همس القلوب وحَفِيف المؤامرات
مرت الأيام في "أرسينا" كأنها قصيدة شاعريّة طويلة. بدأت ليليان تعتادُ رنين اللغة الفصحى في أذنيها، بل بدأت ألسنتها تستقيم ببعض مفرداتها تحت إشراف أثير، التي لم تكن مجرد وصيفة، بل كانت معلمةً بارعة. لكن، خلف جدران القصر الرخامي، لم تكن كل القلوب صافية تجاه "ابنة الغيب".
في جناح القائد، كان بدر يجلس مع مستشاريه، وعلى رأسهم "الوزير صخر"، رجلٌ ذو نظرات باردة لا تخفي مقتها للغرباء. ضرب صخر الطاولة بيده وقال بصوتٍ متهدج:
— "أيها القائد، إن بقاء هذه الفتاة غريبة الأطوار بيننا يثير لغطاً في الرعية. يقولون إنها ساحرة أتت من خلف الضباب بمرآة ملعونة. أرسينا كانت دائماً نقية من دنس الغرباء، فبأي حقٍ تبقيها في حماك؟"
رد بدر بهدوءٍ زاد من حنق صخر:
— "إنها ضيفتي يا صخر، وقوانين أرسينا تمنع إهانة الضيف حتى تثبت إدانته. المرآة التي تحملها هي أثر قديم، وربما تكون هي المفتاح لفك شفرة النبوءات القديمة التي تآكلت في كتبنا. انصرف، ولا تدع ظنونك تعمي بصيرتك."
في تلك الأثناء، كانت ليليان في "حديقة الصمت" تحاول استكشاف قدرات المرآة. كانت تلمس الإطار البرونزي، فتظهر صور مشوشة لعالمها القديم.. رصيف الميناء، والدتها وهي تنادي عليها، غرفتها المليئة بالكتب. شعرت بغصة في حلقها؛ فهي تشتاق لبيتها، لكنها في الوقت ذاته تشعر بانجذاب غامض لهذا العالم.
فجأة، شعرت بظلٍ يقطع الضوء عنها. كان بدر.
— "هل يراودكِ الحنين لبيتٍ لا يُرى أثره في سمائنا؟" سألها وهو يجلس على مقربة منها.
تنهدت ليليان وقالت: "أحياناً أشعر أنني في حلمٍ جميل، وأخاف أن أستيقظ فأجد نفسي وحيدة على رمال الشاطئ مرة أخرى. وأحياناً.. أخاف ألا أستيقظ أبداً، وأنسى من أكون."
نظر بدر إلى المرآة في حجرها وقال:
— "النسيانُ نعمةٌ ومذمةٌ في آنٍ واحد. لكن، ما رأيكِ لو نكتب ذكريات جديدة هنا؟ غداً يُقام 'مهرجان الكلمة' في ساحة المدينة، حيث يتبارى الشعراء والفرسان. أريدكِ أن تكوني بجانبي، ليعلم الجميع أنكِ تحت حماية القائد، ولتري أن أرسينا لا تملك سوى الجمال لتقدمه."
في اليوم التالي، كانت المدينة تتزين بأبهى الحلل. ارتدت ليليان ثوباً من الشيفون السماوي يشبه لون البحر الذي تعشقه. وقفت بجانب بدر على المنصة العالية. كانت نظرات الناس مزيجاً من الفضول والرهبة، لكن حضور بدر الطاغي كان يلجم الألسنة.
بدأ الشعراء في إلقاء قصائدهم، وكانت ليليان تنصت بقلبها قبل أذنيها. وعندما جاء دور بدر ليتحدث، وقف بكل كبرياء، ونظر نحوها ثم قال مخاطباً الجمع:
— "يا أهل أرسينا، الجمال لا وطن له، والقدر لا يستأذن أحداً قبل أن يلقي بتبعاته في حجرنا. هذه الغريبة لم تأتِ لتسلبنا شيئاً، بل جاءت لتذكرنا أن خلف الأفق عوالم أخرى ربما نسيناها."
ثم التفت إليها وهمس بحيث لا يسمعه غيرها:
— "لو كان لي من الأمر شيء، لجعلتُ كل قصائد هذا اليوم تُكتب في وصف عينيكِ اللتين تحملان عمق المحيطات."
ارتجف قلب ليليان، وشعرت بحرارة تسري في وجنتيها. في تلك اللحظة، رأت من بعيد "الوزير صخر" يراقبها بنظرة حاقدة، وهو يمسك بمخطوطة قديمة. شعرت أن خطراً يقترب، ليس عليها فحسب، بل على بدر أيضاً بسببها.
بينما كان الضجيج يملأ الساحة، اهتزت المرآة في حقيبتها الصغيرة اهتزازة قوية، وانبعث منها بريق أحمر خافت.. لون التحذير. أدركت ليليان أن بقاءها لن يكون مجرد قصة حب، بل صراع بقاء ضد من يريدون تدمير هذا الرابط.