في طَريقِ الخَيلِ و الخَيالِ - الفصل 2 - بقلم ســوريــــا | روايتك

اسم الرواية: في طَريقِ الخَيلِ و الخَيالِ
المؤلف / الكاتب: ســوريــــا
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 2

الفصل 2

مر يومان ثقيلان كأن الزمن فيهما فقد خفته و تثاقل تحت وطأة الدم و خلال هذين اليومين لم يترك ضرغام شيئا للصدفة بل جلس يعيد ترتيب كلماته كما يعاد ترتيب السيوف قبل المعركة يخطط للحديث المرتقب مع كبار المنطقة بعقل شيخ خبر النزاعات و عرف أن الكلمة أحيانا أمضى من السلاح دعا الجميع بلا استثناء و جعل الدعوة عامة حتى لا يقال إن الصلح ولد من باب ضيق كان من بين المدعوين ذاك الاسم الذي لم يسمع صوته منذ أشهر الاسم الذي كان يوما يملأ أيامه ضحكا و حديثا صديقه سالم الهجري فذكر اسمه وحده كان كفيلا بأن يفتح جرحا لم يلتئم بعد كان الاجتماع قد حدد في آخر الأسبوع بعد ثلاثة أيام كاملة ثلاثة أيام بدت لضرغام دهرا كاملا بين انتظار و ذكرى و خوف من أن ينهار كل ما بناه بكلمة واحدة غير محسوبة و رغم ذلك حسم أمره و قرر أنه إن كتب لهذا الصلح أن يتم فإنه سيقيم عزيمة واسعة تجمع الناس و تكسر حد السكاكين و سيذبح اللحم و يوزع الشحم و الطعام على المساكين عل الدم إذا شبع الفقراء يهدأ غضبه و تنام الفتنة قبل أن تستيقظ من جديد و على الشاطئ سارت بهدوء فوق الرمل الرطب تتمشى بلا وجهة واضحة عيناها معلقتان بالبحر كأنها تعرفه و يعرفها تتأمل امتداد موجه و تمايله الهائم و حين رفعت بصرها فجأة تجمدت خطواتها إذ رأت تلك الجثة الهامدة الممددة قرب الماء.. رأت أمامها ذلك الخيل الضخم خيل عربي أصيل يقف شامخا ثم ما لبث أن انحنى مطيعا و ارتمى على الأرض ليضع رأسه على حجر صاحبه بينما كان الرجل مستلقيا إلى جواره في سكون تام لم تفزع لم تسرع لم تشعر بحاجة إلى السرعة كأن المشهد على غرابته كان مألوفا لها اقتربت بخطوات هادئة محسوبة حتى بلغت مسافة قريبة عندها فتح عينيه ببطء ليراها واقفة أمامه تلك الفتاة ذاتها التي لم يمر يوم يزور فيه الشاطئ إلا و صادف وجودها ابتسمت له لكنه لم يرى ابتسامتها حقا فالشمس كانت خلفها تخفي ملامح وجهها و تحيطها بهالة من الضوء جعلتها أقرب إلى ظل ناعم اعتدل في جلسته سمع صوتها يقول بهدوء تعرفه "فارس أليس كذلك" أومأ برأسه و أشار لها بيده نحو الرمل بجانبه و هو يقول "اجلسي إن أردت ذلك" لم تمانع اقتربت و جلسَت بهدوء قربه عندها سمعت زمجرة خافتة من الخيل فنظرت إليه باستغراب ثم التفتت إلى ذالك الفارس حين سمعته يخاطب حصانه بنبرة مطمئنة "لا بأس ليست خطرا لا داعي لأن تستاء من وجودها" ضحكت ضحكة خفيفة و قالت "هل يزعجه وجودي" أجابها بهدوء "ليس تماما وجود الغرباء عموما لا يريحه" ابتسمت ثم عادت تصرف نظرها عنهما كليهما لتغرق في مشهد الأمواج أمامها تراقبها كمن يصغي لحديث قديم بعد وقت من الصمت سمعته يقول "ألا تملين من هذه الأمواج" التفتت إليه و قالت باستغراب "و لماذا أمل" قال و هو يراقب البحر "لأنك تشاهدينها دائما هذا أمر روتيني و اعتيادي" ابتسمت و قالت بصوت صادق "في كل مرة أشعر و كأنها المرة الأولى" ابتسم دون قصد فبادلته الابتسامة ثم أشارت إلى الخيل قائلة "ما اسمه" قال بهدوء "وحيد" نظرت إلى الخيل ثم إليه و قالت "هل اسمه يصفه" أجابها بعد لحظة "نعم هو حقا وحيد لا يقبل الخيول الأخرى لم يكن له عائلة ولا أصدقاء... غيري" قالت بتأمل "سمعت من قبل أن الحيوان يشبه مالكه هل هذا صحيح" ساد صمت قصير بينهما تبادلا خلاله نظرة مباشرة خالية من الزخرف و بعد لحظة قال أخيرا "لست وحيدا في حياتي لكني أفضل الوحدة" قالت بهدوء "إذن.. أنت لست