سر المكتبه العظمى
صلوا على "بدرُ التمامِ، وشفيعُ الأنامِ، ومسكُ الختامِ، محمدٌ ﷺ."
..........................
صلوا على حبيبكم الهادى محمد عليه الصلاه والسلام
لم تغب نظرات الوزير "صخر" الحاقدة عن بال ليليان طوال الليل. شعرت أن المرآة التي بين يديها تحملُ ذاكرةً تتجاوز فهمها. في الصباح، طلبت من "أثير" أن تأخذها إلى مكانٍ يجمع تاريخ هذه المملكة، فقادتها أثير إلى "المكتبة العظمى"؛ وهي بناءٌ مهيب منحوت في قلب الجبل، تصطف على جدرانه آلاف المخطوطات التي تفوح منها رائحة الورق العتيق.
هناك، التقت بالحكيم "زيدون"، رجلٌ بِلِحْيَةٍ بيضاء تصل إلى صدره، وعينين غائرتين كأنهما بئران من الحكمة. بادرها قائلاً بلغة فصحى جزلة:
— "أهلاً بـ 'عابرة الأفق'. كنتُ أعلم أن شغفكِ سيقودكِ إلى هنا قبل أن يسوقكِ القدرُ إلى الرحيل."
ارتبكت ليليان وسألت: "أيها الحكيم، أخبرني عن هذه المرآة، لماذا اختارتني؟ وكيف لي أن أعود إلى دياري؟"
صمت زيدون طويلاً، ثم سحب مخطوطة جلدية مهترئة وفتحها أمامها. كانت تحتوي على رسومات للمرآة ذاتها. قال بصوت خفيض:
— "هذه ليست مجرد مرآة، بل هي 'عين التوازن'. تقول الأسطورة إنها تظهر كل مئة عام لتختار روحاً من 'عالم الماء' (عالمكِ) لتعيد شحن طاقة 'عالم الكلمة' (أرسينا). بقاؤكِ هنا يغذي سحرنا، ورحيلكِ يكسر الرابط. لكن ثمة ثمنٌ باهظ يا ابنتي."
سألت ليليان بقلبٍ يخفق: "وما هو الثمن؟"
أجاب زيدون وهو ينظر إليها بأسى: "المرآة تعيش على المشاعر. لكي تفتح لكِ باب العودة، يجب أن تمتلئ بـ 'دموع الفراق الصادقة'. وهذا يعني أنكِ لن تستطيعي العود إلا إذا أحببتِ هذا المكان وأهله حباً صادقاً، ثم قررتِ تركه. الألم هو الوقود الوحيد لتلك المرآة."
سقطت الكلمات على مسامع ليليان كالصاعقة. هل يعني هذا أنها لكي تعود لبيتها، يجب أولاً أن يتقطع قلبها حزناً؟
في تلك الأثناء، دخل "بدر" إلى المكتبة. كانت ملامحه مضطربة. تقدم نحو ليليان وتجاهل الحكيم للحظة، ثم قال:
— "ليليان، لقد بدأ 'صخر' بتحريض مجلس الشيوخ. يدعي أن وجودكِ سيبطل سحر الحماية عن أرسينا لأنكِ 'غريبة'. يريدون إخضاعكِ لاختبار 'النقاء' أمام الجميع."
نظرت ليليان إلى بدر، وفي عينيها بريق دموع لم تذرفها بعد. سألته: "وهل ستسمح لهم بذلك؟"
قبض بدر على مقبض سيفه وقال بحزم:
— "دوني ودونكِ الموت يا ليليان. لكنني لا أريد لكِ حياةً في الخفاء. أريدهم أن يروكِ كما أراكِ أنا.. هديةً من البحر، لا نقمةً من السماء."
اقترب منها وهمس:
— "لقد قرأتُ في عينيكِ اليوم خوفاً لم أعهده. هل حدثكِ زيدون عن الرحيل؟"
أطاعت ليليان رأسها وقالت: "أخبرني أن طريقي للعودة معبدٌ بالآلام."
أمسك بدر بيديها برفق، وكانت هذه المرة الأولى التي يلمس فيها يدها بهذا القرب المتعمد:
— "إذن، دعيني أمنحكِ من السعادة ما يجعلكِ تنسين فكرة الألم. إن كان لا بد من الفراق يوماً، فليكن بعد أن نملأ جعبة أيامنا بما يستحق الذكر. ليليان.. لا تنظري للمرآة كثيراً، انظري في عينيّ، فربما تجدين فيهما وطناً لا يحتاج لبوابات سحرية."
في تلك اللحظة، أحست ليليان أن جدران المكتبة بدأت تضيق. كانت تشعر بعاطفة جارفة نحو هذا القائد الشجاع، لكن كلمات الحكيم كانت تدوي في رأسها: "الألم هو الوقود". هل بدأ بدر يصبح هو ذلك الألم الجميل؟
بينما هما في تلك اللحظة الحميمية، دوى صوت بوقٍ عظيم في الخارج. ركض أحد الحراس داخلاً وهو يصيح: "أيها القائد! لقد اقتحم رجال الوزير صخر ساحة الاختبار، وهم يطالبون بمثول الغريبة الآن!"
........................