الفصل الثالث عشر 🏔️❄️
صوفيا أخدت خطوة لورا من غير ما حد ياخد باله.
مش انسحاب خوف… انسحاب وعي.
وقفت على مسافة،
قريبة كفاية تسمع،
وبعيدة كفاية تسيب المساحة.
معاذ كان واقف قدّام عمر.
عمر كان لسه قاعد في نفس المكان اللي سابته فيه صوفيا،
بس قام. قيامته كانت بطيئة، مترددة، كأنه فهم… أو حس… إن اللحظة دي جاية مخصوص له.
صوفيا كانت عايزة تجمعهم،عملت اللي عليها،
ودلوقتي السؤال الحقيقي:
هل هو عنده الشجاعة يتكلم؟
معاذ أخد نفس عميق. نفس طويل، تقيل،
وبعدين قال بصوت أوطى من العادة، من غير هزار، من غير اندفاع
"أنا آسف يا عمر. بجد."
عمر رفع عينه له. ساكت.
معاذ كمّل، وهو ثابت مكانه
"أنا تدخلت زيادة.افتكرت إني بساعد،
بس ما فكرتش إن اللي مريحني ممكن يكون خانقك.
ما كانش من حقي أضغط عليك،ولا أقرر إيه الصح ليك."
سكت لحظة، وبعدين قال بصدق موجع
"لو زعلتك… أو حسستك إني مش شايفك،أنا آسف."
عمر اكتفى بإيماءة خفيفة.
إيماءة مش رفض…
ولا قبول كامل.بس معاذ قلبه انقبض.الإيماءة دي فهمها غلط.
لسه زعلان؟
ولا مش عايز صداقة؟
ولا مش عايزني في حياته؟
صوفيا فضلت مكانها.
ما تدخلتش.
حاسة إن اللي جاي لازم يطلع لوحده.
وفجأة…
عمر اتكلم. صوته كان واطي،مش ثابت اوي،
بس واضح انه بيحاول ...بيحاول يشرح نفسه
"أنا…أنا أصلاً ما كنتش أعرف يعني إيه مشاعر."
معاذ ما اتحركش.
ولا صوفيا.
عمر بلع ريقه، وكمل
"كبرت لوحدي.ما كانش عندي صحاب،ولا حتى زمايل قريبين.كنت بتكلم بس لما أحتاج،وده كان مريحني."
وقف شوية،وكأن الكلام نفسه تقيل عليه.
"بس من ساعة ما دخلتوا حياتي…ما بقيتش مرتاح زي الأول.في إحساس غريب.مش مألوف…
بس مش وحش زي ما كنت فاكر."
إيده اترعشت وهو بيكمّل،صوته خانُه شوية، بس كمل بإصرار شخص بيتعلم يحكي
"إنتوا شايفيني الكاتب الهادي،الحكيم اللي عنده كلمات…
بس الحقيقة؟أنا بهرب من الناس لأني ما بعرفش أتعامل معاهم.ما بعرفش أبتسم،ولا أرد على مجاملة،ولا أبقى طبيعي."
رفع عينه شوية، وبص في الفراغ
"الوحدة ما كانتش اختيار…كانت ملجأ."
نَفَسه بقى أسرع،لكن صوته فضل هادي
"بتطلبوا مني مسرحية؟أنا مش الكاتب اللي فاكرينه.
الكلمات اللي في دفتري صرخات لنفسي،مش للجمهور.
أنا خايف أكتب للناس،فيكتشفوا قد إيه أنا فاضي…
أو قد إيه أنا خايف."
سكت لحظة،وبعدين قال بصراحة كسرت الحاجز الأخير
"يوم ما اتقابلنا…إنت يا معاذ اعترفت إنك فشلت.
وإنتي يا صوفيا اعترفتي بخطأك اللي بعدك عن الطب.
وأنا…أنا ما قلتش حاجة."
صوته واطي أكتر
"بس الحقيقة إني رجعت هنا عشان أنا كمان فشلت.
كل كتبي اترفضت.حتى اللي اتنشر…ما لمسش حد.
كلام بيتقري…بس ما يتحسّش."
إيده كانت مقبوضة.
جسمه متشنج.
كأن كل كلمة بتتسحب من جواه بالعافية.
