انعكاس فى مملكه ارسينا - : مَلِكٌ مَطرودٌ على ضِفافِ الواقِع - بقلم حبيبه وائل - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: انعكاس فى مملكه ارسينا
المؤلف / الكاتب: حبيبه وائل
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: : مَلِكٌ مَطرودٌ على ضِفافِ الواقِع

: مَلِكٌ مَطرودٌ على ضِفافِ الواقِع

رَحلَ "البيانُ" وعَزَّتِ الكلماتُ وتلعثمتْ في صمتِهِ النَّبضاتُ البحرُ يَفتحُ لِلغريبِ طَريقَهُ لِتذوبَ في أشواقِهِ المَسافاتُ يا أيها "الآتي" لِدُنيا صَخَبِنا هذي البِلادُ.. بِلادُنا أمواتُ! مرَّ شهرٌ كامل على عودة ليليان، شهرٌ بدت فيه كأنها تعيش في برزخ بين الوجود والعدم. كانت الندبة على معصمها تزدادُ احمراراً كل ليلة، وكأنها ساعة رملية تعدُّ الدقائق المتبقية لحدثٍ جليل. في ليلةٍ اشتدَّ فيها الريح، وصار القمرُ فيها بلون الياقوت، ذهبت ليليان إلى الشاطئ بدافعٍ خفيٍّ لا تفهمه. كان البحر يغلي، والأمواجُ ترتفعُ كأنها جبالٌ من زجاجٍ أسود. فجأة، انشقَّ الأفقُ عن بريقٍ ذهبيٍّ ساطع، هو ذاتُ البريق الذي انبعث من المرآة يومَ الوداع. انفجرت نافورةٌ من الضوء في قلب الماء، وقذفت الأمواجُ جسداً مُنهكاً نحو الرمال. ركضت ليليان وهي تصرخ، وقلبها يكادُ يقفزُ من صدرها. انحنت فوق الجسد الملقى، لتجد "بدر" بشحمه ولحمه، لكنه كان غائباً عن الوعي، ثيابه الأرسيناوية الفاخرة ممزقة، وجسده يحملُ آثار "حروقٍ زمنية" ناتجة عن عبور الفجوة. فتحت ليليان قميصه ليتنفس، فلاحظت أن "قطعة الدرع" التي وجدتها سابقاً قد التحمت بجسده مرة أخرى. استيقظ بدر ببطء، نظر إلى سماء عالمنا، ورأى أضواء الطائرات البعيدة وأعمدة الإنارة، فارتجف جسده رعباً. حاول أن ينطق، فتح فمه ليقول "ليليان"، لكن لم يخرج صوت.. لقد تذكرت بمرارة أن صوته قد سُلب منه في عالم "أرسينا" ليكون ثمن عبورها هي، والآن هو هنا، في عالمنا، غريبٌ وأخرس. ساعدته على النهوض، وأخفته في كوخ جدها القديم المنعزل. كانت الصدمة لبدر هائلة؛ كان ينظر إلى "التلفاز" وكأنه مرآةٌ مسحورة تسكنها الشياطين، وكان يرتعب من صوت "السيارات" المارة خلف التل، ظاناً أنها وحوشٌ معدنية زائرة. أمسك بدر بقطعة فحم من المدفأة، وكتب على الجدار الخشبي بخطٍ عربيٍّ بديع: > "يا ليلى.. زلزلتني هذه الديار. ضجيجُها كُفرٌ بجمال السكينة. لقد جئتُ إليكِ بلا صوتٍ ولا جُند، فهل يقبلُ عالمكِ مَلِكاً سُلِبَ منهُ أعزُّ ما يَملك؟" > بكت ليليان وهي تضمُّ يده إلى وجهها: — "أنت هنا يا بدر، وهذا يكفي. سأكون أنا صوتك، وسأكون أنا جندك. العالم هنا قد يبدو قبيحاً وصاخباً، لكنه سيمنحنا ما عجزت عنه أرسينا.. سنكون معاً دون مرآة." لكن فرحتهما لم تدم طويلاً. في اليوم التالي، بدأت تظهر أعراضٌ غريبة على بدر. جسده بدأ يصبح "شفافاً" في بعض اللحظات، وكأن جسده المادي يرفض قوانين الفيزياء في عالمنا. أدركت ليليان أن عبور بدر لم يكن مجانياً، وأن عالمنا يرفض وجود كائن "سحري" لفترة طويلة. لقد عبر بدر المستحيل ليصل إليها، لكن الثمن الآن لم يعد "الصوت" فحسب، بل صار "الوجود" ذاته. فإما أن تجد ليليان وسيلة لتثبيت روحه في هذا العالم، أو أن البحر سيستعيده كغبارٍ نثريٍّ في مهب الريح.