وحيد.. لكنك بطريقة ما كذلك" قال و هو يعيد نظره إلى البحر "ربما" بعد وقت من الصمت الذي تشاركاه كأنه اتفاق غير معلن سمعته يسألها بصوت هادئ لا يحمل فضولا بقدر ما يحمل رغبة في الفهم "كم عمرك يا هيا" أجابت دون تردد و بنبرة ثابتة "أربعة وعشرون" سأل بعدها "هل تدرسين" قالت بهدوء لا يخلو من شيء دفين "نعم أدرس.. لكني أدرس من المنزل و لا أذهب إلى الكلية إلا في أيام الامتحانات" قال ببساطة مباشرة "لماذا" ترددت لحظة قصيرة ثم قالت "لم يسمح لي بغير ذلك.. كنت سأمنع من الدراسة تماما لولا أمي التي أصرت" كان يستمع لها باهتمام حقيقي لم يقاطعها و لم يبد دهشة فتابعت و كأن الكلمات وجدت أخيرا من يحملها "أبي كان يرفض تعليمي لأن عائلته لا ترى تعليما للبنات من عاداتها أمي على العكس تماما تنتمي لعائلة أكثر انفتاحا و فهما فكنت دائما في المنتصف لا أنتمي بالكامل إلى هذا و لا أستطيع الانفصال عن ذاك" قال بعد لحظة تفكير "أغلب البدو يرفضون تعليم البنات لكن إن بقيت هنا فالتعليم لن يفيدك كثيرا" نظرت إليه باستغراب و سألته "و لماذا" أجاب بنبرة واقعية خالية من التجميل "لأنك إن تزوجت هنا سيمنعك زوجك من الدراسة أو العمل بحجة أنه هو من سيتكفل بحياتك" سألته بهدوء يحمل فضولا شخصيا "هل أنت منهم" قال دون مواربة "في الحقيقة.. لا أرفض تعليم زوجتي عندما أتزوج لكن.." توقف قليلا ثم أكمل "سيزعجني أن أتركها تعمل" قالت و هي تميل برأسها قليلا "لماذا" أجاب بنبرة رجل اعتاد القناعات الثقيلة "لأن ذلك سيقلل من رجولتي إن تركت زوجتي تصرف على نفسها من مالها و لم أكن أنا من يفعل" قالت و هي تلتفت إليه بنظرة هادئة تحمل شيئا من التحدي الصامت "هل تؤمن أن رجولتك تتعلق بزوجتك" نظر إليها لثوان قصيرة ثم قال بهدوء لا يخلو من يقين "ألا تعتقدين ذلك" ابتسمت ابتسامة خفيفة و كأنها تستحضر فكرة قديمة و قالت "لا أظن ذلك... على سبيل المثال لن أشعر أن أنوثتي جرحت إن خانني شريكي المستقبلي.. لا أرى أن أنوثتي مرتبطة بأفعاله.. كما أنني لا أرى أن رجولة أحدهم تتعلق بأفعال زوجته" ثبت نظره عليها و فهم من كلماتها أكثر مما قالت أدرك أنها لا تعرف الكثير عن ثقل العادات التي تحكم هذا المكان فسألها بنبرة أقرب للاستنتاج "هل كنت تعيشين في الخارج يا هيا" نظرت إليه بدهشة واضحة و قالت "كيف عرفت" قال بهدوء "هذا واضح الأشياء التي تؤمنين بها لا معنى لها هنا" لم تفهم قصده تماما فنظرت إليه بتساؤل صريح فتابع حديثه بصوت منخفض لكنه واقعي "عليك أن تفهمي كيف يعيش الناس هنا لكي تتعايشي معهم هنا كل شيء متعلق بشريكك عندما يصبح لك حتى لو لم تشعري بأن أنوثتك تجرح إن خانك شريكك فالناس هنا لن يلوموه على خيانته بل سيلومونك أنت سيقولون إنك قصرت في شيء.. او انك لم تعتني بشيء كما يجب و لذلك خانك" توقف لحظة ثم أكمل "و هكذا تماما هو الوضع مع عمل الزوجة سيلومون الزوج و يقولون إنه لم يؤمن لها حياة كريمة و لذلك اضطرت للعمل" قالت و هي تعقد حاجبيها باستغراب "لكن ماذا إذا كانت هي تريد العمل أعني ماذا ستفعل طوال اليوم في المنزل دون مهام حقيقية" هز كتفيه قليلا و قال "لن يهتم الناس بذلك.. الناس هنا سطحيون يحكمون دون أن يفكروا بما قد يكون حدث فعلا. أما عن ماذا ستفعل المرأة في المنزل فلا أستطيع الإجابة حقا.. انا لا أدري" ضحكت بخفة كأنها تحاول كسر ثقل الحديث و في تلك اللحظة و جد نفسه يسرح في ضحكتها دون أن ينتبه لمرور الوقت انتبهت هي لنظرته فشعرت بخجل مفاجئ و أشاحت بوجهها نحو البحر تخفي ارتباكها لاحظ هو شروده فعاد بنظره هو الآخر إلى الأفق كأن البحر صار فجأة ملاذا مشتركا لصمت لم يحتاجا إلى تفسير "ربما"