"عشانها كانت من غير إحساس.مجرد كلام."
سكت.
الصمت اللي جه بعدها كان تقيل…
بس مش خانق.عمر حس بحاجة غريبة.
مش حزن. مش وجع.
كأنه شال حمل كان شايله لوحده سنين.
هو ده معنى مشاركة الأسرار؟
لكن الخوف جه فورًا:
طيب…هيحكموا عليّا؟
رفع راسه.لقى معاذ بيبصله.
ثانيتين.
وبعدين معاذ ابتسم.
ابتسامة هادية، صادقة.
وقال
"شكرًا."
عمر اتلخبط
"على إيه؟"
معاذ رد ببساطة
"عشان وثقت فينا.وعشان قلت اللي عمرك ما قلته."
صوفيا قربت شوية، ابتسامتها دافية
"أكيد كان صعب.إنك تفضل شايل ده لوحدك."
عمر حس بعينه سخنت.
مش دموع…
بس إحساس.
وفجأة، معاذ فتح دراعاته،
وبص له وهو بيهزر بخفة تنقذ اللحظة
"بس متسبنيش معلّق في الهوا المرة دي."
عمر تردد لحظة…
وبعدين، بحذر،مد إيده…
وبادله العناق.عناق مش قوي…
بس حقيقي. وصوفيا ابتسمت.
عارفة إن اللحظة دي
كانت تستاهل كل انسحاب.
_______
عند النقطة دي…
جه وقت القرار.
المسرحية.
هل عمر هيكتبها؟
وهل أصلًا شايف نفسه قادر؟
مافيش ضغط. مافيش إجبار.هو مش محتاج يثبت حاجة لحد.
عمر سكت شوية. كان باصص قدّامه، مش ليهم،
كأنه بيكلم نفسه قبل ما يكلمهم.
وبصوت هادي، متردد بس صادق قال
"أنا… هحاول."
صوفيا فتحت عينيها بدهشة حقيقية
"بجد؟"
الفرحة بانِت على وشها من غير ما تحاول تخبيها.
أما معاذ، فابتسم.
ابتسامة مش صاخبة…
ابتسامة فخر.
فخر بصديق أخيرًا بيقرب خطوة من نفسه.
لكن عمر ما استناش اللحظة تكبر.
قطع الفرحة بسرعة، وكأنه محتاج يحمي نفسه
"بس…ما بوعدكوش بحاجة."
سكت لحظة، وبعدين كمّل وهو بيزوغ بعينيه
"أنا لسه…لسه بتعلّم."
الجملة ما كملتش،بس كانت مفهومة.
صوفيا هزّت راسها فورًا
"فاهمين." وبصت على معاذ اللي قال بهدوء
"والكفاية إنك بتحاول."
عمر حس لأول مرة
إن المحاولة لوحدها
مقبولة.
_______
في بيت عيلة عمر…
ليلة هادية، والبرد ساكن حوالين النوافذ.
والدته، نائلة، كانت متسطحة بتحضر على التلفزيون لكن لما شافت الساعة اللي تأخرت أدركت انه ابنها، من ساعة ما رجع البيت، قاعد في غرفته مش طالع ولا حاسس بأي حاجة.دي عادته، لكنها المرة دي لاحظت حاجة… هو حتى ما أكلش حاجة.
اقتربت من الغرفة، ودخلت بخفة.
قدامها كومة من الأوراق، بعضها مرمي على الأرض، وبعضها قدامه على المكتب.
لكن اللي شد انتباهها… كانت عينه.
العينين دول، اللي عادة بيبصوا للورق بنظرة هادية، المرة دي مختلفة.
فيهم تركيز… فيهم حرارة… فيهم شعور كأن فيه شيء جواه مولع.
الأصابع اللي ماسكة القلم كانت غير أي مرة قبل كده.
فيها إصرار، فيها حياة… حاجة شبه شعاع بيطلع منه ويدفّي الجو حواليه.
حتى كأنه الثلج اللي حوالينه بدأ يذوب من حرارة عزيمته.
نائلة خرجت من الغرفة، لكن ماعدتش بعيد… رجعت تاني وهي شايلة صينية صغيرة عليها حاجة تأكل.
حطتها جنب عمر بخفة.
