؟" أومأ نيرامارو برأسه. "نعم، لقد مرت سنوات طويلة. لم أتوقع أن أراها هنا." ابتسمت ميساكي ابتسامة صغيرة، مرتبكة وحَمار وجهها واضح: "نعم… يا لها من مصادفة..." نظرت العجوز نحوها ببعض القلق، وأطلت النظر إليها: "هل أنتِ بخير يا ميساكي؟ وجهك شديد الحَمار… هل حرارتك مرتفعة؟" تلعثمت ميساكي بخجل، محاولة تهدئة الموقف: "ماذا؟! لا... أنا بخير… بخير ههه." أومأت العجوز بتردد، لا تزال قلقة: "متأكدة؟" "أجل… لا تقلقي." ردّت ميساكي، وهي تحاول التحكم في ارتباكها. نظر نيرامارو إلى العجوز، وقال بهدوء مطمئن: "جدة، هل أستطيع التحدث مع ميساكي بالخارج؟ أرغب بالتحدث معها قليلاً على انفراد." ابتسمت العجوز، متفهمةً الموقف: "بالطبع، خذوا راحتكم. سأذهب لأعد الغداء حتى تنتهوا." "شكرًا لكِ." قال نيرامارو، بينما التفت نحو ميساكي، يأخذها بإستعجال إلى الخارج. --------------------------------------------------------------------------------ما إن أُغلق الباب خلفهما حتى أفلت نيرامارو معصمها فورًا، وكأن اللمس لم يكن سوى وسيلة اضطرارية انتهى دورها. تراجع خطوة إلى الخلف، ثم انحنى قليلًا، وعيناه مثبتتان على الأرض. "أنا آسف… حقًا." توقفت ميساكي في مكانها ونظرت إليه بدهشة خاطفة. "ها؟" "أعتذر عن احتضانك المفاجئ… وعن جرّك إلى هذا الموقف المحرج." خرجت كلماته صادقة، بلا أي تكلّف. لوّحت بيدها على عجل. "آه… لا، لا بأس. لكن لماذا فعلت ذلك أصلًا؟" رفع رأسه هذه المرة وحدّق بها بجدّية واضحة. "لأنك كنتِ على وشك أن تفضحيني. لو لم أتصرف بسرعة… لانتهى كل شيء." تصلّبت ملامحها. "أفضحك؟!" "إن قلتِ إنني من أنقذك عندما هاجمتك الوحوش، فلن أعود مجرد شخص عادي هنا." كان صوته هادئًا، لكن خلفه ثِقَل لا يخفى. عقدت حاجبيها. "أنا لا أفهم ما تقوله." تنفّس ببطء، ثم أدار نظره جانبًا. "لا داعي لمعرفة التفاصيل. المهم أنني لم أرد للجدة أن تعلم بوجودي في المعركة." ساد صمت قصير، قبل أن تهدأ ميساكي قليلًا. "فهمت… لكن هل أنت تعيش هنا؟" "نعم، لكن لبعض الوقت." "لبعض الوقت؟" "أسكن هنا للتحضير لاختبار تجنيد الصيادين، وبعده سأغادر." حدّقت به بدهشة صريحة. "هل تقول إنك لست صيادًا حتى؟! مع كل هذه القوة؟" ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، بينما بقي نظره ثابتًا عليها. "لا أرى الأمر غريبًا… بالكاد بلغت السادسة عشرة." تجمّدت لوهلة، ثم تكدّست الأفكار في رأسها. "إذن انت بنفس عمري ايضا..." تمتمت. "ولِمَ أنتِ هنا إذن؟" تفاجأت بالسؤال قبل أن تجيب: "الجدة دعتني إلى منزلها… قبل ذهابي إلى ساحة المعركة." "دعتك؟" ارتفع حاجباه بدهشة. "ولماذا؟" حكّت خدّها بتوتر خفيف. "لم أسأل عن السبب بعد، لكن… أعتقد أن الأمر مرتبط بكونها معلمة راين… وأنا أخته." اتسعت عيناه فجأة. "أنتِ أخت راين؟!" انبثق بريق طفولي صريح في عينيه. "لا عجب إذًا… كنتِ مذهلة في قتال الوحوش." احمرّ وجهها قليلًا. "ب-بالطبع أنا كذلك، ههه…" ثم توقفت فجأة وحدّقت به. "مهلًا… هل صدقتني بهذه السهولة؟" ابتسم