الفصل 3
في مكان آخر و تحديدا في قصر آل ضرغام و تحت ظلال الحديقة الخلفية حيث تتداخل رائحة الياسمين مع ثقل الصمت
وقف مشعل أمام دانا ممسكا بيدها يقبلها بهيام متوتر كمن يحاول استرضاء خطيئة يعرف أنه ارتكبها ثم ابتعد عنها بخطوة واحدة و هو يقول بصوت خافت
"أنا آسف صدقيني لن أكررها ثانية"
نظرت إليه بعينين يشتعل فيهما غضب حقيقي و قالت دون أن تخفي حدتها
"لقد قلت هذا في المرة الماضية يا مشعل"
تنفس بعمق و قال مدافعا
"لم أقصد فعلها"
نفضت يدها من يده بقوة و قالت بمرارة
"تفعل أشياء دون أن تقصد هل تنوي ضربي بعد الزواج ثم تخبرني أنك لم تقصد"
اتسعت عيناه بصدمة حقيقية و اقترب خطوة منها و قال بنبرة جريحة
"دانا. هل تسمعين ما يخرج من فمك؟ أنا أناقشك أحيانا بحدة و هذا أمر اعتيادي لكن هل ترينني من الرجال الذين يرفعون أيديهم على امرأة؟ هل انا منعدم الرجولة إلى هذا الحد بنظرك؟"
تراجعت خطوة و قد خف غضبها قليلا و قالت بصوت أقل حدة
"لم أقصد يا مشعل لم أقصد أن تفهمني هكذا لكنك تفعل أشياء لا تدري إلى أين تؤدي.. ألسنا بالغين بما يكفي لنفكر قليلا قبل أن نتكلم"
قال بهدوء بدا صادقا هذه المرة
"أعدك أن أتغير لكن لا تحملي في قلبك شيئا علي أرجوك"
و في الأعلى عند الشرفة وقف نواف يدخن بصمت يراقب الدخان و هو يتصاعد أمام عينيه بينما تصل إليه بوضوح كلمات الشجار الدائر في الأسفل كان يستمع لكل حرف لكل نبرة لكل تردد يعرف صوت شقيقته جيدا و يعرف أكثر صوت الرجل الذي سيصبح زوجها بعد شهرين زوجا لم يعلن بعد زوجا ينتظر زفافا مؤجلا لكنه بالنسبة لنواف صارت مشاكلهم و مناقشاتهم امرا اعتياديا ..
معلومة سريعة
دانا مخطوبة لابن عمتها مشعل منذ سنة وعشرة أشهر وقد أرادا أن تكون فترة الخطوبة طويلة عن قصد لكن خوفا من كلام الناس ونظراتهم حين يرونهما معا قررت العائلة عقد القران بينهما ليصبحا زوجين أمام الناس فقط دون أن تكون زوجته شرعا بعد إذ إن الزفاف لم يتم بعد وما زال مؤجلا.
والآن بعيدا تماما عن قصر آل ضرغام وفي الطرف الآخر من الحكاية كان قصر عائلة الهجري يقف بهدوئه الثقيل شاهدا على صراع لا يقل قسوة وفي مكتب الجد سالم حيث الجدران تحفظ أسرار سنوات طويلة وقف الرجل أمام ابنيه باسل وماجد وملامحه مشدودة وصوته يخرج بحزم لا يقبل الجدل
"يريدون الصلح رغم أن الخطيئة من طرفنا هل تظنونني أحمقا لأرفض"
سارع باسل بالكلام محاولا تهدئة حدته
"كلا يا أبي لا تقل ذلك"
لكن ماجد قال بصوت يعرف ما وراء الكلمات
"يا أبي الصلح لا يتم إلا بطريقة واحدة وأنت تعرف ما هي"
تصلبت ملامح الجد وقال ببرود قاس
"سنطبقها إن اضطررنا"
انفجر ماجد رافضا
"لن أزوج ابنتي لأحد من أبنائهم"
ارتفع صوت الجد فجأة وصاح بغضب مكتوم انفجر دفعة واحدة
"بل ستفعل علينا ذلك بسبب ولدك وبسبب حبه الأعمى لامرأة مخطوبة تسبب بتلك الجريمة لولدهم وأشعل هذا الثأر والحقد بين العائلتين بعد أن كنا أقرب عائلتين في البلد لو أنك أحسنت تربية أولادك لما حدث كل هذا"
قال ماجد بصوت مكسور يحاول الدفاع عن نفسه
"لم أعلم أنه كان يحبها"
تدخل باسل بنبرة واقعية موجعة
"حتى لو علمت لم يكن بيدك حيلة ابنك أحب امرأة مكتوبة على اسم رجل آخر وبعد أن قتل زوجها في ليلة الزفاف هرب وكأنه لم يفعل شيئا"
ضرب ماجد بيده على المكتب وقال بغضب
"تتكلم وكأن الأمر كان بيدي هرب ولم نتمكن من حبسه عندنا لن تدفع رهف ثمن أخطاء شقيقها"
وفي تلك اللحظة كانت رهف تقف خلف الباب تستمع لكل كلمة جسدها متيبس ودموعها معلقة في عينيها لا تجرؤ على السقوط
قال الجد بصوت حاسم أنهى كل شيء
"لقد قلت ما لدي يا ولد هل تريد عصياني أم ماذا"
ساد الصمت تماما وماجد لم يعد يحتمل قول شيء آخر
تحركت رهف بهدوء من خلف الباب ثم أسرعت بخطوات مرتجفة تركض نحو غرفتها وحين أغلقت الباب خلفها انفجرت بالبكاء بقهر وحسرة كأنها فهمت في تلك اللحظة أن قدرها قد كتب دون أن يسألها أحد.
