في طَريقِ الخَيلِ و الخَيالِ - الفصل 4 - بقلم ســوريــــا | روايتك

اسم الرواية: في طَريقِ الخَيلِ و الخَيالِ
المؤلف / الكاتب: ســوريــــا
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 4

الفصل 4

اخيرا جاء اليوم المنتظر اليوم الذي علقت فيه البنادق خارج القلوب مؤقتا و قرر الرجال ان يمنحوا العقل فرصة اخيرة قبل ان يعود الدم ليتكلم تم الاتفاق على مكان محايد بعيد عن قصور العائلتين مجلس قديم يتوسطه فناء واسع و تحيط به اشجار عتيقة شهدت صلحا قديما و نزاعات اكثر وصل رجال عائلة آل ضرغام اولا سيارات سوداء توقفت بانتظام و نزل منها الرجال بملابسهم الرسمية وجوه جامدة و خطوات محسوبة يتقدمهم كبارهم و خلفهم الشباب بصمت ثقيل بعد دقائق حضرت سيارات عائلة الهجري بنفس الهدوء و الصرامة لم يتبادل الطرفان النظرات طويلا فكل عين تحمل تاريخا من الغضب و الفقد دخل الجميع المجلس الكبير و جلسوا كما يفرض العرف كبار العائلتين في الصدر و من حولهم الابناء و الاحفاد لم ترتفع الاصوات في البداية كان الصمت هو السيد و رائحة القهوة تسبق الكلمات تكلم اكبرهم سنا اولا بصوت ثابت "نحن هنا لنغلق بابا فتح بالدم و لا نريده ان يظل مفتوحا" بدأ الحوار بطيئا متحفظا كل كلمة كانت تخرج بعد تفكير طويل حديث عن الجريمة عن الخطأ عن التهور عن شاب ضيع عائلتين بقرار واحد ثم حديث عن الخوف من امتداد النار الى من لا ذنب لهم تدخل اكثر من رجل حاول بعضهم التخفيف و اخرون شددوا على ضرورة ضمانات حقيقية للصلح لا وعود فارغة بعد ساعات من الاخذ و الرد طُرح الحل الاول شراكة في العمل اتحاد في المصالح تجارة مشتركة تجعل اي خلاف خسارة للطرفين قبل ان يكون انتصارا لاحد لاقى الاقتراح قبولا حذرا لكنه لم يكن كافيا عندها قيلت الكلمة التي غيرت مسار المجلس "الدم لا يغسله الا الدم او المصاهرة" ساد الصمت من جديد ثم عاد سالم يتكلم "ليس لي من الاحفاد سوى حفيدتين و ان كان في هذا الزواج اغلاق لباب الثأر فليكن" وافق الطرف الاخر بسرعة كأن القرار كان معدا سلفا العروس من عائلة الهجري و العريس من عائلة آل ضرغام انتهى المجلس على مصافحة باردة و كلمات صلح رسمية و وجوه تحاول اقناع نفسها ان ما حدث انتصار للحكمة غادر الرجال المكان و هم يظنون انهم دفنوا الفتنة دون ان يدركوا انهم زرعوا بذرة حكاية اشد قسوة حكاية ستدفع ثمنها امرأة لم تكن حاضرة في المجلس و لا في القرار تم الصلح و كأن الغبار الذي خيم على الاسماء طويلا بدأ يهدأ ضرغام لم يكتف بالكلمات و المصافحات بل اراد للصلح ان يكون فعلا يراه الجميع و يشهد عليه القريب و الغريب في قصره الكبير فتحت الابواب على مصراعيها و ازدانت الساحات و المجالس بترتيب راق يليق بمكانة من حضر و بثقل ما جرى نصبت الموائد الطويلة و امتد الطعام بسخاء لم يفرق بين كبير و صغير و قبل ذلك كانت الاوامر قد صدرت اللحم و الشحم يوزعان على الفقراء و المساكين في اطراف البلدة بصمت و دون منة فقط بنية ان تكون هذه الخطوة كفارة و بداية جديدة حضرت العائلتان و جلس الرجال جنبا الى جنب هذه المرة بلا توتر ظاهر الضحكات كانت قليلة لكنها