ببساطة. "ولِمَ لا؟" ضيّقت عينيها بشك. "ولم تسأل حتى عن كون الجدة معلمة أخي؟" أجاب بنبرة هادئة، كأن الأمر بديهي: "كنت أعلم ذلك مسبقًا. فهي في النهاية كانت قائدة إحدى أقوى النقابات في العالم… قمة القمر، المعروفة بلقب سيف القمر… هوشيزاكي أكيرا." اتسعت عينا ميساكي حتى كاد صوتها ينفلت. "ماذاااا؟!" تقدّم خطوة سريعة وأشار لها بخفة. "ششش… اخفضي صوتك." تراجعت فورًا، واضعة يدها على فمها. "أ-أعتذر… لكن كيف يمكن لصيادة عظيمة مثلها أن تعيش في منزل صغير كهذا، وتعمل في سوق متواضع؟" أجابها بصوت أهدأ، أقرب للتأمل: "قالت إنها أرادت حياة بسيطة… وأن تساعد الأجيال القادمة على تحقيق أحلامهم، ليصبحوا صيادين. ولا تهتم في البقاء تحت الأضواء." تسللت الفكرة إلى عقل ميساكي ببطء. "هذا الهدف…" تمتمت، ثم رفعت نظرها إليه. "أيعقل أنني واحدة من هؤلاء؟" "ربما." قالها بصدق. "وقد يكون هذا هو السبب الحقيقي لدعوتك… ولمساعدتك." ارتسمت على وجهها ابتسامة صغيرة، دافئة هذه المرة. "إن كان الأمر كذلك… فأنا ممتنّة لها مجدداً." رفعت ميساكي نظرها إليه فجأة، وقد تغيّرت نبرتها قليلًا. "هل يمكن أن تكون هي أيضًا أحد أسباب إخفائك لقوتك؟" أجاب بهدوء، دون تردّد: "أجل." ضيّقت عينيها، تراقب وجهه كأنها تحاول التقاط شيء من رده المختصر. "لماذا أنت غامض إلى هذه الدرجة؟" ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، غير جادّة تمامًا، كعادته. "هل أنا كذلك؟" أطلقت زفيرًا بطيئًا، وأبعدت نظرها عنه للحظة. "تعلم… أرغب بشدة بمعرفة ما تخفيه، لكن هذا ليس الوقت المناسب." ردّ بلا اكتراث ظاهر: "ليس الأمر بتلك الأهمية." أعادت النظر إليه، بنبرة أكثر إصرارًا: "مع ذلك… أريد معرفته." تنفّس نيرامارو بعمق، وكأن السؤال لامس شيئًا لم يكن ينوي فتحه، وقبل أن يعلّق، عصفت نسمة مفاجئة في المكان، فلفت انتباهه الرداء الذي ترتديه، لينتقل الحديث إلى مسار آخر. "دعيني أسألك سؤالًا…" قال بنبرة عفوية. "لماذا ترتدين معطف الاستحمام الخاص بي؟" ساد صمت قصير. "هاه؟! هذا معطفك؟!" احمرّ وجه ميساكي بشدة، وأحكمت يديها حول جسدها بإحراج. "نعم، لكن لا بأس." قال ببساطة. "يمكنك الاحتفاظ به، سأشتري غيره لاحقًا." "أنا آسفة جدًا…" قالت، ولا يزال الخجل يسيطر عليها. "لم أتوقع وجود أحد هنا غير الجدة." هزّ رأسه مبتسمًا بخفة. "لا داعي. احتفظي به… لا أظنك تودين أن يرتديه أحد آخر، خاصة إن كان فتى." أبعدت نظرها عنه وأومأت بخجل. "حسنًا، لنعد." قالها بنبرة طبيعية، وكأن كل ما سبق لم يكن أكثر من موقف عابر. "مهلًا." توقف والتفت نحوها. ترددت لثانية، ثم أبعدت نظرها قليلًا. "حسنًا… لا شيء." ابتسم بخفة، دون أن يعلّق، ثم استدار من جديد ودخل أولًا إلى المنزل. تبعته ميساكي بخطوة مترددة، لكن ما إن اقتربت من العتبة حتى عاد ذلك الإحساس المزعج يضغط على صدرها فجأة. توقفت لوهلة، وسعلت بخفة، واضعة يدها على فمها. هذا الألم… مجددًا؟ شدّت على نفسها، تجاهلت الإحساس كما فعلت من قبل، ثم دخلت خلفه وكأن شيئًا لم يحدث.