عمر رفع رأسه… وعيونه لفتت لنائلة اللي واقفة مبتسمة.
سألته بحنية
"ده كتاب… ناوي تنشره ولا إيه؟"
عمر رد بارتباك خفيف
"لا… دي… للمسرحية بتاعة القرية."
نائلة اومأت برضا، وابتسمت أكتر وقالت
"يبقى شكلها ممتعة."
عمر رفع حاجبه باستغراب…
نائلة ضحكت وقالت بهدوء
"شكلك مبسوط وإنت بتكتبها."
وبعدين نصحته ياكل حاجة، وغادرت الغرفة وهي ساكتة، تاركا له المساحة.
في اللحظة دي، عمر حس بحاجة جديدة… حاجة مختلفة.
سأل نفسه بصوت خافت
"هل أنا… مرة حسيت بالمتعة وأنا بكتب حاجة قبل كده؟
هل أنا… كتبت حاجة يومًا عشان حد؟
عشان أفرح أطفال؟
أو عشان ناس هتقرا الكلام ده وتتاثر بيه؟
أو حتى عشان أشخاص صدقوني زي ما أنا… زي ما هم عارفيني؟"
بقى ساكت، وأيده ماسكة القلم، والدفتر مفتوح قدامه.
الدفتر بقى مش بس ورق… بقى فرصة، بقى حاجة ممكن تعمل فرق… حتى لو صغيرة.
______
اليوم الموالي ...
كانوا واقفين برة بيت عمر، بيبصوا لبعض بدهشة.
اتنينهم مستيقظين بدري… أو يمكن ما ناموش أصلاً، من كتر الحماس والقلق على عمر، مش عارفين إذا كان هيكتب فعلاً ولا لأ.
بس أكتر حاجة فاجأتهم… إنهم لقوا نفسهم واقفين قدام بيته.ضحكة غصب طلعت من معاذ، وابتسامة خفيفة ارتسمت على وش صوفيا.
دقوا الباب، و مامت عمر فتحت الباب على طول، بابتسامة دافية ورحبت بيهم
"تعالوا يا حبايبي، اتفضلوا."
دخلوا على أوضة عمر كأنه ماشيين في مهمة رسمية… كل خطوة محسوبة. دقوا على باب أوضة عمر، وهناك شافوه واقف ماسك حزمة أوراق بإيده، عيونه مليانة دهشة.
عمر اندهش من مجيئهم، و معاذ على طول علاطول أشار بصوت فيه شوية دغدغة
"هي كانت قلقانة عليك."
صوفيا بصتله بدهشة، وبعدين قالت بسرعة
"ما تصدقوش… أنا وصلت ولقيته واقف قدام باب البيت، وهو اللي عادة ما يصحاش بدري!"
معاذ تجاهل تعليقها، وتقدم ناحية عمر وقال
"عامل إيه؟"
كان يقصد المسرحية، مش أي حاجة تانية"
عمر خبط حاجبه شوية، ورجع يشوف الأوراق في إيده… لسه مش عارف إذا كانت المسرحية كويسة ولا لأ.
معاذ ابتسم وقال على طول
"مفيش مشكلة… المهم إنك حاولت. يلا نخلي اللجنة اللي بتنظم المسرحية تقرأها ونشوف رأيهم."
و صوفيا اومأت بتأييد .
______
وقف عمر قدّام مشرف المسرحية، الأوراق في إيده متلمّة بس مشدودة، كأنها بتفضح توتره أكتر ما بتخبيه.
مدّ إيده ببطء، وناول له حزمة الورق من غير ما يتكلم.
المشرف مسك الأوراق، وبص لعمر نظرة سريعة، نظرة واحد شاف فيها حاجة قبل ما يقرا سطر.
قعد يقلب في الصفحات… صفحة ورا صفحة… صمت تقيل نزل على المكان.
عمر واقف، كتافه مشدودة، أنفاسه مش منتظمة.
صوفيا ومعاذ واقفين وراه، عيونهم عليه أكتر من الورق نفسه.
فجأة…
المشرف وقف التقليب، رفع راسه، وابتسم.
"تمام."
الكلمة نزلت بسيطة… بس كانت تقيلة.