صادقة و الاحاديث تدور بحذر ثم تخف حدتها شيئا فشيئا و في صدر المجلس وقف ضرغام مرحبا بصوت هادئ لكنه مسموع "اليوم لا غالب و لا مغلوب اليوم نفتح صفحة جديدة و ندفن ما كان حتى لا نورثه لاولادنا" كان سالم هناك يجلس قبالته نظر اليه طويلا ثم نهض و اقترب منه امام الجميع مد يده و قال "تأخرنا كثيرا يا ضرغام" ابتسم ضرغام اخيرا ابتسامة حملت ثقل السنين و صافحه بقوة "لكننا عدنا قبل فوات الاوان" عادا يجلسان متجاورين كما كانا في الماضي صداقة قديمة اعيد ترميمها بحذر لكنها هذه المرة اشد وعيا و اكثر وجعا في تلك الليلة نام القصر على ضوء الصلح و ضجيج العزيمة و نامت البلدة على خبر ان الدم توقف مؤقتا دون ان تدري ان القدر لا يزال يخبئ فصلا اخر اكثر قسوة و وجعا في اليوم التالي كان سالم يتحدث مع ضرغام عبر الهاتف يقف سالم داخل مكتبه في منزله بملامح متجهمة و صمت ثقيل يحيط به بينما كان ضرغام في شرفة قصره يراقب الاسطبل بعينين ثابتتين حيث كان حفيده فارس يتحرك بهدوء بين الخيول و كأنه جزء من هذا المكان منذ الأزل دار الحديث بينهما بهدوء حذر يتفقان على تفاصيل العروس و العريس بعد أن تم الصلح و هدأت النفوس ظاهريا كان ضرغام واثقا تماما أن فارس لن يعصي له أمرا. حتى لو كان الزواج قسرا. فارس كان أهدأ أحفاده و أكثرهم حكمة واتزانا لا يرفع صوته و لا يجادل فيما يراه واجبا لذلك حسم الأمر دون تردد و أخبر سالم أن فارس هو عريس العائلة أما سالم فلم يجب مباشرة لم يذكر اسم العروس اكتفى بالقول إنها إحدى حفيدتيه و كان ذلك أذكى قرار اتخذه في تلك اللحظة لأن ذكر الاسم الآن كان كفيلا بإشعال ما ظن الجميع أنه انتهى و ما سيحدث لاحقا خرج سالم بعد مدة من مكتبه متجها إلى غرفة حفيدته و قد أثقل صدره قرار فرضه عليها دون أن يمنحها حق الرفض كان يدرك أن الحديث معها لن يكون سهلا لكنه اعتاد أن تمضي الأمور كما يريد دخل الغرفة فوجدها جالسة أمام التلفاز تنظر إلى الشاشة بلا تركيز اقترب و هو يقول " رهف.. اريد ان اتحدث معك بموضوع مهم" جلس إلى جانبها بصمت قصير قبل أن يقول "رهف ابنتي أنت تعلمين أن الزواج سنة الحياة أليس كذلك" لم تنتظر أن يكمل شعرت أن الكلمات تخنقها فالتفتت إليه بحدة لم تعهدها في نفسها و قالت "جدي أعرف ماذا تريد أن تقول لكن الأمر منته أنا لن أتزوج ابن عائلة آل ضرغام" نظر إليها بصدمة واضحة و قال بنبرة غاضبة "ما هذه الوقاحة يا بنت" رفعت رأسها بثبات و قالت "ليست وقاحة إنها صراحة و لن أتزوجه" وقف سالم و قد نفد صبره و قال بلهجة آمرة "ستتزوجينه رضيتي ام ابيتي " تحرك خطوة واحدة فتقدمت كلماتها قبله و قالت بثقة أربكته "و كيف تريد تزويج امرأة متزوجة بالفعل" استدار نحوها بسرعة وملامحه مشدوهة و قال "ماذا تقولين" أجابته دون تردد "نعم أنا متزوجة متزوجة من ابن خالتي و إن أردت التأكد اسأل والديّ أنا لن أتزوج رغما عني أبدا" لم ينبس بكلمة أخرى استدار و غادر الغرفة بخطوات سريعة و الغضب يتصارع مع الذهول في صدره متجها إلى ابنه و زوجته ليواجه حقيقة لم يكن مستعدا لها و ليدرك أن ما ظنه نهاية صراع لم يكن سوى بداية لشرخ أعمق مما تخيل