مِيثاقُ الروح
: مَرْسَى اليَقين
عَقَدْنا بِالحبِّ المَقاديرَ عُقْدةً
فَصِرنا كَرُوحٍ في جَسيمينِ نَسْكُنُ
وزُفَّتْ لِـ "بدرٍ" شَمْسُ كُلِّ مَدينةٍ
وفي بَيْتِنا صارَ الزَّمانُ يُهَوِّنُ
فَلا عَرْشَ يَعلو فوقَ عَرْشِ وِدادِنا
ولا سِحْرَ إلا في العُيونِ يُدَوَّنُ
بعد عام من الكفاح لتثبيت وجود "بدر" في سجلات هذا العالم وفي قلوب المحيطين به، لم يعد "الغريب" غريباً. وبمساعدة جد ليليان الذي وجد لبدر مخرجاً قانونياً كـ "لاجئ فاقد للصوت والذاكرة"، استطاع بدر أن يبني لنفسه حياة هادئة. لكن شيئاً واحداً كان ينقص هذه الحكاية لتكتمل أركانها: أن يصبحا رسمياً وعائلياً كياناً واحداً.
في ليلة ربيعية دافئة، وعلى نفس الشاطئ الذي شهد عودتهما من الموت، أُقيم حفل زفاف لم ترَ المدينة مثله قط. لم يكن زفافاً باذخاً، بل كان زفافاً "مسحوراً".
ارتدت ليليان فستاناً أبيضاً بسيطاً، لكنها زينت شعرها بـ "الريشة" الذهبية التي استعادت بريقها فجأة في تلك الليلة. أما بدر، فقد بدا كملكٍ حقيقي حتى وهو يرتدي بدلة سوداء كلاسيكية؛ كانت هيبته وفصاحة عينيه تجعل كل من يراه ينحني له تقديراً دون أن يعرف أصله.
أمام المأذون، وفي لحظة الصمت التي سبقت التوقيع، وضع بدر يده على المصحف الشريف، ثم نظر إلى ليليان بعمق. لم يكن يستطيع نطق "قَبِلتُ" بلسانه، لكنه أخرج من جيبه ورقة مطوية بعناية، كُتبت بماء الذهب الذي استخلصه من بقايا سحر "أرسينا"، ومررها للجميع ليقرؤوها:
> "أنا بدر، سليل الصمت وفارس المملكة الغارقة، أُشهد الله والزمان، أنني وهبتُ لـ 'ليليان' ما تبقى من عمري، وأنني جعلتها وطني البديل، وعرشي الوحيد. لقد قبلتُ بها زوجةً، وحبيبةً، وصوتاً لقلبي حتى ينقطع النبض."
>
انهمرت الدموع من عيني ليليان وهي توقع بجانبه. وفي تلك اللحظة بالذات، وبينما كان الحضور يصفقون، انبعثت رائحة "ياسمين أرسينا" فجأة في المكان، وهبت نسمة هواء باردة قادمة من جهة البحر، كأن أرواح "أرسينا" الطيبة قد حضرت لتبارك لملكها زواجه في منفاه الجميل.
أقاموا بيتهم في كوخ الجد القديم، لكنهما حولاه إلى جنة صغيرة. في الصباح، تذهب ليليان لعملها، ويبقى بدر في مرسمه يخلّد ذكريات عالمه الذي ضاع، وفي المساء يجلسان أمام البحر.
ذات ليلة، وهما يجلسان في شرفتهما، وضعت ليليان رأسها على كتفه وقالت:
— "أتصدق يا بدر؟ لقد أصبحنا قصة يحكيها الناس عن 'الرجل الذي صمت ليتحدث الحب'. هل أنت سعيد بكونك زوجاً عادياً في عالم ممل؟"
ابتسم بدر، ورفع يدها وقبل معصمها حيث تلاشت "الندبة" تماماً، ثم نطق بصوتٍ خافت، لكنه مسموع وواضح هذه المرة، صوتاً كان هو هديته الأخيرة لها:
— "أنا.. مَلِكٌ.. لأنَّكِ.. لي."
شهقت ليليان من الفرح؛ لقد عاد صوته بفضل "ميثاق الزواج" والطاقة التي توحدت بينهما. لم يعد يحتاج للكتابة بعد الآن، فقد أصبحت الكلمات تخرج من حنجرته كأنها نغماتٌ عتيقة عادت من زمن سحيق.
تشابكت أيديهما تحت ضوء القمر، وأدركا أن "أرسينا" لم تعد مكاناً على الخريطة، بل أصبحت "بيتاً" صغيراً، يسكنه رجل وامرأة، عَبَرا كل شيء، ليجدا نفسيهما في عناق دافئ ينهي صراع العصور.
تـمـت