دخلت سلوى الغرفة على عجل بعدما اخترق أذنيها صوت بكاء ابنتها عندما كانت مارة في المرر الطويل..
كتن صوت بكائها مختلفا هذه المرة مكسورا على نحو أفزع قلبها و ما إن وقعت عيناها على رهف حتى شعرت بأن شيئا انكسر في داخلها فقد وجدتها مرمية على الأرض و وجهها مدفون في ملاءة سريرها تبكي بحرقة كأن الدموع لم تعد تكفي اقتربت منها بسرعة و جثت إلى جوارها تحاول رفع رأسها و تسألها عما جرى لكن رهف تكلمت قبل أن تفكر و كأن الكلمات كانت تختنق في صدرها منذ زمن فأخبرت أمها بكل ما سمعته خلف باب المكتب بكل كلمة بكل حكم بكل قرار اتخذ باسمها دون أن تكون حاضرة
تجمدت سلوى في مكانها للحظات و الصدمة ترتسم على ملامحها بوضوح لم تقل شيئا لم تحاول حتى تهدئة رهف بل نهضت فجأة و خرجت من الغرفة بخطوات سريعة تكاد تركض حتى وصلت إلى مكتب والد زوجها و ما كادت تطرق الباب حتى فُتح و خرج ماجد فاستدارت نحوه و سارت إلى جانبه و هي تتكلم بصوت خافت لكنه مشحون بالغضب
"ماجد ما هذا الذي سمعته من رهف"
نظر إليها بسرعة و كأن السؤال باغته و قال
"ماذا سمعتي"
أجابته مباشرة دون مراوغة
"تريدون تزويجها لأحد أبناء عائلة آل ضرغام"
تنهد و قال بصوت منخفض يحمل عجزا واضحا
"لم أتمكن من إقناع أبي"
ارتفع غضب سلوى دفعة واحدة لكنها تماسكت و قالت بحدة أم لا تعرف المساومة
"إن لم تتمكن سنجبره ابنتي لن تذهب إلى أي مكان تتعذب فيه هل تفهمني"
نظر إليها مرتبكا و سأل
"و هل لديك حل"
قالت دون تردد و كأن القرار كان جاهزا في داخلها منذ اللحظة الأولى
"ستتزوج ابن أختي و بأسرع وقت"
فتح فمه ليعترض ليقول شيئا لكن صدمته كانت حين قاطعته لأول مرة بنبرة حادة لم يعتدها منها و فرضت رأيها دون تراجع
"كلا يا ماجد هذه المرة لا يمكنك معارضتي ابنتي خط أحمر لا يمكن لأحد أن يتجاوزه سأحضر أختي و ابنها و أنت أحضر الشيخ نعقد قرانهم الليلة دون علم أحد"
ساد الصمت بينهما لحظة ثقيلة و في تلك اللحظة أدرك ماجد أن الأمر خرج من يده و أن سلوى لم تعد تطلب بل تقرر.
أما في المكتب فكان باسل يحاول تهدئة والده بكل هدوء ممكن يجلس قباله بصبر الابن الذي يعرف أن الكلمات إن خرجت بحدة ستشعل النار لا تطفئها كان صوته منخفضا موزونا و هو يختار عباراته بعناية خشية أن يضغط على الجرح أكثر مما هو مفتوح و قد أمر بالفعل أحد الخدم بتحضير القهوة لوالده علها تخفف من توتره أو تمنحه لحظة صمت يستعيد فيها اتزانه فالقهوة في مثل هذه المجالس لم تكن مجرد شراب بل هدنة قصيرة يختبئ خلفها الكلام حين يعجز عن الخروج.