: سِباقٌ معَ العَدَم
: طَيْفُ الذُّبول
يَذوبُ الظِّلُّ في وَضَحِ النَّهارِ
كأنَّكَ مَوجَةٌ خَلْفَ الجِدارِ
تَروحُ وتَغْتَدي رُوحاً غَريباً
وتَسْكُنُ في خَيالاتِ القِفارِ
سَأحْميكَ بِنَبْضي يا حَبيبي
وإنْ جارَ الزَّمانُ على المَسارِ!
كان الصباحُ في عالمنا قاسياً. استيقظت ليليان لتجد بدراً جالساً في زاوية الكوخ المظلمة، يراقبُ يدهُ بذهولٍ مرير. لقد بدأت أصابعهُ تصبحُ شفافةً تماماً، حتى أن ضوء الشمس الذي يتسلل من شقوق الخشب كان يمرُّ عبر كفّهِ ليسقط على الأرض. لم يكن "بدر" يختفي فحسب، بل كان عالمنا "يمحوه" لأنه لا يملك تفسيراً فيزيائياً لوجوده.
حاولت ليليان الإمساك بيده، ففزعت حين شعرت بأن ملمس جلده صار كالهواء البارد. صرخت بوجع: "بدر! لا تبتعد عني الآن!"
أمسك بدر بقطعة الفحم، وكتب على الأرض بخطٍّ يرتجف:
"أنا أتلاشى يا ليليان.. كأنني قصيدةٌ تُمسحُ عن ورقٍ قديم. عالمكِ قويٌّ جداً، وروحي لا تجدُ فيه مستقراً."
لم تكن ليليان تعرف ماذا تفعل. فجأة، تذكرت "الندبة" التي على معصمها. بدأت الندبة تشتعلُ بحرارةٍ حارقة كلما اقتربت من بدر. بدون تفكير، وضعت معصمها فوق صدره الشفاف. وفجأة، حدث انفجارٌ صغير من الضوء الأزرق؛ شعرت ليليان ببرودةٍ شديدة تسري في عروقها، بينما بدأ جسد بدر يستعيدُ كثافتهُ ولونهُ تدريجياً.
لقد كانت "تغذيه" من طاقتها الخاصة دون أن تدري! سقطت ليليان على الأرض من التعب، فنظر إليها بدر بعينين تفيضان بالخوف عليها قبل الحب.
في المساء، ذهبت ليليان إلى منزل جدها، ليس لتحكي له القصة (فهي تعلم أنه لن يصدق)، بل لتبحث في مكتبته الضخمة التي تضمُّ كتباً نادرة عن "فيزياء الأبعاد" و"أساطير الشعوب المنسية". وجدت كتاباً يتحدث عن "عابرين من عوالم موازية"، وجاء فيه:
> "إذا دخل كائنٌ من عالمٍ سحريٍّ إلى عالمٍ ماديّ، فإنه يبدأ بالتلاشي خلال سبعة أيام، إلا إذا تمَّ ربطهُ بـ 'مرساةٍ' من دمِ ونبضِ شخصٍ ينتمي لهذا العالم."
>
أدركت ليليان أنَّ الندبة هي "المرساة"، لكنها أدركت أيضاً أنَّ هذا الربط يستنزفُ حياتها هي. وبينما كانت تقلبُ صفحات الكتاب، سقطت منه ورقة قديمة جداً، عليها رسمٌ يشبه تماماً "إطار المرآة" الذي كانت تحمله. كان مكتوباً خلفها: "التوازنُ لا يستقيمُ إلا إذا عادَ المسروقُ لصاحبه."
عادت للكوخ، لتجد "بدر" قد استعاد قوته مؤقتاً، لكنه كان ينظرُ إلى "شظية الزجاج" التي احتفظت بها ليليان. فجأة، أضاءت الشظيةُ وظهر فيها وجه "أثير" وهي تبكي، وخلفها كانت مآذن "أرسينا" تنهار تحت وطأة نيرانٍ سوداء.
لم يكن "صخر" قد اكتفى بطرد بدر، بل بدأ يدمر المملكة بالكامل باستخدام ما تبقى من سحر المرآة المحطمة. أدرك بدر وليليان في تلك اللحظة أنَّ هروبهما لعالمنا لم يكن نهاية المطاف؛ فإذا تدمرت "أرسينا" تماماً، سينقطع الخيط الذي يربط روح بدر بالحياة، وسيتلاشى هنا فوراً مهما فعلت ليليان.
نظر بدر لليليان، وكتب على الجدار كلمة واحدة، كانت هي الأصعب:
"يجبُ.. أن نعود."