قبل ما عمر يستوعب، المشرف كمل بحماس
"دي تتعمل فورًا. مفيش كلام بعد كده."
عمر فتح عينه شوية، كأنه مش مصدق اللي سمعه.
صوفيا بصّتله وابتسامتها وسعت، عينها بتلمع، ومعاذ اداله نظرة فخر واضحة، ابتسامة هادية بس مليانة معنى.
ومن اللحظة دي…
بدأت تجهيزات المسرحية.
المكان اتحول خلية نحل.
صوفيا كانت في النص، وسط الأطفال اللي كانوا بيجروا هنا وهناك، يقفزوا ويضحكوا، الحماس ماليهم.
تربت على كتف ده، وتعدل هدوم دي، وتضحك وتقول
"استنوا… واحدة واحدة!"
بس هي نفسها كانت مبسوطة أكتر منهم.
معاذ تولّى الترتيب مع مجموعة تانية، بيحضّروا مصطبة العرض.
مصطبة صغيرة، بسيطة، خشبها باين ومتواضع، بس معمولة بإيدين متحمسة.
كان واقف يوجّه، يشيل، ويظبط، صوته عالي شوية بس واثق.
أما عمر…
عمر كان حكاية تانية.
فضل واقف جنب مشرف المسرحية، اللي التصق بيه حرفيًا.
ما سابوش خطوة، يشرحله، يسأله، ويمجّده قدّام الكل
"شايفين؟ دي موهبة طالعة… ما تتفوتش."
عمر كان سامع الكلام، بس لسه مش مستوعب.
حاسس إنه دخل عالم جديد، عالم بيتفتحله لأول مرة… من غير ضغط، من غير خوف، بس بثقة ناس آمنت بيه.
وهناك، وسط الضحك، والجري، والخشب، والورق…
بدأت الحكاية بجد.
______
بداية الاحتفال كانت مختلفة…
القرية كلها كأنها صحيت على قلب واحد.
الأكشاك متراصة على الجانبين، مليانة ناس، روائح حلوة طالعة من كل حتة، صوت البياعين مختلط بالضحك.
الناس داخلة طالعة، عيون بتلمع، ووشوش ضاحكة.
الأطفال؟
كانوا عالم لوحدهم.
جري في كل اتجاه، ضحك عالي، وصريخ فرح.
شوية منهم قاعدين يشكّلوا رجال تلج، أنوفهم حمرا من البرد، وإيديهم متلجّة بس عيونهم بتضحك.
الشرائط الملوّنة متعلقة فوق، بتترجح مع الهوا،
والأنوار الصغيرة منورة المكان، دافية رغم البرد، عاملة جو كأن القرية كلها حضن كبير.
صوفيا وعمر ومعاذ طلعوا وسط الزحمة.
واقفِين، بيتفرجوا، مستمتعين بالمشهد.
الجو كان… أكتر من رائع.
وفجأة...
حاجة ساقعة خبطت وش صوفيا.
اتجمدت لحظة…
وبعدين لفت بسرعة.
معاذ.
واقف، وإيده لسه في وضع الرمي، ووشه بريء بشكل مستفز. بصّتله باستنكار، ومسحت التلج من خدّها، وقالت بنبرة جدية مزيفة
"بجد؟ إحنا كبرنا على الكلام ده."
معاذ فتح عينه بعدم تصديق
"كبرنا؟!"
وما كملش…
لأن في اللحظة اللي بعدها، كرات التلج بدأت تنهال عليه من كل ناحية.
"إيه ده؟!"
وهو بيحاول يستخبى، وبيصرخ وهو بيضحك
"مش إنتي لسه قايلة كبرنا؟!"
عمر كان واقف شوية بعيد، بيراقبهم.
ابتسامة هادية على وشه، مستمتع بالمنظر، بالضحك، بالدفا الغريب اللي حسّه وسط البرد.
لحظة سلام.
لكن…
ما طولتش.
كرة تلج جات في صدره.
وبعدين واحدة تانية.
رفع راسه، لقى معاذ بيبصله وهو بيضحك.
صوفيا كانت ماسكة كرة تلج، بصّت لعمر بسرعة وقالت
"ما تخليش معاذ يفوز!"
عمر وقف لحظة.
