انعكاس فى مملكه ارسينا - ترانيم الفجر وشرارة اللقاء - بقلم حبيبه وائل - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: انعكاس فى مملكه ارسينا
المؤلف / الكاتب: حبيبه وائل
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: ترانيم الفجر وشرارة اللقاء

ترانيم الفجر وشرارة اللقاء

لم تكن الليلة الأولى لليليان في "أرسينا" هادئة؛ فقد كانت الأحلام تتقاذفها كأمواجٍ هائجة. رأت المرآة تارة، ورأت عيني "بدر" تارة أخرى. ومع بزوغ أول خيط من خيوط الفجر، كانت أثير توقظها بحماس: — "انهضي يا ليليان، فقد أمر القائد بأن ترافقينا في جولة الصيد والرحاب. يريدكِ أن تري 'أرسينا' تحت ضوء الشمس، لا تحت ستار الخوف." ارتدت ليليان ملابس الركوب التي أعدتها لها أثير؛ وهي عبارة عن قميص من الكتان الأبيض وسروال جلدي مرن وفوقهما عباءة خفيفة بلون الرمال. خرجت إلى ساحة القصر الكبرى، لتجد خيولاً أصيلة تصهل بقوة، وفي المقدمة كان "بدر" يمتطي جواداً أسود كأنما قُدَّ من ليلٍ بهيم. عندما رآها، ترجل عن فرسه بخفة، واقترب منها قائلاً بصوته الذي يبعث الطمأنينة: — "لقد أخبرتني 'أثير' أنكِ كنتِ تراقبين البحر في عالمكِ لساعات. اليوم، سأريكِ بحراً من نوع آخر.. بحرٌ من الخضرة والجبال التي تعانق الغيم. هل تجيدين امتطاء الخيل يا ابنة الغيب؟" أجابت ليليان بخجل: "كنتُ أفعل ذلك قليلاً في العطلات، لكن خيولكم تبدو.. أكثر كبرياءً." ابتسم بدر لأول مرة، ابتسامة خطفت أنفاسها، ومد يده لمساعدتها: "هذا 'البرق'، هو أهدأ خيولي، سيتعامل معكِ برفق كما لو كنتِ زهرةً نبتت في غير أوانها." انطلقت القافلة الصغيرة نحو غابات "المرجان" المحيطة بالعاصمة. كانت الطبيعة هناك تفوق الوصف؛ أشجار عملاقة تتدلى منها عناقيد فاكهة لم ترَ مثلها قط، وطيور ملونة تنشد ألحاناً وكأنها لغة بشرية مفهومة. توقف بدر عند حافة شلال مرتفع يطل على المملكة بأكملها، وأشار بيده إلى الأفق: — "انظري يا ليليان، تلك هي 'أرسينا'. لغتنا فصحى لأننا نؤمن أن الكلمة هي أصل الوجود، وأن من لا يحسن صياغة قوله لا يحسن صياغة فعله. نحن هنا نعيش بالصدق، والجمال عندنا فرضٌ لا نافلة." نظرت ليليان إليه، وكان ضوء الشمس ينعكس على وجهه، فسألته بفضول: "لماذا تهتم بي هكذا يا بدر؟ أنا غريبة، وقد أكون خطراً على أمنك." اقترب منها خطوة، ونظر في عينيها بعمق جعلها تشعر بالارتباك: — "الخطر لا يسكن في الوجوه التي تشبه الفجر يا ليليان. منذ أن وجدتُكِ مغشياً عليكِ والمرآة في يدكِ، شعرتُ أن في جعبتكِ حكاياتٍ لم تروَ بعد. قلبي يقول لي إنكِ لستِ مجرد عابرة سبيل، بل أنتِ 'الغريبة' التي تنبأ بها الحكيم زيدون.. تلك التي ستجعلنا نرى أنفسنا بشكلٍ مختلف." في هذه اللحظة، تعثرت قدم ليليان على صخرة زلقة بجانب الشلال، فاندفع بدر بسرعة البرق ليمسك بخصرها ويمنعها من السقوط. بقيت في حضنه لثوانٍ بدت وكأنها دهر. كانت أنفاسهما تمتزج، وضربات قلبه القوية تصل إلى مسامعها. اعتذر بدر بوقار وهو يبتعد قليلاً، لكن نظرته ظلت معلقة بوجهها: — "حذارِ.. فأرض أرسينا قد تكون غادرة لمن لا يعرف تضاريسها.. تماماً كما هو حال القلوب." عادت ليليان إلى القصر في ذلك المساء، ولم يكن يشغل بالها سوى شيء واحد: كيف يمكن لرجل من عالم آخر أن يجعلها تشعر بكل هذا الأمان في يومين؟ دخلت غرفتها وفتحت الصندوق الذي وضعت فيه المرآة، لتجدها قد بدأت تصدر أنيناً خافتاً وضياءً أزرق شاحباً.. وكأن المرآة بدأت تشعر بأن قلب صاحبتها بدأ يبتعد عن "طريق العودة".