غربه الروح وترنيمه الوهم
صلوا على "بدرُ التمامِ، وشفيعُ الأنامِ، ومسكُ الختامِ، محمدٌ ﷺ."
.......................
.
نَحيبُ المَرايا
عُدْنا.. وفي الأحداقِ سِرُّ غيابِ
والقلبُ يَهتفُ خلفَ ألفِ حِجابِ
ما قِيمةُ "الدُّنيا" وأنتَ بَعيدُنا؟
كُلُّ الشَّواطئِ بَعدَكُمْ سَرابِ!
يا ليلُ خَبّرْني.. أيَحيا "بدرُنا"؟
أمْ غابَ صوتُ الفارسِ الوَثَّابِ؟
سقطت ليليان في الماء البارد كأنها تسقط من حلمٍ شاهق إلى واقعٍ صلب. كان جسدها يرتجفُ، ليس من برودة المحيط، بل من حرارة الوداع الذي لم يكتمل. شقّت سطح الماء بشهقةٍ مكسورة، لتجد نفسها تحت ضوء قمرٍ مألوف، لكنه قمرٌ باهتٌ يفتقر لسحر "أرسينا".
جثت على رمال الشاطئ، وهي تنظر إلى كفيها الفارغتين. المرآة تحطمت، وبدر اختفى خلف جدار من الضباب السحري، ولم يتبقَّ لها سوى "ندبة" على شكل موجة فوق معصمها، تنبض بضوءٍ أزرق خافت كلما اشتدَّ نبض قلبها.
مرت الأيام الأولى لعودتها كأنها شبحٌ يتحرك في مدينةٍ لا يراها. كانت أمها تجلس بجانبها، تمسح على شعرها وتقول بلهجةٍ يملؤها القلق:
- "يا بنتي، بقالك أسبوع مش بتنطقي كلمة.. الدكاترة بيقولوا صدمة، بس قلبي بيقول إنك سيبتي حتة منك في البحر ده."
كانت ليليان تكتفي بالابتسام بمرارة. كيف تخبرها أنها تركت ملكاً صامتاً؟ وكيف تشرح لها أن لغتهم العامية البسيطة صارت تبدو في أذنيها كضجيجٍ فارغٍ أمام بلاغة "بدر" وفصاحة "أثير"؟
في غرفتها، كانت ليليان تمسك بالريشة التي وجدتها في ثيابها، كانت الريشةُ تلمعُ كلما رددت ليليان أبياتاً من الشعر الفصيح. أدركت حينها أن السحر لم ينتهِ، بل انتقل معها. بدأت تكتب في مذكراتها، تحاول استحضار تفاصيل "أرسينا" قبل أن يسرقها النسيان:
> "يا بدر.. يا من وهبتني لسانك لتمنحني الحياة، أيُّ حياةٍ هذه التي أعيشها وأنت في صمتك سجين؟ العالمُ هنا ماديٌّ بارد، لا يعرفُ لغة العيون، ولا يفهمُ كيف يكون الصمتُ تضحية."
>
في إحدى الليالي، بينما كانت ليليان تقف على الشرفة، رأت ظاهرةً غريبة. البحرُ لم يكن يصدر صوته المعتاد، بل كان يهمس. نعم، كان الموجُ يتكسر على الصخور ليشكل نغماتٍ تشبه نبرة صوت بدر. ركضت نحو الشاطئ في منتصف الليل، ووقفت أمام الموج وصاحت:
- "أعطني إشارة! هل لا يزال حياً؟ هل ضحى بكل شيء ليؤمن رحيلي فقط؟"
فجأة، بدأت الندبة على يدها تشتعل بحرارةٍ حارقة. نظرت إلى عرض البحر، فرأت في الأفق لمعةً ذهبية تشبه لمعة المرآة قبل انفجارها. لم تكن بوابةً للعودة، بل كانت "رسالة". ظهرت كلماتٌ من زبد البحر فوق الرمال، كُتبت بخطٍ كأنه نقشٌ فرعونيٌّ قديم:
"الوَفاءُ جِسرٌ.. واللقاءُ مَوْعِد"
أيقنت ليليان أن بدر لم يستسلم. وأن القائد الذي واجه جيوش "صخر" لن يقبل بأن تنتهي قصتهما خلف قضبان الزمان. بدأت تشعر بشيءٍ غريب يسري في كيانها؛ لم تعد تشعر بالضعف، بل بدأت تستعد. كانت تعلم أن عالمها المادي سيشهدُ قريباً زلزالاً سحرياً.
وفي ذروة يأسها، وبينما كانت تمسك بالقطعة الزجاجية الوحيدة المتبقية من إطار المرآة، رأت انعكاساً لم يكن لوجهها. كان انعكاساً لـ "بدر"، يرتدي ثياباً مهترئة، ويقف وسط ضبابٍ كثيف، ويشير بيده نحوها.. كأنه يحاول العبور من خلال الزجاج.
كانت هذه هي اللحظة التي أدركت فيها ليليان أن الخيار الذي وُضعت فيه (البقاء أو الرحيل) لم ينتهِ بعد. فالرحيلُ كان جسدياً، أما الروحُ فقد نصبت جسراً لن يهدمه صمتٌ ولا مسافات.
.....................................