بص للتلج في إيده…
وبعدين انحنى بهدوء، وبدأ يشكّل كرة.
ومع أول رمية
بدأت معركة التلج.
ضحك عالي، جري، كرات بتطير في الهوا.
صوفيا حاولت تستخبى ورا عمر، وهي بتضحك
"خليه بعيد عني!"
معاذ حاول يلف عليهم، يرمي، ويستخبى، ويضحك بصوت عالي. وعمر بيحاول يتجنب الكرات، مرة ينجح ومرة لا، وضحكته طالعة من قلبه.
في الآخر، معاذ قرب من صوفيا، ومسح بإيده شعرها اللي اتملّى تلج، وهو بيقول بنبرة خفيفة
"أهو… كله تلج."
وصوفيا بصّتله وضحكت.
وعمر واقف جنبهم، نفسه هادي، قلبه أخف من أي وقت فات.
تلاتة…
واقفِين في وسط القرية، وسط الضحك،
وسط تلج بيقع…
وحكاية لسه بتبتدي. ❄️🤍
_____
المسرحية كانت على وشك تبدأ.
والكراسي قدّام المسرح الصغير بدأت تتملي واحدة واحدة بناس القرية…
أبهات وأمهات، جدّات، وناس جايين مخصوص يشوفوا ولادهم الصغيرين وهم واقفين على الخشبة.
عمر كان واقف على جنب، ومعاه صوفيا ومعاذ.
عينيه بتلف على الناس من غير تركيز… لحد ما لمح منظر خلاه يقف شوية.
والده ووالدته.
كانوا بيتقدموا بهدوء، لابسين شيك زي عادتهم،
ونائلة ماسكة دراع جوزها بثقة وفخر واضح.
ومن وراهم، عمر لاحظ عائلات معاذ وصوفيا كمان داخلين.
استغرب.
قلبه دق دقة غريبة.
بص لأمه، وقال باستغراب خفيف
" بابا ؟ ماما ؟ إنتوا جيتوا؟"
نائلة بصّتله، وابتسامتها كانت مليانة اعتزاز، وقالت وهي ماسكة دراع جوزها أكتر
"طبعًا… جايين نشوف المسرحية اللي كتبها ابنّا."
عمر اتلخبط، وقال بسرعة وكأنه بيقلل من الموضوع
"دي مسرحية بسيطة يعني… أطفال وقرية…"
لكن نائلة قاطعته فورًا، بابتسامة دافية
"بس برضه… مسرحية ابني."
وبعدين بصّت لجوزها،فهو أومأ فورًا، وسأل بهدوء
"في مقاعد فاضية؟"
معاذ ما استناش ثانية،اتقدم خطوة وقال بحماس محترم
"طبعًا، اتفضلوا، في أماكن قدّام."
ورحّب بالجميع كأنهم عيلته فعلًا.
بدأت المسرحية.
العنوان اتعلق بخط كبير: "سر الألوان المختبئة"
الستارة اتفتحت على قرية غريبة…
كل حاجة فيها أبيض.
البيوت أبيض.
الشجر أبيض.
حتى هدوم الناس أبيض.
الأطفال على الخشبة اشتكوا بصوت واحد:
"الدنيا مملة… كل حاجة شبه بعض!"
وطلع "باسم".
طفل ما بيقفش في مكانه، صوته عالي، بيجري ويقفز،
وقال بحماس
"وحش الملل هو اللي سرق الألوان! وأنا هرجعها!"
ضحك خفيف من الجمهور.
باسم حاول يروح لوحده لمغارة التلج…
اتكعبل، وقع، ضاع الطريق. وهنا دخلت "نور".طفلة هادية، شنطتها في إيديها، بتقرب منه وتمسك إيده
"القوة مش دايمًا الحل."
وصلوا لباب المغارة.
باب مقفول… جامد.
نور لاحظت حاجة مكتوبة بلغة غريبة.
قالت
"دي كلمة سر… بس مش أي حد يقدر يقراها."
سكت المسرح لحظة.
وهنا…
ظهر "كاتم".
واقف بعيد، طفل هادي، عينيه على الأرض.
قال بصوت واطي
"أنا… أنا ممكن أحاول."
اتقدم خطوة.قرأ ببطء، بتردد، كلمة كلمة.
