انعكاس فى مملكه ارسينا - فى حضرة القائد - بقلم حبيبه وائل - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: انعكاس فى مملكه ارسينا
المؤلف / الكاتب: حبيبه وائل
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: فى حضرة القائد

فى حضرة القائد

لم تكن كلمات الفتاة "أثير" –وهو الاسم الذي عرفت به نفسها لاحقاً– مجرد كلمات عابرة، بل كانت وقعاً لثقافة غارقة في الأدب والوقار. نهضت ليليان من فراشها بخطوات متثاقلة، تقترب من نافذة الغرفة العالية. صُدمت بما رأت؛ لم تكن هذه مدينتها الساحلية، بل كانت مدينة مبنية فوق منحدرات صخرية شاهقة، تتداخل فيها الشلالات مع القصور ذات القباب الفيروزية، والناس في الأسفل يتحركون بهدوء وسكينة، يرتدون أثواباً زاهية وتفوح من الأسواق رائحة التوابل والمسك. قاطعت أثير ذهولها قائلة: — "يا ابنة اليابسة البعيدة، لا يطولنَّ عجبكِ، فإن القائد 'بدر' ينتظر مثولكِ أمامه في قاعة العرش. لقد أمر بأن تُقدم لكِ أبهى الحلل لتليق بمقام ضيفة مجهولة الهوية، معلومة القدر." ارتدت ليليان ثوباً من الحرير القرمزي المطرز بخيوط الذهب، وشعرت وكأنها بطلة في إحدى الأساطير التي كانت تقرأها. مشت خلف أثير عبر ممرات القصر الطويلة، حتى وصلت إلى باب خشبي ضخم، نُقش عليه صقر يبسط جناحيه. انفتح الباب، وفي نهاية القاعة الواسعة، كان يجلس رجل في الثلاثين من عمره، ذو ملامح حادة كالسيف، وعينين سوداوين تشعان ذكاءً وهيبة. كان يرتدي رداءً أسود بياقة عالية، وبجانبه سيف ذو مقبض مرصع بالياقوت. عندما اقتربت ليليان، وقف "بدر" من مجلسه، وساد صمت لم يقطعه سوى صدى خطواتها. نظر إليها طويلاً قبل أن يقول بصوت عميق ورخيم: — "أهلاً بكِ في أرسينا. لقد جئتِ إلينا وفي يدكِ 'مرآة الأفق'، وهي أثرٌ لم يره إنسٌ في أرضنا منذ قرون. أخبريني يا فتاة، من أي الديار أنتِ؟ وكيف طوعتِ جماداً لا يلين إلا لمن اختاره القدر؟" ارتبكت ليليان، وحاولت أن تستجمع شتات لغتها لترد عليه بنفس الرقي: — "أنا.. أنا أدعى ليليان. جئت من مكان بعيد خلف البحر، حيث لا تعرفون عنه شيئاً. لم أطوع المرآة، بل هي من اختارتني وسحبتني إلى هنا في لمحة عين. أنا لا أنتمي إلى عالمكم، وأريد فقط العودة إلى بيتي." خطا بدر نحوها بخطوات واثقة، حتى لم يفصل بينهما سوى ذراع واحدة. انحنى قليلاً ليتفحص ملامحها المذعورة، ثم قال بهدوء غريب: — "العودة؟ إن من يدخل بوابة الأفق لا يخرج منها بمجرد التمني. هذه الأرض التي تطأينها الآن، محكومة بقوانين تختلف عما عهدتِ. المرآة الآن في حالة سبات، ولن تستيقظ إلا إذا وجدَت فيكِ سبباً للبقاء أو رحيلاً يستحق التضحية." أضاف وهو يشير إلى مقعد قريب: — "استريحي يا ليليان، فأنتِ لستِ سجينة، بل أنتِ لغزٌ أرسله البحر إلينا. سأعلمكِ لغتنا، وأريكِ جمال أرسينا، ولعلَّ الأيام تجيبنا عما عجزت عنه مرآتكِ." في تلك اللحظة، ورغم خوفها، شعرت ليليان بجاذبية غريبة نحو هذا الرجل. كان يتحدث بكلمات تشبه الشعر، ونظراته تحمل غموضاً يشبه غموض البحر الذي تعشقه. لكن في زاوية عقلها، كان هناك صوت يهمس: "احذري، فالحب في هذا العالم قد يكون القيد الذي يمنعكِ من العودة للأبد".