انعكاس فى مملكه ارسينا - عناقُ النارِ والضَّباب - بقلم حبيبه وائل - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: انعكاس فى مملكه ارسينا
المؤلف / الكاتب: حبيبه وائل
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: عناقُ النارِ والضَّباب

عناقُ النارِ والضَّباب

قولولى رايكم في التعليقات صلوا على  "بدرُ التمامِ، وشفيعُ الأنامِ، ومسكُ الختامِ، محمدٌ ﷺ."             ...........................         ساد صمتٌ مخيف في قمة "برج الفلك" لثوانٍ معدودة، بينما كانت النيران في الأسفل تلتهمُ أجزاءً من القصر التاريخي. وقفت ليليان تلهث، وأصابعها تقبضُ على إطار المرآة المتصدع بقوةٍ جعلت مفاصل يدها تبيضّ. الحكيم زيدون كان يقفُ أمام البوابة السحرية، التي بدأت تتشكل كدوامةٍ من الغبار الذهبي والماء الأزرق، تنبعثُ منها أصواتٌ مألوفة لليليان؛ صوتُ ارتطام الأمواج بصخور شاطئها، وصوتُ هواءِ عالمها البارد. — "ليليان! لا وقت للتردد!" صرخ زيدون وهو يشير إلى الدوامة. "المرآة استهلكت طاقتها الأخيرة في حمايتكِ من 'صخر'. إن لم تعبري الآن، ستنغلقُ هذه الفجوة للأبد، وسينفجر الزجاجُ في يدكِ محولاً وجودكِ هنا إلى رماد!" في تلك اللحظة، سُمعت خطواتٌ ثقيلة على سلالم البرج الحجرية. انفتح الباب بعنف، ودخل "بدر". لم يكن هو القائد الوقور الذي رأته في الصباح؛ كان رداؤه ممزقاً، والدماء تسيلُ من جرحٍ في جبهته، وسيفه مكسورٌ من المنتصف. لكن عينيه.. عينيه كانتا تلمعان بإصرارٍ أسطوري. ارتمت ليليان في صدره، متجاهلةً الدماء التي لوثت ثوبها: — "بدر! ظننتُ أنني فقدتك! لن أرحل، لن أتركك في هذه الفوضى!" أمسك بدر بكتفيها، ونظر في عينيها بعمقٍ جعلها تشعر بأن روحه تودع روحها: — "ليليان، يا قصيدتي التي لم تكتمل.. إن بقاءكِ هنا يعني موتكِ. صخر لم يهزم بعد، والمنفيون ملؤوا أرجاء المدينة. أنا قائدُ أرسينا، وقدري أن أموت فوق ترابها دفاعاً عنها، أما أنتِ.. فأنتِ تنتمين للضياء، للاتساع، للبحر الذي لا ينتهي." قالت بصوتٍ مختنق: "وما نفع الضياء إن كنتُ سأعيشه في ظلام غيابك؟ سأبقى، وسأنسى ذاكرتي كما قال الحكيم، وسأبدأ معك من جديد!" تدخل الحكيم زيدون بصوتٍ رخيم: "الأمر لم يعد يتعلق بالذاكرة فقط يا ليليان. المرآةُ الآن 'تنزفُ' سحراً. إذا بقيتِ، ستتحولين إلى تمثالٍ من زجاج، ولن يجد بدرٌ منكِ سوى ذكرى باردة. الرحيلُ الآن هو الفعلُ الوحيد للحب." بدر، الذي كان يقدس الكلمات، وجد نفسه عاجزاً عن التعبير. سحبها نحو حافة البوابة، حيث كان الضوءُ يزدادُ عنفاً. همس في أذنها بلغةٍ فصحى تذوب رقةً رغم ضجيج المعركة: — "لو كان لي أن أختار وطناً، لاخترتُ قلبكِ. ولو كان لي أن أستعيد صوتي بعد رحيلكِ، فلن أنطق إلا باسمكِ. اذهبي يا ليليان، واجعلي البحر يخبرني عنكِ كلما لامستُ شطآنه في خيالي." فجأة، دوى انفجارٌ عند باب البرج. عاد "صخر" مرة أخرى، مسنوداً على اثنين من رجاله، وعيناه تفيضان غلاً: — "لن ترحل! إذا كنتُ سأفقدُ الملك، فستفقدُ أنتَ عشيقتك!" رفع صخر يده المرتجفة ليطلق سهماً مسموماً نحو ليليان. في تلك الأجزاء من الثانية، لم تفكر ليليان في نفسها، بل اندفعت لتكون هي الدرع. لكن بدر كان أسرع؛ استدار بجسده ليحتضنها، مستقبلاً السهم في كتفه عوضاً عنها. صرخت ليليان صرخةً هزت أركان البرج. وفجأة، استجابت المرآةُ لصرخةِ الألم والوفاء هذه. انبعث منها ضياءٌ أبيض غامر، ليس للدفاع هذه المرة، بل لـ "الجذب". بدأت الدوامةُ تسحبُ ليليان نحو الداخل بقوةٍ لا تقاوم. تشبثت بيد بدر، كانت أصابعهما تتداخل للمرة الأخيرة. — "بدر! لا تترك يدي!" — "أحبكِ.. بلغةٍ لم تُخلق بعد!" كان هذا آخر ما قاله بدر قبل أن تفلت يده، وقبل أن تبتلعها الدوامة البيضاء تماماً. سقطت ليليان في فراغٍ لا نهائي، وشعرت بجسدها يرتطمُ بماءٍ مالح وبارد. فتحت عينيها لتجد نفسها تحت سطح البحر، والأضواءُ تتمايل فوقها. دفعت نفسها للأعلى، لتخرج رأسها فوق الماء وتشهق هواءً مالحاً مألوفاً. كانت على شاطئ مدينتها. الشمس كانت تشرق، والرمال ذهبية كما تركتها. نظرت إلى يدها، لم تكن المرآة موجودة، لكنها وجدت علامةً غريبة على معصمها؛ ندبةً على شكل موجة، وكأنَّ نار المرآة قد تركت وشماً لا يمحى. جلست على الرمال، تبكي بصوتٍ مسموع، تنادي اسماً لا يعرفه أحدٌ في هذا العالم. لقد عادت، لكنها تركت قلبها ينزفُ في "أرسينا".                    ....................