ومجرد ما نطق آخر حرف
الباب اتفتح.
والألوان خرجت.
أطفال بملابس أحمر، أخضر، أصفر…
رقصوا وسط التلج.
المسرح كله اتحول حياة.
وفي الآخر، صوت جماعي
"الصوت العالي… والعقل الهادي… والكلمة الصادقة…
مع بعض، بيخلّوا الدنيا أجمل."
ورا الكواليس…
صوفيا كانت واقفة، دراعاتها متشابكة،وعينيها على العرض.
معاذ واقف جنبها، قال بحيرة حقيقية
"هو… هو إحساسي غلط؟ الشخصيات دي… مش مالوفة شوية؟"
صوفيا ما ردتش بكلام.اكتفت بإيماءة خفيفة…
وابتسامة غامضة.معاذ فضل باصص لها لحظة، وبعدين لف يتفرج تاني والحيرة لسة ماسكاه.
أما عمر…
كان واقف ورا الستارة مباشرة.إيديه مفرودة، نفسه تقيل.
قلبه بيدق جامد.
هتوصلهم؟
هيحسّوا؟
الكلام اللي كتبته… المشاعر اللي بدأت أفهمها…
هتعجبهم؟
الستارة قفلت. ثانية صمت. ثانيتين.
وبعدين…
تصفيق.
عالي.
طويل.
صادق.
وعمر…
وقف مكانه،
وعرف إن كلماته…
أخيرًا وصلت
_____
السماء كانت غمقت تمامًا.
زرقة تقيلة ميلة للسواد، والنجوم مستخبية ورا الغيوم، والتلج بينزل بهدوء، حبات صغيرة بتلمع تحت نور الفوانيس.
تقريبًا كل أهل القرية كانوا برّه.
كبار، صغار، عائلات كاملة…
كلهم واقفين، نفسهم طالع أبيض من البرد،
وأعينهم مرفوعة لفوق.
جاء الوقت.
وقت إطلاق المصابيح.صوت الهمس خف،والدنيا سكتت كأنها مستنية.المصابيح الورقية كانت متجهزة،
نورها دافي، لونها دهبي،بتتهز شوية في الهوا من كتر البرودة.
حد بدأ العدّ…
"خمسة…"
الأنفاس اتحبست.
"أربعة…"
أصابع الأطفال مسكت في هدوم أهاليهم.
"تلاتة…"
القلوب دقّت أسرع.
"اتنين…"
العيون وسعت.
"واحد… صِفر!"
وفي لحظة واحدة…
اتسابوا.
المصابيح طلعت لفوق،ببطء الأول،وبعدين واحدة ورا التانية،كأنها نجوم صغيرة بتفلت من الأرض.
نورها انعكس على وشوش الناس،
على التلج،
على الضحك.
الأطفال صرخوا بفرحة،
وأشّروا بإيديهم لفوق:
"بص! بص هناك!"
ناس ضحكت،ناس دموعها لمعت من غير ما تحس.
وسط كل ده…
كانوا التلاتة واقفين جنب بعض.
صوفيا في النص،رافعه راسها لفوق،عينينها بتلمع،
وشفايفها مفتوحة بابتسامة حقيقية،
بتتابع المنطاد وهو بيبعد ويصغر.
معاذ كان محشور جوه معطفه من البرد، كتافه نازلة
إيديه في جيوبه، بس رغم كده…
كان بيبتسم،ابتسامة هادية وهو باصص للسماء.
وعمر…
هو كمان كان مبتسم.ابتسامة صغيرة، صافية،
نادرة عليه،وهو شايف النور بيطلع…
وكأنه شايف حاجة جواه هو كمان بتتحرر.
وفي نفس اللحظة تقريبًا،معاذ وعمر لفّوا راسهم ناحية صوفيا.وقفوا ثانية يبصّوا لها.كانت واقفة، مبهورة،عينيها مليانة نور، والتلج واقف على شعرها ورموشها.
صوفيا حسّت بنظراتهم،بصّت لمعاذ الأول،
وبعدين لعمر،وابتسمت.
ورفعت إيديها،وأشارت للمصابيح اللي بتبعد في السما
كأنها بتقول من غير كلام:
شايفين؟
دي اللحظة.